أصل المفاهيم الرياضية: العقل أم التجربة؟

مقالة جدلية في أصل المفاهيم الرياضية بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية، بحججها وأقوالها وأمثلتها، وتحويلها إلى استقصاء بالوضع.

يتكوّن الدرس من 6 أجزاء: تأطير المشكلة وصيغ السؤال، الموقف الأوّل: أصل المفاهيم الرياضية عقلي، الموقف الثاني: أصل المفاهيم الرياضية تجريبي، التركيب والرأي الشخصي، الاستدلال الرياضي: التحليل والتركيب والبرهان الفرضي الاستنتاجي، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.

تأطير المشكلة وصيغ السؤال

تأطير المشكلة وصيغ السؤال

1. عائلة الأسئلة

  • هل المفاهيم الرياضية في أصلها ترجع إلى العقل أم إلى التجربة الحسية؟
  • هل المفاهيم الرياضية فطرية أم مكتسبة من الواقع الخارجي؟
  • هل أصل المفاهيم الرياضية عقلي أم تجريبي؟
  • هل ترى أنّ المفاهيم الرياضية نابعة من التجربة أم العقل؟
  • «إنّ المفاهيم الرياضية نابعة من التجربة الحسية» دافع عن هذه الأطروحة.

فالأربعة الأولى جدلية، والأخيرة استقصاء بالوضع، والمادّة واحدة.

2. المفاهيم الأساسية

| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | الرياضيات | علم كمّي يدرس المقادير القابلة للقياس: كمّ متّصل تدرسه الهندسة، وكمّ منفصل يدرسه الجبر والحساب. | | المفهوم الرياضي | صورة عقلية مجرّدة كالعدد والنقطة والخطّ والدائرة واللانهاية. | | النزعة العقلية | مذهب يرى أنّ أصل المعرفة العقل وأنّ المفاهيم فطرية قبلية. | | النزعة التجريبية | مذهب يرى أنّ أصل المعرفة التجربة وأنّ العقل يولد صفحة بيضاء. | | الفطري أو القبلي | ما يولد الإنسان مزوّداً به قبل كلّ تجربة. | | التجريد | عملية عقلية تنتزع الصورة العامّة من الجزئيات المحسوسة. |

3. جذر المشكلة

الرياضيات من أوائل العلوم نشأة، وهي معرفة أساسها المفاهيم والصور العقلية المجرّدة. غير أنّ الفلاسفة اختلفوا في نشأة هذه المفاهيم: فالعقليون يرون أنّها فطرية نابعة من العقل، والتجريبيون يرون أنّها مكتسبة من الواقع الحسّي.

والظاهر يخدع هنا أيضاً: فمن نظر إلى تجريد الرياضيات وبعدها عن المحسوس قال إنّها عقلية خالصة، ومن نظر إلى نشأتها التاريخية من الحساب والمسح قال إنّها تجريبية خالصة.

4. صيغة جاهزة للمقدّمة

> إنّ تاريخ الإنسانية ونشاطها المعرفي يشير إلى أنّ الرياضيات كانت من أوائل العلوم نشأة، وهي معرفة أساسها المفاهيم والصور العقلية المجرّدة، وموضوعها دراسة المقادير الكمّية سواء كانت منفصلة كالجبر أو متّصلة كالهندسة. لكنّ ما اختلف فيه الفلاسفة والباحثون هو نشأة هذه المفاهيم: فالعقليون يذهبون إلى أنّها فطرية نابعة من العقل، بينما يرى التجريبيون أنّها مكتسبة بالتجربة الحسّية. والسؤال المطروح هنا: هل المفاهيم الرياضية فطرية أم أنّها مكتسبة من الواقع الخارجي؟ وبعبارة أخرى: هل أصل المفاهيم الرياضية عقلي أم تجريبي؟ — قالب المقدّمة

5. خريطة المواقف

| | الموقف العقلي | الموقف التجريبي | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | المفاهيم الرياضية فطرية نابعة من العقل | المفاهيم الرياضية مكتسبة من التجربة | | ممثّلوه | أفلاطون، ديكارت، كانط | جون لوك، ديفيد هيوم، جون ستيوارت مل، بياجيه | | المسلّمة | العقل مزوّد بمبادئ قبلية سابقة على التجربة | العقل يولد صفحة بيضاء والتجربة تخطّ عليه | | الدليل الحاسم عنده | مفاهيم لا يقابلها شيء في الواقع كاللانهاية | نشأة الحساب من العدّ بالأصابع والهندسة من مسح الأراضي |

6. تنبيه في التنقيط

سلّم الاستقصاء بالوضع يذكر هذه المشكلة بعينها مثالاً: «ضبط الموقف كفكرة: أصل المعرفة العقل» و «عرض منطق الخصوم: أصل المعرفة التجربة». فاحفظ أنّ ضبط الموقف يكون في جملة واحدة واضحة قبل عرض الحجج، وهو منقّط بنقطة كاملة.

الموقف الأوّل: أصل المفاهيم الرياضية عقلي

الموقف الأوّل: أصل المفاهيم الرياضية عقلي

1. ضبط الموقف

يعتقد أنصار النزعة العقلية أنّ المفاهيم الرياضية فطرية نابعة من العقل وموجودة فيه بصورة قبلية، أي سابقة على كلّ تجربة حسّية.

ومن ممثّليه: أفلاطون، ورينيه ديكارت، وإيمانويل كانط.

ومسلّمتهم: أنّ العقل مزوّد بمبادئ وأفكار سابقة على التجربة، وأنّ الحسّ لا يعطي إلّا الجزئي المتغيّر، والرياضيات كلّية ثابتة.

2. الحجج والبراهين

الحجّة الأولى ــ نظرية التذكّر عند أفلاطون. يرى أفلاطون أنّ النفس كانت في عالم المُثُل تعرف الحقائق كلّها بما فيها المعاني الرياضية من أعداد وخطوط وأشكال، فلمّا هبطت إلى العالم الحسّي نسيتها، فصارت المعرفة تذكّراً لما نسيته لا اكتساباً لما لم تعرفه.

> «المعرفة تذكّر» — أفلاطون

الحجّة الثانية ــ الأفكار الفطرية عند ديكارت. يرى ديكارت أنّ المفاهيم الرياضية فطرية، وأنّها تتميّز بالبساطة والوضوح واليقين، ومصدرها العقل الذي هو أعدل قسمة بين الناس. ويستدلّ بأنّ مفهوم اللانهاية لا يمكن أن يكون نابعاً من التجربة، لأنّ التجربة كلّها متناهية، فمن أين للعقل المتناهي أن يستمدّ اللامتناهي من محسوس متناهٍ؟

الحجّة الثالثة ــ المكان والزمان عند كانط. يرجع كانط المفاهيم الرياضية إلى مبدأين قبليين يولد الإنسان مزوّداً بهما هما الزمان والمكان، وهما صورتان قبليتان للحسّاسية لا تُستمدّان من التجربة بل تُدرَك بهما التجربة. فالهندسة علم المكان، والحساب علم الزمان.

الحجّة الرابعة ــ مفاهيم لا يقابلها شيء في الواقع. فالعدد السالب والكسر والجذر الأصمّ والصفر واللانهاية والفضاءات ذات الأبعاد الأربعة، كلّها مفاهيم ليس لها ما يقابلها في المحسوس. فلو كان أصلها التجربة لوجب أن يكون لها في الواقع نظير.

الحجّة الخامسة ــ من تاريخ الرياضيات. الرياضيات وُلدت مع الإنسان ونشأتها عقلية: فقد أنشأ المصريون نظام الكسور وقواعد حساب مساحات المثلّثات والمستطيلات، وأبدع البابليون النظام الستّيني. وهذا إبداع عقلي لا نقل عن المحسوس.

3. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ الدائرة الكاملة: لا توجد في الطبيعة دائرة كاملة واحدة. فكلّ ما نراه مستدير فيه اعوجاج يظهر بالتكبير. ومع ذلك يعرف العقل الدائرة الكاملة ويبرهن على خواصّها، فمن أين جاءته إن لم تكن فيه؟

المثال الثاني ــ النقطة والخطّ: النقطة عند إقليدس ما لا جزء له، والخطّ طول بلا عرض. وهذان تعريفان لا يمكن أن يُرى مصداقهما بالعين أبداً، لأنّ كلّ نقطة مرسومة لها مساحة وكلّ خطّ مرسوم له عرض.

المثال الثالث ــ الجذر الأصمّ: عرف اليونان أنّ نسبة الوتر إلى الضلع في المثلّث القائم المتساوي الساقين لا يُعبَّر عنها بعدد نسبي، فاكتشفوا الأعداد الصمّاء. وقد اكتشفوها بالبرهان لا بالقياس، إذ لا مسطرة تكشف عن ذلك.

المثال الرابع ــ الهندسات اللاإقليدية: بُنيت في القرن التاسع عشر على فرض مكان مقعّر أو كرويّ، قبل أن يُعرف لها أيّ مقابل في الواقع. ثمّ جاءت النسبية العامّة بعد ذلك فوجدت فيها لغتها. فسبق العقل التجربةَ لا العكس.

4. نقد الموقف الأوّل

النقد الأوّل ــ في المضمون: لا شكّ أنّ للعقل دوراً في تطوير المفاهيم الرياضية، لكنّ هذا لا يعني أنّها نابعة منه وحده. فلو كانت فطرية لوجدناها عند جميع الناس ولحصلت عندهم دفعة واحدة بلا حاجة إلى تعلّم، والواقع أنّ الناس يتفاوتون فيها تفاوتاً كبيراً، وأنّ تعلّمها يستغرق سنوات.

النقد الثاني ــ من علم النفس: الطفل لا يدرك المفاهيم الرياضية بطابعها المجرّد، ولا يفهم المعاني العددية إلّا إذا استعان بأشياء محسوسة كالأصابع والحصى. فلو كانت فطرية لما احتاج إلى المحسوس.

النقد الثالث ــ في الشكل: نظرية التذكّر عند أفلاطون لا تُثبَت ولا تُنفى، فهي مبنية على فرض عالم المثل وهو فرض ميتافيزيقي لا يقبل الاختبار. فالحجّة تفسّر المجهول بمجهول أشدّ منه غموضاً.

5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> يعتقد أنصار النزعة العقلية بزعامة أفلاطون وديكارت وكانط أنّ أصل المفاهيم الرياضية فطري نابع من العقل وموجود فيه بصورة قبلية. فيرى أفلاطون أنّ النفس كانت في عالم المثل تعرف المعاني الرياضية، فلمّا هبطت نسيتها، ولهذا يقول: «المعرفة تذكّر». ويرى ديكارت أنّها أفكار فطرية تتميّز بالبساطة والوضوح، مستدلاً بأنّ مفهوم اللانهاية لا يمكن أن يأتي من تجربة متناهية. ويرجعها كانط إلى مبدأي الزمان والمكان وهما قبليان. ويؤكّد ذلك أنّ مفاهيم كالعدد السالب والصفر والجذر الأصمّ ليس لها ما يقابلها في الواقع، وأنّ الدائرة الكاملة لا توجد في الطبيعة ومع ذلك يبرهن العقل على خواصّها. ونقده: لا شكّ أنّ للعقل دوراً في تطوير هذه المفاهيم، لكن لو كانت فطرية لوجدت عند جميع الناس دفعة واحدة بلا تعلّم، والواقع يثبت أنّ الطفل لا يدرك العدد إلّا مستعيناً بأصابعه. — قالب الموقف الأوّل ونقده

الموقف الثاني: أصل المفاهيم الرياضية تجريبي

الموقف الثاني: أصل المفاهيم الرياضية تجريبي

1. ضبط الموقف

يرى أنصار النزعة التجريبية أنّ المفاهيم الرياضية مكتسبة من الواقع الحسّي وليست فطرية، لأنّ الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء والتجربة تخطّ عليه ما تشاء. فالمعرفة العقلية صدى لإدراكاتنا الحسّية.

ومن ممثّليه: جون لوك، وديفيد هيوم، وجون ستيوارت مل، وجان بياجيه من جهة علم النفس.

ومسلّمتهم: أنّه لا شيء في العقل لم يكن قبل ذلك في الحسّ.

2. الحجج والبراهين

الحجّة الأولى ــ العقل صفحة بيضاء عند لوك. ينكر جون لوك الأفكار الفطرية إنكاراً تامّاً، ويرى أنّ العقل عند الولادة كصفحة بيضاء لا نقش فيها، وأنّ التجربة هي التي تملؤها بالأفكار.

ويقرّر ديفيد هيوم المعنى نفسه حين يردّ كلّ أفكارنا إلى انطباعات حسّية سابقة، فالفكرة عنده نسخة باهتة من الانطباع.

الحجّة الثانية ــ المفاهيم نسخ عن المحسوسات عند مل. يرى جون ستيوارت مل أنّ كلّ ما نعرفه في الرياضيات له ما يقابله في الواقع: فالدائرة يقابلها قرص الشمس وحدقة العين، والمثلّث يقابله الجبل، والأسطوانة يقابلها جذع الشجرة.

> «إنّ النقط والخطوط والدوائر التي يحملها كلّ واحد في ذهنه هي مجرّد نسخ من النقط والخطوط والدوائر التي عرفها في التجربة» — جون ستيوارت مل

الحجّة الثالثة ــ من علم النفس التكويني عند بياجيه. أثبت بياجيه أنّ الطفل يدرك الأعداد أوّل الأمر كصفات للأشياء لا كمفاهيم مجرّدة، وأنّه يمرّ في إدراك المفاهيم الرياضية بمراحل: المرحلة الحسّية، ثمّ الحسّية العقلية، ثمّ العقلية المجرّدة. فالتجريد نهاية الطريق لا بدايته.

الحجّة الرابعة ــ من تاريخ الرياضيات. الرياضيات كانت في بداياتها متّصلة بالحياة العملية: فالحساب وليد الحاجة إلى المقايضة والعدّ، والهندسة وليدة حاجة المصريين إلى مسح الأراضي بعد فيضان النيل وإعادة تحديد الملكيات. ولهذا تطوّرت الهندسة أسرع من الحساب لقربها من الواقع الحسّي.

الحجّة الخامسة ــ العدّ بالأصابع. الإنسان في القديم حين أراد العدّ استعمل أصابعه، ومن هنا جاء النظام العشري لأنّ أصابع اليدين عشر. فالنظام العددي نفسه أثر من آثار الجسد لا من آثار العقل الخالص.

3. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ النظام الستّيني: نقسم الساعة ستّين دقيقة والدقيقة ستّين ثانية، وأصل ذلك حساب البابليين المرتبط بدورة الفلك والقمر. فالتقسيم جاء من رصد السماء لا من بداهة عقلية.

المثال الثاني ــ كلمة الهندسة نفسها: أصلها في اليونانية يعني «قياس الأرض». فاسم العلم شاهد على أصله العملي.

المثال الثالث ــ تعليم الرياضيات اليوم: لا يزال المعلّم يبدأ مع الطفل بالمكعّبات والعصيّ والصور، ثمّ ينتقل به إلى الرمز. فالمنهج التربوي نفسه يسير من المحسوس إلى المجرّد، وهو اعتراف عملي بصحّة هذا الموقف.

المثال الرابع ــ الأطفال في المجتمعات التي لا تعدّ: دلّت دراسات على جماعات لغتها لا تحوي أسماء للأعداد فوق ثلاثة، وأفرادها يعجزون عن مقارنة كمّيات كبيرة بدقّة. فلو كان العدد فطرياً لما تخلّف بتخلّف اللغة.

4. نقد الموقف الثاني

النقد الأوّل ــ في المضمون: لا شكّ أنّ في الواقع ما يقابل بعض المفاهيم كجذع الشجرة بالنسبة للأسطوانة، لكن هذا لا يعني أنّ كلّ المفاهيم كذلك. فبماذا نفسّر المفاهيم التي لا تمتّ إلى الواقع بصلة كالعدد السالب والكسور والأعداد التخيّلية؟ ومن رأى في الطبيعة عدداً سالباً؟

النقد الثاني: نتائج الرياضيات لا تراعي أيّ مقياس واقعي. فالمثلّث الذي يبرهن عليه الرياضي مثلّث مثالي لا يوجد مثله، ونتيجته صادقة على كلّ مثلّث ممكن لا على المثلّثات المرسومة وحدها.

النقد الثالث ــ في الشكل: القول إنّ الدائرة نسخة عن قرص الشمس يخلط بين مناسبة الاكتشاف وأصل المفهوم. فكون التجربة أوحت بالمفهوم لا يعني أنّها أنتجته، إذ لا بدّ من ملكة عقلية تجرّد الصورة من المحسوس، وهذه الملكة هي المطلوب تفسيرها لا المُسلَّم بها.

5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> في مقابل الموقف السابق يرى أنصار النزعة التجريبية وعلى رأسهم جون لوك وديفيد هيوم وجون ستيوارت مل أنّ المفاهيم الرياضية مكتسبة في أصلها من الواقع الحسّي، لأنّ الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء والتجربة تخطّ عليه ما تشاء. ويرى مل أنّ كلّ ما نعرفه في الرياضيات له ما يقابله في الواقع، فالدائرة يقابلها قرص الشمس والمثلّث يقابله الجبل، ولهذا يقول: «إنّ النقط والخطوط والدوائر التي يحملها كلّ واحد في ذهنه هي مجرّد نسخ من النقط والخطوط والدوائر التي عرفها في التجربة». ويؤكّد بياجيه أنّ الطفل يمرّ بمرحلة حسّية ثمّ حسّية عقلية ثمّ عقلية. ويشهد لذلك تاريخ الرياضيات نفسه، فالحساب وليد الحاجة إلى المقايضة والهندسة وليدة مسح الأراضي بعد فيضان النيل. ونقده: لا شكّ أنّ في الواقع ما يقابل بعض المفاهيم، لكنّ هذا لا يفسّر مفاهيم كالعدد السالب والكسور التي لا نظير لها في المحسوس، ثمّ إنّ نتائج الرياضيات لا تراعي أيّ مقياس واقعي. — قالب الموقف الثاني ونقده

التركيب والرأي الشخصي

التركيب والرأي الشخصي

1. التركيب: المصدر الثنائي

نتيجة للانتقادات الموجّهة إلى الاتجاهين، يمكن التوفيق بينهما بالقول إنّ العقل والتجربة مرتبطان متلازمان: فلا وجود لعالم مثالي للمعاني الرياضية في غياب العالم الخارجي، ولا وجود للأشياء الملموسة معرفةً في غياب الوعي وملكة التجريد. فالمنطق يلزمنا القول بالمصدر الثنائي للمفاهيم الرياضية.

> «في كلّ بناء تجريدي يوجد راسب حدسي يستحيل محوه وإزالته، ليس هناك معرفة تجريبية خالصة ولا معرفة عقلية خالصة، بل كلّ ما هناك أنّ أحد الجانبين قد يطغى على الآخر دون أن يلغيه تماماً» — فرديناند غونزيث

> «لو لم يكن في الطبيعة أجسام صلبة لما وُجد علم الهندسة» — هنري بوانكاريه

ومع ذلك يرى بوانكاريه أنّ مسلّمات الهندسة ليست وقائع تجريبية بل مواضعات يختارها العقل، فالتجربة مناسبة والعقل صانع.

2. التركيب بالتدرّج التاريخي

وثمّة وجه ثانٍ للتركيب، وهو النظر إلى المسألة في الزمن: فالمعاني الرياضية لم تنشأ دفعة واحدة، بل نمت وتطوّرت بالتدريج. بدأت حسّية تجريبية في أوّل أمرها، ثمّ تجرّدت فصارت استنتاجية.

فالحساب بدأ عدّاً بالأصابع وانتهى إلى نظرية الأعداد، والهندسة بدأت مسحاً للأرض وانتهت إلى فضاءات لا تُتخيَّل. فالتجربة منطلق التفكير الرياضي، ثمّ استقلّ عنها وفارقها.

3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً

الصيغة الأولى ــ المصدر الثنائي

> والذي أراه أنّ المفاهيم الرياضية ثنائية المصدر: التجربة تعطي المناسبة والعقل يعطي الصورة. وأساس هذا الترجيح أنّ كلّ موقف منهما يفسّر نصف الظاهرة ويعجز عن نصفها الآخر: فالعقليون لا يفسّرون لماذا يحتاج الطفل إلى أصابعه، والتجريبيون لا يفسّرون من أين جاء العدد السالب. ولا يستقيم إلّا القول بأنّ الحسّ يقدّم المادة والعقل يصوغها. — قالب الرأي الأوّل

الصيغة الثانية ــ التدرّج التاريخي

> وأرجّح أنّ الفصل بين الموقفين ناتج عن إغفال البعد التاريخي، فالسؤال ليس «أعقلية هي أم تجريبية؟» بل «في أيّ مرحلة؟». فالرياضيات في نشأتها تجريبية وفي تطوّرها عقلية. ويشهد لذلك أنّ الهندسة بدأت مسحاً للأرض عند المصريين وانتهت عند ريمان إلى فضاءات لا يقابلها محسوس. — قالب الرأي الثاني

الصيغة الثالثة ــ تغليب الجانب العقلي

> وأميل إلى تغليب الجانب العقلي مع الاعتراف بدور التجربة، لأنّ ما يميّز الرياضيات عن سائر العلوم هو قدرتها على بناء موضوعات لا مقابل لها في الواقع ثمّ إثبات صدقها. ويكفي دليلاً أنّ الهندسات اللاإقليدية بُنيت في القرن التاسع عشر على فروض لا نظير لها في المحسوس، ثمّ وجدت فيها النسبية العامّة لغتها بعد ذلك بعقود. فسبق العقل التجربة. — قالب الرأي الثالث

4. صيغ جاهزة للخاتمة

الصيغة الأولى

> نستنتج في الأخير أنّ الرياضيات صارت تمثّل عالم العقل والتجريد، وليس هناك حدّ يقف أمام العقل في ابتكار مفاهيمها والكشف عن علاقاتها. لكنّ هذا لم يكن دفعة واحدة بل تطوّر بالتدريج، وقد كانت التجربة في البداية منطلق التفكير الرياضي، لكنّه استقلّ عنها وفارقها. — قالب الخاتمة الأولى

الصيغة الثانية

> وصفوة القول إنّ المفاهيم الرياضية ليست وليدة العقل وحده ولا التجربة وحدها، بل هي ثمرة تفاعل بينهما: فالحسّ يوقظ العقل والعقل يتجاوز الحسّ. وبهذا يزول التعارض الذي بُني عليه السؤال. — قالب الخاتمة الثانية

5. ملاحظة

لا تجعل التركيب جملة واحدة. فهو أربع نقاط، ويحتاج إلى: جملة التوفيق، ثمّ رأيك، ثمّ تبريره، ثمّ قول أو مثال. وقول غونزيث أو بوانكاريه هنا يكفي لبند الأقوال.

الاستدلال الرياضي: التحليل والتركيب والبرهان الفرضي الاستنتاجي

الاستدلال الرياضي: التحليل والتركيب والبرهان الفرضي الاستنتاجي

1. موقع هذا الجزء من الدرس

بعد سؤال من أين جاءت المفاهيم الرياضية؟ يأتي سؤال ثانٍ لا يقلّ أهمية: كيف يستدلّ الرياضي بهذه المفاهيم؟ فالرياضيات لا تكتفي بمفاهيم مجرّدة، بل تبني بها قضايا وتبرهن عليها. وهذا الجزء يغطّي مورد البرنامج «الاستدلال الرياضي: التحليل والتركيب»، ويهيّئ لسؤال التقويم «البرهان الرياضي فرضي استنتاجي»، وهو جسر إلى درس اليقين الرياضي.

2. المفاهيم الأساسية

| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | الاستدلال | انتقال الذهن من قضايا مسلَّم بها إلى قضية جديدة تلزم عنها. | | الاستدلال الرياضي | استدلال استنتاجي ينتقل من التعريفات والبديهيات والمسلّمات إلى المبرهنات بلزوم ضروري لا بالتجربة. | | التحليل | صعود من المطلوب، مفروضاً أنّه صحيح، إلى ما يلزم عنه خطوة خطوة حتى نبلغ قضية معلومة الصدق. | | التركيب | نزول من المبادئ المعلومة خطوة خطوة حتى نصل إلى المطلوب، وهو الصورة التي يُعرض بها البرهان. | | البديهية | قضية واضحة بذاتها مشتركة بين العلوم، كقولنا: الكلّ أكبر من الجزء. | | المصادرة أو المسلّمة | قضية خاصّة بعلم بعينه يُطلب التسليم بها بلا برهان، كمسلّمة التوازي في الهندسة. | | المبرهنة | قضية تُثبَت بالبرهان انطلاقاً من المبادئ. | | البرهان الفرضي الاستنتاجي | برهان صيغته: إذا سلّمنا بهذه المقدّمات لزمت عنها هذه النتائج، فصدق النتيجة مشروط بالمقدّمات. |

3. مبادئ البرهان عند إقليدس

جمع إقليدس في كتاب «الأصول»، نحو سنة ثلاثمائة قبل الميلاد، هندسة عصره في بناء استنتاجي واحد. ويبدأ الكتاب الأوّل منه بثلاثة أنواع من المبادئ يُبنى عليها كلّ ما بعدها:

| نوع المبدأ | مثاله عند إقليدس | خاصّيته | | :--- | :--- | :--- | | التعريفات | النقطة ما لا جزء له، والخطّ طول بلا عرض | تحدّد معاني الألفاظ ولا تُبرهَن | | المصادرات | يمكن أن يُرسم خطّ مستقيم من أيّ نقطة إلى أيّ نقطة | خاصّة بالهندسة، يُطلب التسليم بها | | البديهيات أو المعاني العامّة | الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، والكلّ أكبر من الجزء | مشتركة بين العلوم، واضحة بذاتها |

ثمّ تأتي المبرهنات مرتّبة، كلّ واحدة منها تستند إلى المبادئ وإلى ما بُرهن قبلها. فالبناء كلّه استنتاج: لا يدخله شيء من التجربة بعد وضع المبادئ. ولهذا صار كتاب الأصول قروناً طويلة نموذج البرهان الصارم.

4. التحليل والتركيب: طريقا الاستدلال الرياضي

أ. التحليل: طريق الكشف

يفترض الرياضي أنّ المطلوب حاصل، ثمّ يسأل: ما الذي يلزم عنه؟ وما الذي يلزم عن هذا؟ ويواصل الصعود حتى يبلغ قضية يعرف صدقها من قبل: تعريفاً أو مسلّمة أو مبرهنة سابقة. فالتحليل يسير من المجهول إلى المعلوم، وهو الطريق الذي يكتشف به الرياضي كيف يبرهن.

ب. التركيب: طريق العرض والبرهنة

ثمّ يعكس الرياضي الطريق: يبدأ من القضية المعلومة التي انتهى إليها التحليل، وينزل خطوة خطوة حتى يصل إلى المطلوب. فالتركيب يسير من المعلوم إلى المجهول، وهو الصورة التي يُكتب بها البرهان في الكتب.

وقد وصف رياضيو الإسكندرية هذين الطريقين، وأشهر من عرّفهما بابوس الإسكندري، ثمّ جعلهما ديكارت قاعدتين من قواعد منهجه في كتاب «مقالة في المنهج»:

> «أن أقسّم كلّ واحدة من المعضلات التي أفحصها إلى أجزاء بقدر ما يمكن وبقدر ما يلزم لحلّها على أحسن وجه» — ديكارت

> «أن أسير بأفكاري بنظام، مبتدئاً بأبسط الأمور وأيسرها معرفة، لأرتقي شيئاً فشيئاً كما يُرتقى في الدرج إلى معرفة أكثرها تركيباً» — ديكارت

فالقاعدة الأولى منهما تحليل، والثانية تركيب.

ج. مثال محلول: مجموع زوايا المثلّث

المطلوب: إثبات أنّ مجموع زوايا المثلّث يساوي قائمتين في هندسة إقليدس.

| الخطوة | التحليل: من المطلوب إلى المعلوم | التركيب: من المعلوم إلى المطلوب | | :--- | :--- | :--- | | الأولى | لو كان المجموع قائمتين لأمكن أن نجمع الزوايا الثلاث على خطّ مستقيم واحد | نرسم من رأس المثلّث مستقيماً موازياً للضلع المقابل، وهو موازٍ وحيد بمسلّمة التوازي | | الثانية | ويكفي لذلك أن نجد عند أحد الرؤوس زاويتين تساويان الزاويتين الأخريين | الزاويتان الحادثتان عن جانبي الرأس تساويان زاويتي القاعدة بالتبادل | | الثالثة | وهذا ممكن إن رسمنا من الرأس موازياً للضلع المقابل، فنصل إلى مسلّمة التوازي وإلى أنّ الزوايا على مستقيم واحد مجموعها قائمتان | الزوايا الثلاث على المستقيم مجموعها قائمتان، فمجموع زوايا المثلّث قائمتان |

ولاحظ أمرين: أنّ الطريقين متكاملان، فالتحليل يكشف والتركيب يبرهن؛ وأنّ البرهان كلّه معلّق على مسلّمة التوازي، فلو غيّرناها لتغيّرت النتيجة. وهذه الملاحظة الثانية هي مفتاح القول بأنّ البرهان الرياضي فرضي استنتاجي.

د. صور أخرى للاستدلال الرياضي

  • **البرهان بالخلف**: يفترض الرياضي نقيض ما يريد إثباته، ثمّ يبيّن أنّه يؤدّي إلى تناقض، فيثبت المطلوب. وبه بُرهن على أنّ الجذر التربيعي للعدد اثنين ليس عدداً نسبياً.
  • **الاستدلال بالتراجع**: يثبت أنّ خاصّية تصدق على العدد الأوّل، وأنّها إذا صدقت على عدد صدقت على تاليه، فيحكم بصدقها على الأعداد كلّها. ويرى بوانكاريه أنّه الاستدلال الرياضي بامتياز، لأنّه ينتقل من الخاصّ إلى العامّ دون أن يفقد صرامته.

5. «البرهان الرياضي فرضي استنتاجي»: معنى الأطروحة وحججها

معنى الأطروحة: البرهان الرياضي لا يقرّر أنّ نتيجته صادقة صدقاً مطلقاً، بل يقرّر أنّها تلزم ضرورةً عن مقدّماته. والمقدّمات نفسها ليست حقائق بديهية مفروضة على العقل، بل فروض يختارها الرياضي ويشترط فيها ألّا تتناقض. فالبرهان فرضي في منطلقه، استنتاجي في سيره.

الحجّة الأولى ــ تغيير المسلّمة يغيّر المبرهنات. حين استُبدلت مسلّمة التوازي في القرن التاسع عشر قامت هندسات متّسقة نتائجها مختلفة: فمجموع زوايا المثلّث قائمتان عند إقليدس، وأقلّ من قائمتين عند لوباتشيفسكي، وأكثر منهما عند ريمان. فالنتيجة صادقة بالنسبة إلى مسلّماتها.

الحجّة الثانية ــ هلبرت والنسق الأكسيومي. صاغ دافيد هلبرت في كتابه «أسس الهندسة» سنة 1899 الهندسة نسقاً أكسيومياً تُترك فيه الحدود الأولى كالنقطة والمستقيم بلا تعريف، ولا يُعتدّ إلّا بالعلاقات التي تقرّرها المسلّمات. فلم يعد الرياضي يسأل: هل المسلّمة صادقة؟ بل: هل النسق متّسق؟

الحجّة الثالثة ــ تعريف راسل للرياضيات البحتة.

> «الرياضيات البحتة هي مجموع القضايا التي صورتها: ق تستلزم ك» — برتراند راسل

أي أنّها لا تقرّر صدق «ق» ولا صدق «ك»، بل تقرّر أنّ الثانية تلزم عن الأولى.

الحجّة الرابعة ــ شروط النسق. لا يُطلب في المسلّمات أن تكون بديهية، بل يُطلب فيها عدم التناقض والاستقلال فلا تُستنتج إحداها من غيرها، والكفاية لاستنتاج مبرهنات النسق.

منطق الخصوم: يرى أنصار الرياضيات الكلاسيكية، كديكارت وكانط، أنّ مبادئ الهندسة حقائق بديهية أو أحكام قبلية ضرورية، فالبرهان عندهم قطعي ينقل يقين المبادئ إلى النتائج.

نقدهم: مسلّمة التوازي نفسها لم تكن بديهية في نظر الرياضيين، ولهذا حاولوا قروناً أن يبرهنوا عليها من المسلّمات الأخرى فلم يفلحوا، ثمّ ثبت أنّها مستقلّة عنها. فالبداهة لم تكن خاصّية في القضية بل عادة في النظر إليها.

حدّ الأطروحة: القول بأنّ البرهان فرضي لا يعني أنّه اعتباطي. فالاستنتاج نفسه يخضع لمبادئ العقل من هوية وعدم تناقض، واختيار المسلّمات تحكمه الخصوبة والملاءمة لا الهوى.

6. صيغة جاهزة للاستقصاء بالوضع

نصّ السؤال المحتمل: «البرهان الرياضي فرضي استنتاجي» دافع عن هذه الأطروحة.

| ما عندك في هذا الجزء | ما تفعل به | | :--- | :--- | | معنى الأطروحة وحجج هلبرت وراسل والهندسات المتعدّدة | عرض منطق الأطروحة بمسلّمته وبرهنته | | موقف ديكارت وكانط من بداهة المبادئ | منطق الخصوم مختصراً | | تاريخ محاولات البرهنة على مسلّمة التوازي | نقد الخصوم موسَّعاً | | مثال مجموع زوايا المثلّث في الهندسات الثلاث | حجّة شخصية |

> شاع عند أنصار الرياضيات الكلاسيكية أنّ البرهان الرياضي قطعي، ينطلق من مبادئ بديهية فينقل يقينها إلى النتائج، في حين ترى الرياضيات المعاصرة أنّ البرهان فرضي استنتاجي، يربط النتائج بمسلّمات يختارها الرياضي ربطاً ضرورياً دون أن يدّعي صدقها المطلق. فإذا سلّمنا بصحّة هذه الأطروحة، فكيف يمكننا الدفاع عنها وإثباتها؟ — قالب مقدّمة الوضع

7. ماذا تحفظ من هذا الجزء؟

  • **تعريف التحليل والتركيب** والفرق بينهما: الكشف والعرض.
  • **قاعدتي ديكارت** في القسمة والترتيب.
  • **مثال مجموع زوايا المثلّث** وتعلّقه بمسلّمة التوازي.
  • **قول راسل** في أنّ الرياضيات قضايا صورتها ق تستلزم ك.

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

نصّ السؤال: هل المفاهيم الرياضية في أصلها ترجع إلى العقل أم إلى التجربة الحسّية؟

طرح المشكلة

إنّ تاريخ الإنسانية ونشاطها المعرفي يشير إلى أنّ الرياضيات كانت من أوائل العلوم نشأة، وهي معرفة أساسها المفاهيم والصور العقلية المجرّدة، وموضوعها دراسة المقادير الكمّية سواء كانت منفصلة كالجبر أو متّصلة كالهندسة. لكنّ ما اختلف فيه الفلاسفة والباحثون هو نشأة هذه المفاهيم: فالعقليون يذهبون إلى أنّها فطرية نابعة من العقل، بينما يرى التجريبيون أنّها مكتسبة بالتجربة الحسّية. ومن هنا نتساءل: هل المفاهيم الرياضية فطرية أم مكتسبة من الواقع الخارجي؟ وبعبارة أخرى: هل أصل المفاهيم الرياضية عقلي أم تجريبي؟

محاولة حلّ المشكلة

أوّلاً: الموقف الأوّل ــ أصلها عقلي

يعتقد أنصار النزعة العقلية بزعامة أفلاطون وديكارت وكانط أنّ أصل المفاهيم الرياضية فطري نابع من العقل، موجود فيه بصورة قبلية سابقة على كلّ تجربة. فيرى أفلاطون أنّ النفس كانت في عالم المُثُل تعرف الحقائق كلّها بما فيها المعاني الرياضية من أعداد وخطوط وأشكال، فلمّا هبطت إلى العالم الحسّي نسيتها وكان عليها أن تتذكّرها، ولهذا يقول: «المعرفة تذكّر». ويرى ديكارت أنّ هذه المفاهيم فطرية تتميّز بالبساطة والوضوح واليقين، ومصدرها العقل الذي هو أعدل قسمة بين الناس، مستدلّاً بأنّ مفهوم اللانهاية لا يمكن أن يكون نابعاً من التجربة لأنّ هذه الأخيرة متناهية. أمّا كانط فيرجع المفاهيم الرياضية إلى مبدأين عقليين يولد الإنسان مزوّداً بهما هما الزمان والمكان. ويؤكّد صحّة هذا الموقف أنّ مفاهيم كالعدد السالب والصفر والجذر الأصمّ واللانهاية ليس لها ما يقابلها في الواقع، وأنّ الدائرة الكاملة لا توجد في الطبيعة ومع ذلك يبرهن العقل على خواصّها، وأنّ تاريخ الرياضيات يبيّن أنّ الفراعنة أنشؤوا نظام الكسور وأنّ البابليين أبدعوا النظام الستّيني.

نقده: لا شكّ أنّ للعقل دوراً في تطوير المفاهيم الرياضية، لكنّ هذا لا يعني أنّها نابعة منه وحده. فلو كان الأمر كذلك لوجدناها عند جميع الناس ولحصلت عندهم دفعة واحدة دون حاجة إلى تعلّمها، والواقع يؤكّد أنّ الطفل لا يدرك المعاني الرياضية بطابعها المجرّد ولا يفهمها إلّا إذا استعان بأشياء محسوسة كالأصابع. ثمّ إنّ نظرية التذكّر مبنية على فرض عالم المثل، وهو فرض لا يُثبَت ولا يُنفى.

ثانياً: الموقف الثاني ــ أصلها تجريبي

في مقابل الموقف السابق يرى أنصار النزعة التجريبية وعلى رأسهم جون لوك وديفيد هيوم وجون ستيوارت مل أنّ المفاهيم الرياضية مكتسبة في أصلها من الواقع الحسّي وليست فطرية، لأنّ الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء والتجربة تخطّ عليه ما تشاء، فالمعرفة العقلية صدى لإدراكاتنا الحسّية. ويرى مل أنّ كلّ ما نعرفه في الرياضيات له ما يقابله في الواقع، فالدائرة يقابلها قرص الشمس وحدقة العين، والمثلّث يقابله الجبل، ولهذا يقول: «إنّ النقط والخطوط والدوائر التي يحملها كلّ واحد في ذهنه هي مجرّد نسخ من النقط والخطوط والدوائر التي عرفها في التجربة». ويؤكّد علم النفس التكويني بزعامة بياجيه أنّ الطفل يدرك الأعداد أوّلاً كصفات للأشياء، وأنّه يمرّ بمرحلة حسّية ثمّ حسّية عقلية ثمّ عقلية. ويشهد لذلك تاريخ الرياضيات، فالحساب كان وليد الحاجة إلى المقايضة، وحاجة المصريين إلى مسح أراضيهم بعد فيضان النيل هي التي أنشأت الهندسة، ولهذا تطوّرت الهندسة أسرع من الحساب لقربها من الواقع. ويردّ هيوم كلّ أفكارنا إلى انطباعات حسّية سابقة، فالفكرة عنده نسخة من الانطباع.

نقده: لا شكّ أنّ في الواقع الحسّي ما يقابل بعض المفاهيم الرياضية كجذع الشجرة بالنسبة للأسطوانة، لكنّ هذا لا يعني أنّ أصلها كلّها تجريبي. فبماذا نفسّر المفاهيم التي لا تمتّ إلى الواقع بصلة كالعدد السالب والكسور؟ ثمّ إنّ نتائج الرياضيات لا تراعي أيّ مقياس واقعي، فالمثلّث الذي يبرهن عليه الرياضي مثالي لا يوجد مثله في الطبيعة.

ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي

نتيجة للانتقادات الموجّهة إلى كلا الاتجاهين، يمكننا التوفيق بينهما بالقول إنّ العقل والتجربة مرتبطان متلازمان: فلا وجود لعالم مثالي للمعاني الرياضية في غياب العالم الخارجي، ولا وجود للأشياء الملموسة معرفةً في غياب الوعي وملكة التجريد. ولهذا يقول غونزيث: «في كلّ بناء تجريدي يوجد راسب حدسي يستحيل محوه وإزالته، ليس هناك معرفة تجريبية خالصة ولا معرفة عقلية خالصة». يُضاف إلى ذلك أنّ المعاني الرياضية لم تنشأ دفعة واحدة، بل بدأت حسّية تجريبية ثمّ تطوّرت فصارت استنتاجية مجرّدة، ولهذا يقول بوانكاريه: «لو لم يكن في الطبيعة أجسام صلبة لما وُجد علم الهندسة»، مع أنّه يرى مسلّمات الهندسة مواضعات يختارها العقل لا وقائع تنقلها التجربة. والذي أراه أنّ المفاهيم الرياضية ثنائية المصدر: التجربة تعطي المناسبة والعقل يعطي الصورة. وأساس هذا الترجيح أنّ كلّ موقف يفسّر نصف الظاهرة ويعجز عن نصفها الآخر، فالعقليون لا يفسّرون حاجة الطفل إلى أصابعه، والتجريبيون لا يفسّرون من أين جاء العدد السالب.

حلّ المشكلة

نستنتج في الأخير أنّ الرياضيات صارت تمثّل عالم العقل والتجريد، وليس هناك حدّ يقف أمام العقل في ابتكار مفاهيمها والكشف عن علاقاتها وتوظيفها. لكنّ هذا لم يحدث دفعة واحدة بل تطوّر بالتدريج، فقد كانت التجربة في البداية منطلق التفكير الرياضي، ثمّ استقلّ عنها وفارقها. فالحسّ يوقظ العقل والعقل يتجاوز الحسّ، وبهذا يزول التعارض الذي بُني عليه السؤال.

---

تحويل المقالة إلى استقصاء بالوضع

نصّ السؤال المحتمل: «إنّ المفاهيم الرياضية نابعة من التجربة الحسّية» دافع عن هذه الأطروحة.

| ما عندك في الدرس | ما تفعل به | | :--- | :--- | | الموقف الثاني وحججه وأقواله | الأطروحة، تعرضه مفصّلاً بمسلّمته وبرهنته ونتائجه | | نقد الموقف الثاني | يُحذف | | الموقف الأوّل وحججه | منطق الخصوم، تعرضه مختصراً | | نقد الموقف الأوّل | يُوسَّع: جزؤك الثاني | | التركيب | يُحذف | | أمثلة النظام العشري ومسح الأراضي والمنهج التربوي | حججك الشخصية |

وانتبه: لو جاء السؤال «إنّ المفاهيم الرياضية فطرية» لانقلب الجدول: الموقف العقلي يصير الأطروحة والتجريبي يصير الخصم. فاقرأ الأطروحة في نصّ السؤال قبل أن تختار عمودك.

ماذا تحفظ؟

  • **خريطة المواقف** في الجزء الأوّل.
  • **ثلاثة أسماء لكلّ موقف** لا أكثر.
  • **أربعة أقوال**: أفلاطون، ومل، وغونزيث، وبوانكاريه.
  • **مثالين**: الدائرة الكاملة التي لا توجد في الطبيعة، ومسح الأراضي بعد فيضان النيل.
  • **مقدّمة واحدة وخاتمة واحدة**.

الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.

تمرّن على هذا الدرس

تمارين درس أصل المفاهيم الرياضية: العقل أم التجربة؟ (60 تمريناً) — تمارين مصحّحة، أوّلها مفتوح للجميع.

مواضيع بكالوريا الفلسفة

كل مواضيع بكالوريا الفلسفة

دروس أخرى في الفلسفة