الحتمية واللاحتمية: هل مبدأ الحتمية مطلق؟
درس علوم المادة الجامدة: الملاحظة العادية والعلمية، والاستقراء وخطوات المنهج التجريبي في الفيزياء ودور العقل في بناء المعرفة العلمية، ثمّ جدلية الحتمية المطلقة عند لابلاس وكلود برنار واللاحتمية عند هايزنبرغ، وتركيبها في الحتمية الاحتمالية، مع مقالة جدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء بالرفع.
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: تأطير المشكلة: المنهج التجريبي في الفيزياء وسؤال الحتمية، الموقف الأوّل: الحتمية مبدأ مطلق، الموقف الثاني: اللاحتمية في العالم الأصغر، التركيب والرأي الشخصي: الحتمية النسبية الاحتمالية، المقالة الجدلية في الحتمية كاملة وتحويلها إلى استقصاء بالرفع.
تأطير المشكلة: المنهج التجريبي في الفيزياء وسؤال الحتمية
تأطير المشكلة: المنهج التجريبي في الفيزياء وسؤال الحتمية
1. عائلة الأسئلة
- هل مبدأ الحتمية مطلق؟
- هل تخضع كلّ ظواهر الطبيعة لنظام ثابت يمكن التنبّؤ به؟
- هل يمكن الحديث عن حتمية مطلقة في العالم الأصغر؟
- هل اللاحتمية في الفيزياء المعاصرة تهدم العلم أم تجدّده؟
- «الحتمية مبدأ مطلق تخضع له كلّ الظواهر الطبيعية» أبطل هذه الأطروحة.
- هل التجربة هي المقياس الأساسي الذي يجعل العلم علماً؟
- هل الحقائق العلمية مطلقة أم نسبية؟
2. المفاهيم الأساسية
| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | علوم المادة الجامدة | العلوم التي تدرس الظواهر الطبيعية غير الحيّة، كالفيزياء والكيمياء وعلم الفلك. | | المنهج | الطريق المنظّم الذي يسلكه العقل للوصول إلى الحقيقة في علم من العلوم. | | الملاحظة العادية | مشاهدة عفوية عابرة يقوم بها الإنسان في حياته اليومية دون قصد علمي. | | الملاحظة العلمية | مشاهدة مقصودة منظّمة يوجّهها سؤال، تستعين بالأجهزة والقياس وتُسجَّل بدقّة. | | الاستقراء | الانتقال من حالات جزئية ملاحَظة إلى حكم عامّ يشملها ويشمل ما يماثلها. | | القانون العلمي | علاقة ثابتة بين ظاهرتين أو أكثر، تُصاغ غالباً صياغة رياضية ويُتنبّأ بها. | | الحتمية | مبدأ يقضي بأنّ الظواهر الطبيعية تخضع لنظام ثابت، فإذا توفّرت الأسباب نفسها حدثت النتائج نفسها حتماً. | | اللاحتمية | القول بأنّ بعض الظواهر، وخاصّة في العالم الأصغر، لا يمكن التنبّؤ بها تنبّؤاً يقينياً بل احتمالياً. | | الاحتمال | درجة إمكان وقوع حادثة، وتُقاس بنسبة بين الصفر والواحد. | | العالم الأكبر | عالم الأجسام التي ندركها بالحواسّ أو بالمراصد، كالكواكب والقذائف والآلات. | | العالم الأصغر | عالم الذرّة ومكوّناتها كالإلكترون والفوتون، وهو ميدان الفيزياء الذرّية. |
3. الملاحظة العادية والملاحظة العلمية
| | الملاحظة العادية | الملاحظة العلمية | | :--- | :--- | :--- | | القصد | عفوية تقع صدفة | مقصودة يوجّهها سؤال أو مشكلة | | الأداة | الحواسّ المجرّدة | الحواسّ مدعومة بالأجهزة كالمجهر والمرصد وأدوات القياس | | النتيجة | انطباع كيفي عامّ | معطيات كمّية دقيقة تُسجَّل وتُكرَّر | | الموقف | تكتفي بظاهر الأشياء وتتأثّر بالرغبة والعادة | تتحرّى الموضوعية وتضبط شروط الظاهرة | | مثال | الناس يرون الأجسام الثقيلة تسقط أسرع من الخفيفة | غاليلي يقيس المسافات التي تقطعها كرة على سطح مائل في أزمنة متساوية |
والفرق الحاسم أنّ الملاحظة العلمية ليست مجرّد نظر أدقّ، بل نظر يحمله سؤال: فالعالم يعرف ماذا يبحث عنه، ولهذا يختار ما يلاحظه ويقيسه.
4. خطوات المنهج التجريبي في الفيزياء باختصار
المثال: سقوط الأجسام عند غاليلي
| الخطوة | مضمونها | في المثال | | :--- | :--- | :--- | | الملاحظة | مشاهدة الظاهرة وتحديد المشكلة | الشائع منذ أرسطو أنّ الجسم الأثقل يسقط أسرع، فهل هذا صحيح؟ | | الفرضية | تفسير مؤقّت يقترحه العقل | لولا مقاومة الهواء لسقطت الأجسام كلّها بالكيفية نفسها مهما اختلف وزنها | | التجربة | اختبار الفرضية في ظروف مضبوطة | كرات تتدحرج على سطح مائل يُبطئ السقوط فيمكن قياس المسافات والأزمنة | | القانون | صياغة العلاقة الثابتة صياغة رياضية | المسافة المقطوعة تتناسب مع مربّع الزمن |
والاستقراء هو الذي ينقل غاليلي من عدد محدود من المحاولات إلى قانون يشمل كلّ الأجسام الساقطة في كلّ مكان وزمان. وهنا موضع السؤال: بأيّ حقّ نعمّم ما لاحظناه على ما لم نلاحظه؟
تنبيه: قيمة الفرضية ودورها في المنهج موضوع درس مستقلّ («ما دور الفرضية في المنهج التجريبي؟»)، فلا نعيد هنا إلّا ما يخدم مشكلة الحتمية.
5. دور العقل في بناء المعرفة العلمية
المعرفة العلمية ليست نسخة من الواقع تلتقطها الحواسّ، بل بناء يشارك فيه العقل في كلّ خطوة:
- **يطرح السؤال**: فالملاحظة العلمية تبدأ بمشكلة يصوغها العقل.
- **يقترح الفرضية**: فالتفسير لا يُرى بالعين بل يُتخيَّل ثمّ يُختبر.
- **يصمّم التجربة والأدوات**: فالسطح المائل عند غاليلي حيلة عقلية لإبطاء السقوط حتى يصير قابلاً للقياس.
- **يصوغ القانون صياغة رياضية**: ولهذا يقول غاليلي:
> «كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات» — غاليلي
- **يسلّم بمبدأ الحتمية قبل كلّ تجربة**: فالعالم لا يجرّب إلّا لأنّه يفترض أنّ الطبيعة منتظمة، وأنّ التجربة إذا أُعيدت بالشروط نفسها أعطت النتيجة نفسها. ويرى كانط أنّ السببية **مقولة من مقولات الفهم** يرتّب بها العقل التجربة، لا شيئاً نستخلصه من الأشياء.
6. جذر المشكلة
يقوم الاستقراء والقانون العلمي على مسلّمة: الطبيعة منتظمة، فالأسباب نفسها تُحدث النتائج نفسها. وهذه المسلّمة هي مبدأ الحتمية، ولولاها ما كان للتعميم معنى، وما أمكن التنبّؤ بكسوف أو بمسار قذيفة. وقد نجحت الفيزياء الكلاسيكية في التنبّؤ نجاحاً جعل الحتمية تبدو قانون الكون كلّه.
غير أنّ الفيزياء الذرّية في مطلع القرن العشرين كشفت ظواهر لا يمكن التنبّؤ بها تنبّؤاً يقينياً: فلا نعرف متى تتفكّك ذرّة مشعّة بعينها، ولا نستطيع تحديد موقع الإلكترون وسرعته معاً بدقّة. فهل الحتمية مبدأ مطلق تخضع له الطبيعة كلّها، أم أنّها مبدأ نسبي يصدق على العالم الأكبر ويتراجع أمام العالم الأصغر؟
7. صيغة جاهزة للمقدّمة
> يقوم العلم التجريبي على مسلّمة أساسية هي أنّ الطبيعة منتظمة، فالأسباب نفسها تُحدث النتائج نفسها، وهذا ما يُعرف بمبدأ الحتمية الذي جعل التعميم والتنبّؤ ممكنين، وبه بلغت الفيزياء الكلاسيكية نجاحاً باهراً. غير أنّ اكتشافات الفيزياء الذرّية في القرن العشرين كشفت ظواهر لا تخضع للتنبّؤ اليقيني، فانقسم العلماء والفلاسفة بين قائل بأنّ الحتمية مبدأ مطلق لا يقوم العلم بدونه، وقائل بأنّ اللاحتمية هي حقيقة العالم الأصغر. ومن هنا، ورفعاً للتعارض بين الموقفين، نتساءل: هل مبدأ الحتمية مطلق أم نسبي؟ وبعبارة أخرى: هل تخضع كلّ ظواهر الطبيعة لنظام ثابت يمكن التنبّؤ به يقيناً؟ — قالب المقدّمة
8. خريطة المواقف
| | الموقف الأوّل | الموقف الثاني | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | الحتمية مبدأ مطلق تخضع له كلّ الظواهر | اللاحتمية حقيقة العالم الأصغر | | ممثّلوه | نيوتن، لابلاس، كلود برنار، بوانكاريه، أينشتاين | هايزنبرغ، بور، ماكس بورن، ومن قبلهم بلانك بنظرية الكمّ | | ميدانه | الميكانيكا الكلاسيكية والفلك | الفيزياء الذرّية ونظرية الكمّ | | مثاله | التنبّؤ بالكسوف وبعودة مذنّب هالي | مبدأ الارتياب، وتفكّك الذرّة المشعّة | | نقده الأساسي | يعمّم على العالم الأصغر ما صحّ في العالم الأكبر | ينسى أنّ الاحتمال نفسه قانون ثابت يُتنبّأ به |
الموقف الأوّل: الحتمية مبدأ مطلق
الموقف الأوّل: الحتمية مبدأ مطلق
1. ضبط الموقف
يرى أنصار الحتمية المطلقة أنّ الطبيعة نظام محكم تخضع كلّ ظواهره لقوانين ثابتة، فلا شيء يحدث صدفة، وكلّ حادثة نتيجة ضرورية لأسبابها. والتنبّؤ اليقيني ممكن مبدئياً، فإن أخطأنا التنبّؤ فلجهلنا بالأسباب لا لنقص في انتظام الطبيعة. والحتمية عندهم شرط العلم: فبدونها لا تعميم ولا قانون ولا تنبّؤ.
ومن ممثّليه: نيوتن والفيزياء الكلاسيكية، ولابلاس، وكلود برنار، وبوانكاريه، وأينشتاين في معارضته لتفسير ميكانيكا الكمّ.
2. نيوتن: الكون آلة منتظمة
أقامت ميكانيكا نيوتن تفسيراً موحّداً لحركة الأجسام على الأرض وحركة الكواكب في السماء بقوانين الحركة وقانون الجاذبية. فصار الكون يبدو آلة ضخمة: إذا عرفنا مواقع أجزائها وسرعاتها والقوى المؤثّرة فيها أمكننا حساب حالتها في أيّ لحظة.
وشهد التاريخ لهذه الحتمية بنجاحات باهرة:
- **الكسوف والخسوف**: يُحسب موعدهما بدقّة قبل وقوعهما بسنوات.
- **مذنّب هالي**: حسب هالي بقوانين نيوتن عودة المذنّب الذي يحمل اسمه، فعاد في الموعد المتوقّع تقريباً بعد وفاة صاحبه.
3. لابلاس: الذكاء الذي يعرف الماضي والمستقبل
صاغ لابلاس الحتمية المطلقة أوضح صياغة في كتابه «محاولة فلسفية في الاحتمالات» (1814):
> «ينبغي أن ننظر إلى الحالة الراهنة للكون على أنّها نتيجة لحالته السابقة وسبب لحالته اللاحقة» — لابلاس
ثمّ افترض ذكاءً واسعاً يعرف في لحظة ما كلّ القوى التي تحرّك الطبيعة، والوضع الذي تكون عليه كلّ الكائنات المكوّنة لها، ويقدر على تحليل هذه المعطيات، فيرى أنّ هذا الذكاء يجمع في صيغة واحدة حركات أعظم الأجرام وحركات أخفّ الذرّات، فلا يكون عنده شيء غير يقيني، ويكون المستقبل كالماضي حاضراً أمام عينيه. وسمّي هذا الذكاء لاحقاً شيطان لابلاس.
ومعنى ذلك: الحتمية مطلقة في الطبيعة، والاحتمال ليس صفة في الأشياء بل علامة على جهلنا. فلابلاس نفسه كتب في الاحتمالات، لكنّه جعلها أداة لعقل لا يعرف كلّ الأسباب، لا دليلاً على أنّ الطبيعة غير محدّدة.
4. كلود برنار: الحتمية مطلقة في الحيّ والجامد
يرى كلود برنار في كتابه «مدخل إلى دراسة الطبّ التجريبي» (1865) أنّ الحتمية مبدأ مطلق في كلّ العلوم التجريبية، يصدق على الأجسام الحيّة كما يصدق على الأجسام الجامدة، فشروط وجود كلّ ظاهرة محدّدة تحديداً مطلقاً.
ونتيجته المنهجية: إذا تغيّرت الظاهرة والشروط في الظاهر هي نفسها، فلا يحقّ للعالم أن يقول إنّ الطبيعة تقلّبت، بل عليه أن يبحث عن شرط جديد لم ينتبه إليه. فالحتمية عنده ليست نتيجة يصل إليها العلم بل مسلّمة يبدأ بها، ومن أنكرها أنكر إمكان العلم نفسه.
5. بوانكاريه: المصادفة مقياس لجهلنا
يرى بوانكاريه أنّ العلم يسلّم بالحتمية مسبقاً، لأنّه لا يقوم بدونها. ويحلّل فكرة المصادفة فيرى أنّها ليست غياباً للسبب بل جهلاً به: فقد يُحدث سبب صغير جدّاً لا ننتبه إليه نتيجة كبيرة نراها، فنقول إنّها مصادفة. فالمصادفة عنده مقياس لجهلنا لا صفة في الطبيعة.
ومثاله: الأحوال الجوّية تبدو متقلّبة لا تُتنبّأ بها، لكنّها خاضعة لقوانين، وإنّما اختلاف ضئيل في الشروط الأولى يُحدث اختلافاً كبيراً في النتائج، فيعجز التنبّؤ عملياً مع بقاء الحتمية مبدئياً.
6. أينشتاين: الله لا يلعب النرد
حين ظهر التفسير الاحتمالي لميكانيكا الكمّ، رفض أينشتاين أن يكون الاحتمال صفة نهائية في الطبيعة، وكتب إلى ماكس بورن:
> «إنّ الله لا يلعب النرد» — أينشتاين
ومقصوده أنّ الاحتمال في الفيزياء الذرّية علامة على أنّ النظرية ناقصة لم تكتمل بعد، وأنّ نظرية أتمّ ستكشف الأسباب الخفيّة التي تحدّد سلوك الجسيمات. فأينشتاين، وهو من بناة الفيزياء الحديثة، بقي مدافعاً عن الحتمية.
7. حجج الموقف مجتمعة
الحجّة الأولى ــ الحتمية شرط العلم: القانون علاقة ثابتة، والتعميم يفترض الانتظام، فإن سقطت الحتمية سقط الاستقراء والقانون معاً.
الحجّة الثانية ــ نجاح التنبّؤ: الكسوف ومذنّب هالي والقذائف والآلات، كلّها تشهد بأنّ الطبيعة تجري على نظام ثابت.
الحجّة الثالثة ــ المصادفة جهل: ما نسمّيه مصادفة سبب خفيّ لم نكتشفه بعد، وتقدّم العلم يحوّل المصادفات إلى قوانين.
الحجّة الرابعة ــ الاحتمال لا يلغي السبب: حساب الاحتمالات أداة لعقل محدود المعرفة، وهو عند لابلاس اعتراف بجهلنا لا بفوضى الطبيعة.
8. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ رمي قطعة النقود: نقول إنّ ظهور أحد الوجهين مصادفة، لكنّ الوجه الذي يظهر محدَّد بقوّة الرمي وزاويتها ومقاومة الهواء، ولو عرفناها كلّها بدقّة لتنبّأنا بالنتيجة.
المثال الثاني ــ عطب السيّارة: إذا تعطّلت سيّارة فجأة لا يقول الميكانيكي إنّها تعطّلت بلا سبب، بل يبحث عن السبب لأنّه يسلّم بأنّ لكلّ عطب سبباً، وهذا موقف كلود برنار نفسه.
المثال الثالث ــ مواقيت المدّ والجزر: تُنشر مواعيد المدّ والجزر في الموانئ قبل وقوعها بمدّة طويلة، لأنّها مرتبطة بحركة القمر والشمس ارتباطاً ثابتاً.
9. نقد الموقف الأوّل
النقد الأوّل ــ تعميم ما صحّ في العالم الأكبر: نجحت الحتمية في الأجسام الكبيرة، لكنّ الفيزياء الذرّية كشفت أنّ الجسيمات الدقيقة لا تخضع للتنبّؤ اليقيني، فلا يحقّ تعميم قوانين العالم الأكبر على العالم الأصغر.
النقد الثاني ــ ذكاء لابلاس افتراض لا يتحقّق: معرفة الحالة الراهنة للكون بدقّة تامّة مستحيلة مبدئياً لا عملياً فقط، لأنّ مبدأ الارتياب يمنع تحديد موقع الجسيم وسرعته معاً بدقّة.
النقد الثالث ــ الحتمية مسلّمة لا حقيقة مثبتة: كلود برنار وبوانكاريه يعترفان بأنّ الحتمية يسلّم بها العالم قبل البحث، فهي مبدأ منهجي لا يصحّ أن يُفرض على الطبيعة كأنّه قانون مكتشف.
النقد الرابع ــ اعتراض أينشتاين لم يُثبت: لم تكشف التجارب حتى الآن الأسباب الخفيّة التي توقّعها أينشتاين، وما زال التفسير الاحتمالي هو التفسير الذي تعمل به الفيزياء الذرّية.
10. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> يرى أنصار الحتمية المطلقة، وخاصّة لابلاس وكلود برنار وبوانكاريه، أنّ الطبيعة نظام محكم تخضع كلّ ظواهره لقوانين ثابتة، وأنّ التنبّؤ اليقيني ممكن مبدئياً. فقد نجحت ميكانيكا نيوتن في التنبّؤ بالكسوف وبعودة مذنّب هالي، ويقول لابلاس: «ينبغي أن ننظر إلى الحالة الراهنة للكون على أنّها نتيجة لحالته السابقة وسبب لحالته اللاحقة»، ويفترض ذكاءً يعرف كلّ القوى وكلّ المواقع فيكون المستقبل عنده كالماضي حاضراً. ويرى كلود برنار أنّ الحتمية مطلقة في الأجسام الحيّة والجامدة، وأنّ تغيّر الظاهرة يعني تغيّر شرط من شروطها، ويرى بوانكاريه أنّ المصادفة مقياس لجهلنا بالأسباب. ويقول أينشتاين معارضاً التفسير الاحتمالي: «إنّ الله لا يلعب النرد». ونقده: لكنّ هذا الموقف يعمّم على العالم الأصغر ما صحّ في العالم الأكبر، وذكاء لابلاس افتراض يستحيل تحقّقه لأنّ مبدأ الارتياب يمنع معرفة موقع الجسيم وسرعته معاً بدقّة، والحتمية عند أصحابها مسلّمة منهجية لا قانون مكتشف. — قالب الموقف الأوّل ونقده
الموقف الثاني: اللاحتمية في العالم الأصغر
الموقف الثاني: اللاحتمية في العالم الأصغر
1. ضبط الموقف
يرى أنصار اللاحتمية أنّ مبدأ الحتمية ليس مطلقاً، وأنّ الفيزياء الذرّية كشفت ظواهر لا يمكن التنبّؤ بها تنبّؤاً يقينياً مهما دقّت أدواتنا. فالاحتمال في العالم الأصغر ليس علامة على جهلنا بل صفة في الظواهر نفسها، والقوانين هناك قوانين احتمالية لا تحدّد ما سيحدث لجسيم بعينه.
ومن ممثّليه: هايزنبرغ، ونيلز بور، وماكس بورن، وقد مهّد لهم بلانك بنظرية الكمّ.
2. بلانك: الطاقة تنتقل بكمّيات منفصلة
افترض بلانك سنة 1900، لتفسير إشعاع الأجسام الساخنة، أنّ الطاقة لا تنتقل انتقالاً متّصلاً بل بكمّيات منفصلة سمّاها الكمّات. وكانت هذه الفرضية بداية نظرية الكمّ (الكوانتا)، التي هزّت تصوّراً راسخاً في الفيزياء الكلاسيكية: أنّ الطبيعة تتغيّر تغيّراً متّصلاً لا قفز فيه.
وأهمّيتها في مشكلتنا أنّها فتحت الطريق إلى عالم لا تصلح فيه مفاهيم الميكانيكا الكلاسيكية كما هي، فمهّدت لظهور اللاحتمية، وإن لم يكن بلانك نفسه داعياً إليها.
3. هايزنبرغ: مبدأ الارتياب
صاغ هايزنبرغ سنة 1927 مبدأ الارتياب (ويُسمّى أيضاً مبدأ عدم التعيين أو علاقات الارتياب):
لا يمكن تحديد موقع الجسيم الدقيق وسرعته (كمّية حركته) معاً بدقّة تامّة: فكلّما ازدادت دقّة قياس الموقع قلّت دقّة قياس السرعة، والعكس.
ومثاله المشهور: لكي نرى الإلكترون يجب أن نضيئه بضوء ذي موجة قصيرة جدّاً، لكنّ الفوتون الذي يصطدم به يغيّر سرعته، فأداة القياس نفسها تغيّر الشيء المقيس. وهذا لا يرجع إلى رداءة الأجهزة بل إلى طبيعة العالم الأصغر نفسه.
والنتيجة التي انتهى إليها هايزنبرغ: الحتمية الكلاسيكية تقول إنّنا إذا عرفنا الحاضر بدقّة عرفنا المستقبل، والخطأ ليس في النتيجة بل في المقدّمة: فنحن لا نستطيع مبدئياً أن نعرف الحاضر بكلّ دقّته. فذكاء لابلاس الذي يعرف كلّ المواقع وكلّ السرعات لا وجود له، والتنبّؤ اليقيني بحركة الجسيم مستحيل.
4. بور وبورن: الاحتمال صفة في الظواهر
ماكس بورن قدّم سنة 1926 التفسير الاحتمالي لنظرية الكمّ: فالمعادلات لا تحدّد أين سيكون الإلكترون، بل تحدّد احتمال وجوده في هذا الموضع أو ذاك.
ونيلز بور دافع مع هايزنبرغ عن هذا التفسير، الذي عُرف بتفسير كوبنهاغن، ويرى أنّ الاحتمال ليس نقصاً في النظرية كما ظنّ أينشتاين، بل هو أقصى ما يمكن معرفته عن العالم الأصغر.
5. شاهد النشاط الإشعاعي
في عيّنة من مادّة مشعّة لا يستطيع أيّ عالم أن يحدّد متى ستتفكّك ذرّة بعينها: قد تتفكّك بعد لحظة، وقد تبقى آلاف السنين. فالذرّتان المتماثلتان تماماً في الظروف نفسها تسلكان سلوكين مختلفين، وهذا يناقض مباشرة قاعدة الحتمية: الأسباب نفسها تُحدث النتائج نفسها.
6. حجج الموقف مجتمعة
الحجّة الأولى ــ مبدأ الارتياب: معرفة الحاضر بدقّة تامّة مستحيلة مبدئياً، فالتنبّؤ اليقيني بالمستقبل مستحيل كذلك.
الحجّة الثانية ــ القياس يغيّر المقيس: في العالم الأصغر لا يبقى الشيء كما هو حين نلاحظه، فتسقط فكرة الملاحظ المحايد التي قامت عليها موضوعية الفيزياء الكلاسيكية.
الحجّة الثالثة ــ القوانين الذرّية احتمالية: معادلات نظرية الكمّ لا تحدّد ما سيحدث بل احتمال ما سيحدث، والتجارب تؤيّدها.
الحجّة الرابعة ــ الأسباب نفسها لا تُحدث النتائج نفسها: ذرّتان متماثلتان في الظروف نفسها تتفكّك إحداهما وتبقى الأخرى.
7. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ ميزان الحرارة: إذا وضعنا ميزاناً بارداً في كأس صغيرة من الماء الساخن أخذ من حرارتها فغيّر ما يقيسه، وهي صورة تقريبية لتأثير أداة القياس في العالم الأصغر.
المثال الثاني ــ تصوير جسم سريع: الصورة التي تُظهر موضع سيّارة بوضوح تامّ لا تخبرنا بسرعتها، والصورة الضبابية التي تُظهر أثر حركتها لا تحدّد موضعها بدقّة، فكلّما ربحنا دقّة في أحدهما خسرناها في الآخر.
المثال الثالث ــ متى تتفكّك الذرّة؟ يستطيع العالم أن يحسب نسبة الذرّات التي ستتفكّك خلال مدّة معيّنة، لكنّه لا يستطيع أن يشير إلى ذرّة واحدة ويقول متى ستتفكّك.
8. نقد الموقف الثاني
النقد الأوّل ــ اللاحتمية لا تلغي القانون: الفيزياء الذرّية لم تتخلّ عن القوانين، بل صاغت قوانين احتمالية دقيقة تمكّن من التنبّؤ بسلوك المجموعات بدقّة عالية، فالاحتمال نفسه نظام.
النقد الثاني ــ تعميم ما صحّ في العالم الأصغر: اللاحتمية تصدق على الجسيمات المفردة، أمّا الأجسام الكبيرة المكوّنة من عدد هائل من الذرّات فتخضع لقوانين ثابتة، فلا يجوز أن تُمدّ اللاحتمية إلى الطبيعة كلّها.
النقد الثالث ــ الجدل لم يُحسم عند العلماء أنفسهم: عارض أينشتاين التفسير الاحتمالي ورآه علامة على نقص النظرية، فلا يصحّ تقديم اللاحتمية حقيقة نهائية لا خلاف فيها.
النقد الرابع ــ اللاحتمية المطلقة تهدم العلم: لو كانت الطبيعة فوضى بلا نظام لما أمكن أيّ علم، حتى نظرية الكمّ نفسها التي تفترض أنّ الاحتمالات تخضع لمعادلات ثابتة.
9. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> في مقابل ذلك يرى أنصار اللاحتمية، وخاصّة هايزنبرغ وبور وماكس بورن، أنّ مبدأ الحتمية ليس مطلقاً، وأنّ الفيزياء الذرّية كشفت ظواهر لا يمكن التنبّؤ بها تنبّؤاً يقينياً. فمنذ افترض بلانك سنة 1900 أنّ الطاقة تنتقل بكمّيات منفصلة ظهر عالم لا تصلح فيه مفاهيم الميكانيكا الكلاسيكية كما هي، وصاغ هايزنبرغ سنة 1927 مبدأ الارتياب الذي ينصّ على أنّه لا يمكن تحديد موقع الجسيم الدقيق وسرعته معاً بدقّة تامّة، لأنّ أداة القياس نفسها تغيّر الشيء المقيس، فمعرفة الحاضر بدقّة تامّة مستحيلة، ومعها يستحيل التنبّؤ اليقيني الذي حلم به لابلاس. وقدّم ماكس بورن التفسير الاحتمالي الذي يجعل المعادلات تحدّد احتمال وجود الإلكترون لا موضعه، ويشهد النشاط الإشعاعي أنّ ذرّتين متماثلتين في الظروف نفسها تتفكّك إحداهما وتبقى الأخرى. ونقده: لكنّ اللاحتمية لا تلغي القانون، فالفيزياء الذرّية صاغت قوانين احتمالية دقيقة تتنبّأ بسلوك المجموعات، وهي تصدق على الجسيمات المفردة لا على الأجسام الكبيرة، ولو كانت الطبيعة فوضى مطلقة لما أمكن أيّ علم. — قالب الموقف الثاني ونقده
التركيب والرأي الشخصي: الحتمية النسبية الاحتمالية
التركيب والرأي الشخصي: الحتمية النسبية الاحتمالية
1. التركيب: الحتمية نسبية لا مطلقة
الموقفان يصيبان في جانب ويخطئان في آخر: فأنصار الحتمية محقّون في أنّ العلم لا يقوم بلا نظام يسمح بالتعميم والتنبّؤ، وأنصار اللاحتمية محقّون في أنّ العالم الأصغر لا يخضع للتنبّؤ اليقيني. والحلّ أنّ الحتمية مبدأ نسبي: صارمة في العالم الأكبر، احتمالية في العالم الأصغر.
فاللاحتمية لم تهدم مبدأ الحتمية بل غيّرت صورته: من حتمية آلية تحدّد مصير كلّ جسيم، إلى حتمية احتمالية إحصائية تحدّد بدقّة سلوك المجموعات الكبيرة من الجسيمات.
2. الحتمية الإحصائية: الاحتمال نفسه قانون
شاهد النشاط الإشعاعي من جديد: لا نعرف متى تتفكّك ذرّة بعينها، لكنّنا نعرف بدقّة عالية أنّ نصف ذرّات عيّنة كبيرة يتفكّك في مدّة ثابتة تُسمّى عمر النصف. فعمر النصف في الكربون المشعّ نحو 5730 سنة، وعلى هذا الانتظام يقوم تأريخ البقايا الأثرية.
وشاهد الغازات: جزيئات الغاز تتحرّك حركة مضطربة لا يمكن تتبّع كلّ جزيء منها، لكنّ ضغط الغاز وحرارته يخضعان لقوانين دقيقة، لأنّهما متوسّط إحصائي لحركة أعداد هائلة من الجزيئات.
فالاحتمال ليس فوضى: إنّه نظام من نوع آخر، يعجز عن التنبّؤ بالفرد ويتنبّأ بالمجموع.
3. مواقف تؤسّس التركيب
ماكس بورن، صاحب التفسير الاحتمالي، يرى أنّ حركة الجسيمات تتبع قوانين الاحتمال، لكنّ الاحتمال نفسه يتطوّر وفق قانون السببية: فالمعادلة التي تحدّد الاحتمالات معادلة ثابتة يمكن حسابها.
بول لانجفان يرى أنّ ما تهاوى في الفيزياء الذرّية هو التصوّر الآلي الكلاسيكي للجسيم، الذي يفترض أنّ له في كلّ لحظة موقعاً وسرعة محدّدين، لا مبدأ الحتمية نفسه، فالحتمية تبقى بصورة جديدة تناسب العالم الأصغر.
باشلار يرى أنّ المعرفة العلمية معرفة تقريبية تُصحَّح باستمرار، وأنّ العقل العلمي الجديد لا يتمسّك بالمبادئ الكلاسيكية تمسّكاً مطلقاً، بل يقبل أن يجمع بين الحتمية واللاحتمية إذا فرضت التجربة ذلك. فالعلم عنده ينمو بتصحيح مفاهيمه، لا بالتخلّي عن العقلانية.
4. ثلاث صور للحتمية
| | الحتمية الكلاسيكية | اللاحتمية | الحتمية الاحتمالية | | :--- | :--- | :--- | :--- | | ممثّلوها | لابلاس، كلود برنار | هايزنبرغ، بور | ماكس بورن، لانجفان، باشلار | | ميدانها | العالم الأكبر | الجسيم المفرد في العالم الأصغر | المجموعات والإحصاء | | التنبّؤ | يقيني بكلّ حادثة | مستحيل بالحادثة المفردة | دقيق بسلوك المجموع | | الاحتمال | علامة على جهلنا | صفة في الظواهر | قانون منظّم يُحسب |
5. مسائل قريبة من البرنامج
هل التجربة هي المقياس الأساسي الذي يجعل العلم علماً؟ التجربة هي التي تحكم على الفرضية، وهي التي فرضت على الفيزيائيين التخلّي عن الحتمية المطلقة. لكنّها ليست المقياس الوحيد: فالعقل هو الذي يصمّم التجربة ويصوغ نتائجها رياضياً، ونظرية الكمّ نفسها بناء رياضي قبل أن تكون نتائج مخبرية. فالعلم حوار بين العقل والتجربة.
هل الحقائق العلمية مطلقة أم نسبية؟ قصّة الحتمية شاهد على نسبية الحقائق العلمية: فقوانين نيوتن التي بدت مطلقة قروناً صارت صادقة في مجال محدّد هو العالم الأكبر. لكنّ نسبيتها لا تعني بطلانها، فهي ما زالت تُستعمل في حساب مسارات الأقمار الصناعية والقذائف.
6. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً
الصيغة الأولى ــ الحتمية تتغيّر ولا تسقط
> والذي أراه أنّ مبدأ الحتمية لم يسقط في الفيزياء المعاصرة، بل تغيّرت صورته من حتمية آلية إلى حتمية احتمالية. وأساس هذا الترجيح أنّ الفيزيائي الذي لا يعرف متى تتفكّك ذرّة بعينها يعرف بدقّة عمر النصف لعيّنة كاملة، فالاحتمال نفسه قانون يُحسب ويُتنبّأ به. — قالب الرأي الأوّل
الصيغة الثانية ــ الحتمية مسلّمة منهجية
> وأرجّح أنّ الحتمية مبدأ يحتاجه العالم ليبحث، لا حقيقة يفرضها على الطبيعة. فهو يبدأ بالبحث عن الأسباب كما أوصى كلود برنار، لكنّه يقبل حكم التجربة إذا كشفت أنّ القانون في مجال ما احتمالي، كما حدث في الفيزياء الذرّية. — قالب الرأي الثاني
الصيغة الثالثة ــ من حياتنا اليومية
> وأميل إلى أنّ الحياة اليومية نفسها تعرف الحتمية الاحتمالية: فشركة التأمين لا تعرف أيّ سائق سيتعرّض لحادث، لكنّها تعرف بدقّة نسبة الحوادث في السنة، والأرصاد الجوّية تعلن احتمال سقوط المطر لا يقينه. فعجزنا عن التنبّؤ بالفرد لا يعني غياب النظام في المجموع. — قالب الرأي الثالث
7. صيغ جاهزة للخاتمة
الصيغة الأولى
> ختاماً وممّا سبق يمكننا القول إنّ مبدأ الحتمية ليس مطلقاً بل نسبي: فهو صارم في العالم الأكبر حيث تتنبّأ القوانين بالحوادث تنبّؤاً يقينياً، واحتمالي في العالم الأصغر حيث تتنبّأ بسلوك المجموعات لا بسلوك الجسيم المفرد. فاللاحتمية لم تهدم العلم، بل جعلته أكثر تواضعاً وأدقّ وعياً بحدوده. — قالب الخاتمة الأولى
الصيغة الثانية
> وصفوة القول إنّ العلم لم يتخلّ عن فكرة النظام في الطبيعة، بل وسّعها لتشمل النظام الاحتمالي إلى جانب النظام الآلي، فالحتمية الصارمة صارت حالة خاصّة من حتمية أوسع تتّسع للاحتمال. — قالب الخاتمة الثانية
8. تنبيه في التنقيط
دقّة النسبة أهمّ ما في هذا الدرس: قول «إنّ الله لا يلعب النرد» لأينشتاين لا لهايزنبرغ، وأينشتاين هنا في صفّ الحتمية. وقول «ينبغي أن ننظر إلى الحالة الراهنة للكون على أنّها نتيجة لحالته السابقة وسبب لحالته اللاحقة» للابلاس. ولا تضع بين علامات تنصيص كلاماً لكلود برنار أو بوانكاريه أو لانجفان لست متأكّداً من لفظه، بل اعرض مواقفهم عرضاً.
وتنبيه ثانٍ: الحتمية في هذا الدرس حتمية الطبيعة في علوم المادة الجامدة، أمّا الحتميات التي تُطرح في مقابل حرّية الإنسان ومسؤوليته فموضوع درس الحرّية والمسؤولية، فلا تخلط بينهما.
المقالة الجدلية في الحتمية كاملة وتحويلها إلى استقصاء بالرفع
المقالة الجدلية في الحتمية كاملة وتحويلها إلى استقصاء بالرفع
نصّ السؤال: هل مبدأ الحتمية مطلق؟
طرح المشكلة
يقوم العلم التجريبي على مسلّمة أساسية هي أنّ الطبيعة منتظمة، فالأسباب نفسها تُحدث النتائج نفسها، وهذا ما يُعرف بمبدأ الحتمية الذي جعل الاستقراء والتنبّؤ ممكنين، وبه بلغت الفيزياء الكلاسيكية نجاحاً باهراً في حساب حركة الأجسام والكواكب. غير أنّ اكتشافات الفيزياء الذرّية في مطلع القرن العشرين كشفت ظواهر لا تخضع للتنبّؤ اليقيني، فانقسم العلماء والفلاسفة بين قائل بأنّ الحتمية مبدأ مطلق لا يقوم العلم بدونه، وقائل بأنّ اللاحتمية هي حقيقة العالم الأصغر. ومن هنا، ورفعاً للتعارض بين الموقفين، حقّ لنا أن نتساءل: هل مبدأ الحتمية مطلق تخضع له كلّ ظواهر الطبيعة، أم أنّه مبدأ نسبي؟
محاولة حلّ المشكلة
أوّلاً: الموقف الأوّل ــ الحتمية مبدأ مطلق
يرى أنصار الحتمية المطلقة، وخاصّة لابلاس وكلود برنار وبوانكاريه، أنّ الطبيعة نظام محكم تخضع كلّ ظواهره لقوانين ثابتة، فلا شيء يحدث صدفة، وكلّ حادثة نتيجة ضرورية لأسبابها، والتنبّؤ اليقيني ممكن مبدئياً. فقد قدّمت ميكانيكا نيوتن تفسيراً موحّداً لحركة الأجسام على الأرض وحركة الكواكب في السماء، وبها يُحسب موعد الكسوف قبل وقوعه بسنوات، وبها حسب هالي عودة المذنّب الذي يحمل اسمه فعاد في الموعد المتوقّع تقريباً. ويقول لابلاس: «ينبغي أن ننظر إلى الحالة الراهنة للكون على أنّها نتيجة لحالته السابقة وسبب لحالته اللاحقة»، ويفترض ذكاءً يعرف في لحظة ما كلّ القوى التي تحرّك الطبيعة ومواقع كلّ الكائنات المكوّنة لها، فيجمع في صيغة واحدة حركات أعظم الأجرام وأخفّ الذرّات، ولا يكون عنده شيء غير يقيني، ويكون المستقبل كالماضي حاضراً أمام عينيه. ويرى كلود برنار أنّ الحتمية مطلقة في كلّ العلوم التجريبية، تصدق على الأجسام الحيّة كما تصدق على الجامدة، وأنّ الظاهرة إذا تغيّرت وجب البحث عن شرط جديد تغيّر، لأنّ إنكار الحتمية إنكار للعلم نفسه. ويرى بوانكاريه أنّ العلم يسلّم بالحتمية مسبقاً، وأنّ المصادفة ليست إلّا مقياساً لجهلنا بأسباب صغيرة تُحدث نتائج كبيرة. وحين ظهر التفسير الاحتمالي لنظرية الكمّ عارضه أينشتاين بقوله: «إنّ الله لا يلعب النرد»، ورأى أنّ الاحتمال علامة على نقص النظرية لا صفة في الطبيعة.
نقده: لكنّ هذا الموقف يعمّم على العالم الأصغر ما صحّ في العالم الأكبر، فقد كشفت الفيزياء الذرّية أنّ الجسيمات الدقيقة لا تخضع للتنبّؤ اليقيني. وذكاء لابلاس افتراض يستحيل تحقّقه مبدئياً لا عملياً فقط، لأنّ معرفة موقع الجسيم وسرعته معاً بدقّة تامّة مستحيلة. ثمّ إنّ الحتمية عند كلود برنار وبوانكاريه مسلّمة يبدأ بها العالم، فهي مبدأ منهجي لا قانون مكتشف يصحّ فرضه على الطبيعة كلّها، واعتراض أينشتاين لم تؤيّده التجارب حتى الآن.
ثانياً: الموقف الثاني ــ اللاحتمية في العالم الأصغر
في مقابل ذلك يرى أنصار اللاحتمية، وخاصّة هايزنبرغ ونيلز بور وماكس بورن، أنّ مبدأ الحتمية ليس مطلقاً، وأنّ الاحتمال في العالم الأصغر ليس علامة على جهلنا بل صفة في الظواهر نفسها. فمنذ افترض بلانك سنة 1900 أنّ الطاقة تنتقل بكمّيات منفصلة ظهرت نظرية الكمّ، وظهر معها عالم لا تصلح فيه مفاهيم الميكانيكا الكلاسيكية كما هي. وصاغ هايزنبرغ سنة 1927 مبدأ الارتياب الذي ينصّ على أنّه لا يمكن تحديد موقع الجسيم الدقيق وسرعته معاً بدقّة تامّة، فكلّما ازدادت دقّة قياس أحدهما قلّت دقّة قياس الآخر، لأنّ الفوتون الذي نضيء به الإلكترون لنراه يغيّر سرعته، فأداة القياس نفسها تغيّر الشيء المقيس. وانتهى هايزنبرغ إلى أنّ الخطأ في قاعدة الحتمية الكلاسيكية ليس في نتيجتها بل في مقدّمتها، لأنّنا لا نستطيع مبدئياً أن نعرف الحاضر بكلّ دقّته، فيسقط التنبّؤ اليقيني الذي حلم به لابلاس. وقدّم ماكس بورن التفسير الاحتمالي الذي يجعل المعادلات تحدّد احتمال وجود الإلكترون لا موضعه، ودافع بور عن هذا التفسير. ويشهد النشاط الإشعاعي أنّ ذرّتين متماثلتين في الظروف نفسها تتفكّك إحداهما وتبقى الأخرى، فالأسباب نفسها لا تُحدث النتائج نفسها.
نقده: لكنّ اللاحتمية لا تلغي القانون، فالفيزياء الذرّية لم تتخلّ عن القوانين بل صاغت قوانين احتمالية دقيقة تتنبّأ بسلوك المجموعات الكبيرة من الجسيمات. وهي تصدق على الجسيمات المفردة، أمّا الأجسام الكبيرة فتخضع لقوانين ثابتة، فلا يجوز مدّها إلى الطبيعة كلّها. ولو كانت الطبيعة فوضى مطلقة لما أمكن أيّ علم، حتى نظرية الكمّ نفسها التي تفترض أنّ الاحتمالات تخضع لمعادلات ثابتة.
ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي
يصيب الموقفان في جانب ويخطئان في آخر: فأنصار الحتمية محقّون في أنّ العلم لا يقوم بلا نظام يسمح بالتعميم والتنبّؤ، وأنصار اللاحتمية محقّون في أنّ العالم الأصغر لا يخضع للتنبّؤ اليقيني. والحلّ أنّ الحتمية مبدأ نسبي: صارمة في العالم الأكبر، احتمالية في العالم الأصغر، فاللاحتمية لم تهدم الحتمية بل غيّرت صورتها من حتمية آلية إلى حتمية احتمالية إحصائية. فنحن لا نعرف متى تتفكّك ذرّة بعينها، لكنّنا نعرف بدقّة أنّ نصف ذرّات العيّنة يتفكّك في مدّة ثابتة هي عمر النصف، وعليه يقوم تأريخ البقايا الأثرية بالكربون المشعّ، وضغط الغاز يخضع لقوانين دقيقة لأنّه متوسّط إحصائي لحركة أعداد هائلة من الجزيئات المضطربة. ويرى ماكس بورن أنّ حركة الجسيمات تتبع قوانين الاحتمال، لكنّ الاحتمال نفسه يتطوّر وفق قانون السببية، ويرى لانجفان أنّ ما تهاوى هو التصوّر الآلي للجسيم لا مبدأ الحتمية، ويرى باشلار أنّ المعرفة العلمية تقريبية تُصحَّح باستمرار، وأنّ العقل العلمي الجديد يقبل الجمع بين الحتمية واللاحتمية. والذي أراه أنّ مبدأ الحتمية لم يسقط بل اتّسع، وأساس هذا الترجيح أنّ الفيزيائي الذي يجهل مصير الذرّة المفردة يتنبّأ بدقّة بمصير العيّنة كلّها، فالاحتمال نفسه قانون يُحسب ويُتنبّأ به.
حلّ المشكلة
ختاماً وممّا سبق يمكننا القول إنّ مبدأ الحتمية ليس مطلقاً بل نسبي: فهو صارم في العالم الأكبر حيث تتنبّأ القوانين بالحوادث تنبّؤاً يقينياً، واحتمالي في العالم الأصغر حيث تتنبّأ بسلوك المجموعات لا بسلوك الجسيم المفرد. فاللاحتمية لم تهدم العلم، بل جعلته أكثر وعياً بحدوده، وأثبتت أنّ الحقائق العلمية نسبية إلى مجالها دون أن تفقد قيمتها فيه.
---
تحويل المقالة إلى استقصاء بالرفع
نصّ السؤال المحتمل: «الحتمية مبدأ مطلق تخضع له كلّ الظواهر الطبيعية» أبطل هذه الأطروحة.
| ما عندك في الدرس | ما تفعل به | | :--- | :--- | | موقف لابلاس وكلود برنار وبوانكاريه وأينشتاين | الأطروحة المراد إبطالها تُعرض بأمانة مع حججها | | نقد الموقف الأوّل | يُوسَّع: ذكاء لابلاس مستحيل مبدئياً، والحتمية مسلّمة منهجية لا قانون مكتشف | | موقف هايزنبرغ وبور وبورن | نقد مناصري الأطروحة: يُوظَّف لبيان أنّ الحتمية لا تصدق على العالم الأصغر | | شواهد مبدأ الارتياب والنشاط الإشعاعي | حججك الشخصية في الإبطال | | نجاح التنبّؤ في العالم الأكبر | قلب حجّة الخصم عليه: النجاح محصور في مجال محدّد لا في الطبيعة كلّها | | الخاتمة | تُبدَّل: الأطروحة باطلة، والحتمية نسبية احتمالية |
ومقدّمة الرفع:
> شاع بين أنصار الفيزياء الكلاسيكية أنّ الحتمية مبدأ مطلق تخضع له كلّ الظواهر الطبيعية، فالأسباب نفسها تُحدث النتائج نفسها في كلّ زمان ومكان، غير أنّ هذه الأطروحة تبدو فاسدة إذا تأمّلنا ما كشفته الفيزياء الذرّية من ظواهر لا تخضع للتنبّؤ اليقيني. فكيف يمكننا إبطالها والردّ عليها؟ — قالب مقدّمة الرفع
وإن جاء السؤال استقصاءً بالوضع، كأن يُطلب الدفاع عن الأطروحة القائلة «الحتمية في الفيزياء المعاصرة نسبية احتمالية»، فاعرض التركيب أطروحةً تدافع عنها، وانقد الحتمية المطلقة واللاحتمية المطلقة معاً بوصفهما خصمين لها.
ماذا تحفظ؟
- **الفرق بين الملاحظة العادية والعلمية**، وخطوات المنهج الأربع بمثال سقوط الأجسام عند غاليلي.
- **ثلاثة أقوال**: لابلاس في الحالة الراهنة للكون، وغاليلي في كتاب الطبيعة، وأينشتاين في النرد.
- **ثلاثة تواريخ**: فرضية الكمّ عند بلانك سنة 1900، والتفسير الاحتمالي عند بورن سنة 1926، ومبدأ الارتياب عند هايزنبرغ سنة 1927.
- **شاهدان للتركيب**: عمر النصف في النشاط الإشعاعي، وضغط الغاز متوسّطاً إحصائياً.
- **جملة التركيب**: الحتمية نسبية، صارمة في العالم الأكبر، احتمالية في العالم الأصغر.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.