الظاهرة التاريخية: هل للتاريخ مقعد بين العلوم؟
مقالة جدلية في علمية التاريخ وموضوعية المؤرّخ، بخصائص الحادثة التاريخية وخطوات المنهج التاريخي وأقواله وأمثلته.
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: تأطير المشكلة وخصائص الحادثة التاريخية، الموقف الأوّل: التاريخ ليس علماً، الموقف الثاني: التاريخ علم بمنهج خاصّ، التركيب والرأي الشخصي، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.
تأطير المشكلة وخصائص الحادثة التاريخية
تأطير المشكلة وخصائص الحادثة التاريخية
1. عائلة الأسئلة
- هل للتاريخ مقعد بين العلوم الأخرى؟
- هل خصوصية الحادثة التاريخية تمثّل عائقاً أمام تطبيق الأساليب العلمية في دراستها؟
- هل يمكن للمؤرّخ أن يكون موضوعياً؟
- «إنّ الحادثة التاريخية حادثة ماضية لا تتكرّر، وبالتالي لا يمكن أن تكون موضوعاً للدراسة العلمية» ما رأيك؟
2. المفاهيم الأساسية
| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | التاريخ | بحث في أحوال البشر الماضية، في وقائعهم وأحداثهم وظواهر حياتهم. | | الحادثة التاريخية | واقعة إنسانية اجتماعية وقعت في زمان ومكان محدّدين ولا تتكرّر. | | الوثيقة | كلّ أثر مادّي أو مكتوب يشهد على الماضي. | | النقد الخارجي | فحص شكل الوثيقة ومادّتها للتأكّد من أنّها ليست مزوّرة. | | النقد الداخلي | فحص مضمون الوثيقة ودلالتها والظروف التي أحاطت بكتابتها. | | التعليل التاريخي | ربط الحوادث ببعضها وبيان العلاقات بينها. |
3. جذر المشكلة
التاريخ من العلوم الإنسانية، لكنّه أشدّها إشكالاً. فعلم النفس يدرس فرداً حاضراً، وعلم الاجتماع يدرس جماعة حاضرة، أمّا التاريخ فيدرس ما لم يعد موجوداً.
فالحادثة التاريخية ماضية، ومن ثمّ فالمعرفة التاريخية معرفة غير مباشرة لا تعتمد على الملاحظة ولا على التجربة، ممّا يجعل المؤرّخ عاجزاً في الظاهر عن وضع قوانين عامّة، والعلم لا يقوم إلّا على قوانين كلّية.
4. خصائص الحادثة التاريخية
| الخاصّية | بيانها | أثرها | | :--- | :--- | :--- | | إنسانية | تخصّ الإنسان دون غيره من الكائنات | تدخل فيها الحرّية والقصد | | اجتماعية | لا تحدث إلّا في مجتمع، والمؤرّخ لا يهتمّ بالفرد إلّا من حيث أثره في الجماعة | يصعب عزل العامل الواحد | | فريدة | لا تتكرّر، محدودة في الزمان والمكان | لا تجربة ولا تعميم | | ماضية | انقضت ولا تُشاهَد | لا ملاحظة مباشرة | | معقّدة | تتداخل فيها عوامل سياسية واقتصادية ودينية ونفسية | يصعب التعليل بسبب واحد |
5. صيغة جاهزة للمقدّمة
> إنّ العلوم الإنسانية هي مجموع الاختصاصات التي تهتمّ بدراسة مواقف الإنسان وأنماط سلوكه، فيهتمّ علم النفس بالبعد الفردي، ويهتمّ علم الاجتماع بالبعد الاجتماعي، ويهتمّ التاريخ بالبعدين معاً. فالتاريخ بحث في أحوال البشر الماضية في وقائعهم وأحداثهم. وبناءً على هذا فإنّ الحادثة التاريخية تتميّز بكونها ماضية، ومن ثمّ فالمعرفة التاريخية معرفة غير مباشرة لا تعتمد على الملاحظة ولا على التجربة، الأمر الذي يجعل المؤرّخ غير قادر في الظاهر على وضع قوانين عامّة، والعلم لا يقوم إلّا على القوانين الكلّية. وعلى هذا الأساس نتساءل: هل تمنع هذه الصعوبات التاريخَ من أن يأخذ مكانه بين مختلف العلوم؟ أو بعبارة أخرى: هل خصوصية الحادثة التاريخية تمثّل عائقاً أمام تطبيق الأساليب العلمية في دراستها؟ — قالب المقدّمة
6. خريطة المواقف
| | الموقف الأوّل | الموقف الثاني | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | التاريخ ليس علماً | التاريخ علم بمنهج خاصّ | | المسلّمة | لا علم إلّا بالتجربة والقانون الكلّي | لكلّ موضوع منهجه، والعلمية في الضبط لا في التجربة | | الدليل | فرادة الحادثة وذاتية المؤرّخ | المنهج النقدي ونتائجه | | من يمثّله | أنصار التصوّر الضيّق للعلم | ابن خلدون، وسنيوبوس، والمدرسة التاريخية الحديثة |
الموقف الأوّل: التاريخ ليس علماً
الموقف الأوّل: التاريخ ليس علماً
1. ضبط الموقف
يذهب بعض المفكّرين إلى أنّ الحوادث التاريخية لا تخضع للدراسة العلمية، لأنّ الخصائص التي تقوم عليها الحادثة التاريخية تمثّل عائقاً أمام تطبيق الأساليب العلمية.
2. الحجج والبراهين
الحجّة الأولى ــ انعدام الملاحظة المباشرة. حوادث التاريخ ماضية، فلا تقع تحت ملاحظة المؤرّخ، بخلاف الظاهرة الطبيعية التي يشاهدها العالم وقت وقوعها. والملاحظة شرط أوّل في المنهج التجريبي، فإذا سقط سقط ما بعده.
الحجّة الثانية ــ استحالة التجريب. لا يستطيع المؤرّخ أن يعيد إنتاج الحادثة ليتحقّق من فرضه: لا يستطيع أن يُحدث ثورة تجريبية ليعرف أسباب الثورات.
الحجّة الثالثة ــ استحالة القانون الكلّي. إذا لم تتكرّر الحادثة لم يُستخلص منها قانون، والعلم لا يقوم إلّا على الأحكام الكلّية.
> «لا علم إلّا بالكلّيات» — أرسطو
الحجّة الرابعة ــ استحالة التنبّؤ. كلمة «علم» تُطلق على البحث الذي يمكّن من التنبّؤ، وفي التاريخ لا تؤدّي الشروط نفسها إلى النتائج نفسها، فلا قدرة على التنبّؤ بالمستقبل.
الحجّة الخامسة ــ غلبة الطابع الذاتي. المؤرّخ إنسان ينتمي إلى عصر معيّن ووطن معيّن ودين معيّن وطبقة معيّنة، فيسقط ذاتيته بقيمها ومشاغلها على الماضي الذي يدرسه، فيختار من الوقائع ما يوافق تصوّره ويهمل ما يخالفه.
الحجّة السادسة ــ خيانة الوثيقة. الوثيقة نفسها كتبها إنسان له غرض، فهي ليست شاهداً محايداً بل شهادة متحيّزة. ومن كتب التاريخ غالباً هم المنتصرون.
3. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ الفترة الاستعمارية في الجزائر: المؤرّخ الجزائري يسمّيها احتلالاً، ويسمّيها بعض الفرنسيين «وجوداً». والوقائع واحدة والتسمية مختلفة، والتسمية نفسها موقف.
المثال الثاني ــ أعداد الضحايا: تختلف الأرقام المعلنة في الحروب اختلافاً كبيراً بين طرفي النزاع، وكلّ طرف يستند إلى وثائق.
المثال الثالث ــ أرشيف محجوز: كثير من الوثائق تبقى سرّية عقوداً، فالمؤرّخ يكتب على مادة ناقصة اختار غيرُه ما يُظهره منها.
المثال الرابع ــ كتابة تاريخ الثورة: من عاش الحدث يرويه كما رآه من موقعه، فتتعدّد الروايات للمعركة الواحدة بعدد من شهدها.
4. نقد الموقف الأوّل
النقد الأوّل ــ في المضمون: هذه الاعتراضات لها ما يبرّرها، غير أنّها لا تستلزم الرفض القاطع لعلمية التاريخ. فلكلّ علم خصوصياته المتعلّقة بموضوعه، ومن ثمّ خصوصية منهجه. وقد استطاع بعض المؤرّخين أن يكونوا موضوعيين إلى حدّ ما وأن يتقيّدوا بشروط الروح العلمية.
النقد الثاني ــ في الشكل: الاستدلال بأنّ «لا علم إلّا بالكلّيات» يقوم على تصوّر ضيّق للعلم. فعلم الفلك لا يجرّب على النجوم ولا يعيدها، وعلم الجيولوجيا يدرس ماضي الأرض الذي لا يتكرّر، ومع ذلك يُعدّان علمين. فالشرط هو المنهج المضبوط لا التجربة المخبرية.
النقد الثالث: القول بأنّ ذاتية المؤرّخ تمنع الموضوعية مبالغة، لأنّ الذاتية موجودة في كلّ علم، حتى في الفيزياء حيث يختار الباحث ما يلاحظه. والعلاج ليس إنكار العلم بل ضبط قواعد تكشف التحيّز.
5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> يذهب بعض المفكّرين إلى أنّ الحوادث التاريخية لا تخضع للدراسة العلمية، لأنّ خصائص الحادثة التاريخية تمثّل عائقاً أمام تطبيق الأساليب العلمية. فالحادثة إنسانية اجتماعية فريدة محدودة في الزمان والمكان لا تتكرّر. وبناءً على ذلك قامت اعتراضات أساسية: أوّلها انعدام الملاحظة المباشرة لأنّ الحوادث ماضية، بخلاف الحادثة الطبيعية التي تقع تحت الملاحظة. وثانيها استحالة إجراء التجارب، ممّا يبعد المؤرّخ عن وضع قوانين عامّة، والعلم لا يقوم إلّا على الأحكام الكلّية كما يقول أرسطو: «لا علم إلّا بالكلّيات». وثالثها غلبة الطابع الذاتي، لأنّ المؤرّخ إنسان ينتمي إلى عصر ووطن، فيسقط ذاتيته على الماضي الذي يدرسه. ورابعها استحالة التنبّؤ، إذ لا تؤدّي الشروط نفسها إلى النتائج نفسها. ويشهد للواقع أنّ المؤرّخ الجزائري والمؤرّخ الفرنسي يكتبان عن الفترة نفسها فيختلفان في التسمية قبل التفسير. ونقده: لا شكّ أنّ لهذه الاعتراضات ما يبرّرها، غير أنّها لا تستلزم الرفض القاطع لعلمية التاريخ، فلكلّ علم خصوصية موضوعه ومنهجه، وقد استطاع بعض المؤرّخين أن يكونوا موضوعيين إلى حدّ بعيد، ثمّ إنّ علم الفلك والجيولوجيا لا يجرّبان ولا يعيدان موضوعهما وهما علمان. — قالب الموقف الأوّل ونقده
الموقف الثاني: التاريخ علم بمنهج خاصّ
الموقف الثاني: التاريخ علم بمنهج خاصّ
1. ضبط الموقف
يذهب فريق آخر إلى أنّ الذين نفوا أن تكون الحوادث التاريخية موضوعاً للعلم لم يركّزوا إلّا على الجوانب التي تعيق الدراسة. فالظاهرة التاريخية لها خصوصياتها، وتختلف من حيث طبيعة موضوعها عن سائر العلوم، وبالتالي من الضروري أن يكون لها منهج يخصّها.
وقد أصبح المؤرّخون يستعملون منهجاً خاصّاً بهم يقترب من المنهج التجريبي.
2. خطوات المنهج التاريخي
الخطوة الأولى: جمع المصادر والوثائق. بعد اختيار الموضوع يبدأ المؤرّخ بجمع الوثائق والآثار المتبقّية عن الحادث، فالوثائق هي السبيل الوحيد إلى معرفة الماضي.
> «لا وجود للتاريخ دون وثائق، وكلّ عصر ضاعت وثائقه يظلّ مجهولاً إلى الأبد» — شارل سنيوبوس
وأنواع المصادر:
| النوع | أمثلته | قيمته | | :--- | :--- | :--- | | إرادية | المذكّرات، الرسائل الرسمية، كتب التاريخ | كُتبت لتُقرأ فقد يُتحفّظ فيها | | غير إرادية | النقود، الأدوات، العمارة، القبور | لم تُترك عمداً للشهادة فهي أصدق |
الخطوة الثانية: نقد المصادر. وهو التثبّت من خلوّ الوثائق من التحريف والتزوير، ويسمّى التحليل التاريخي، وهو نوعان:
- **نقد خارجي**: يهتمّ بالأمور المادّية كنوع الورق والحبر والخطّ وتاريخ الصناعة، **ليجيب عن سؤال: هل الوثيقة أصلية؟**
- **نقد داخلي**: يهتمّ بالمضمون ودلالته، **ليجيب عن سؤال: هل صاحبها صادق؟ وهل كان شاهداً؟ وما الظروف النفسية والسياسية والدينية التي أحاطت بكتابتها؟**
الخطوة الثالثة: التركيب والتعليل. تنتهي عملية التحليل إلى نتائج جزئية مبعثرة، فيعمل المؤرّخ على تركيبها في إطارها الزمني والمكاني. وقد تظهر فجوات فيسدّها بوضع فروض مستنداً إلى الاستنباط وإلى ما تسمح به القرائن، ثمّ يربط النتائج ببيان العلاقات بينها، وهو التعليل التاريخي.
3. حجج إضافية
الحجّة الأولى ــ سبق ابن خلدون. وضع ابن خلدون قواعد لنقد الأخبار قبل الأوروبيين بقرون، فردّ الأخبار المخالفة لطبائع العمران، وجعل العمران البشري موضوعاً لعلم قائم بذاته.
الحجّة الثانية ــ الملاحظة غير المباشرة ملاحظة. فالمؤرّخ لا يشاهد الحادثة، لكنّه يشاهد آثارها، تماماً كالفلكي الذي لا يرى النجم بل يرى ضوءه، وكالطبيب الشرعي الذي لم يشهد الجريمة ويستدلّ عليها بآثارها.
الحجّة الثالثة ــ الموضوعية ممكنة بدرجات. فالمؤرّخ الذي يصرّح بمصادره ويعرض الوثائق المخالفة ويقبل المراجعة يبلغ درجة من الموضوعية كافية للعلم.
الحجّة الرابعة ــ التاريخ يكشف قوانين اتجاه لا قوانين تكرار. فهو لا يقول «كلّما وقع كذا وقع كذا»، بل يبيّن الشروط التي تجعل الحادثة ممكنة، وهذا نوع من التقنين.
4. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ التأريخ بالكربون المشعّ: تقنية فيزيائية تحدّد عمر البقايا العضوية بهامش خطأ معلوم، فصار للمؤرّخ أداة قياس تخضع نتيجتها للضبط لا للهوى.
المثال الثاني ــ كشف وثائق مزوّرة: كثير من النصوص عُدّت تاريخية قروناً، ثمّ كشف النقد الخارجي زيفها بفحص الورق والخطّ. فالمنهج النقدي يعمل فعلاً ويصحّح أخطاءه بنفسه.
المثال الثالث ــ علم الآثار: الحفريات في مواقع أثرية تكشف عن طبقات مرتّبة زمنياً، فتُقرَأ كما يُقرأ سجلّ. وهذا مصدر غير إرادي لا يكذب.
المثال الرابع ــ كتابة تاريخ الثورة الجزائرية: جمع الشهادات الحيّة ومقارنتها بالأرشيف العسكري الفرنسي، فيُصحَّح كلّ مصدر بالآخر. وهذا عين المنهج النقدي.
5. نقد الموقف الثاني
النقد الأوّل: لا شكّ أنّ علم التاريخ تجاوز كثيراً من الصعوبات، ولكن لا ينبغي المبالغة في اعتبار الظواهر التاريخية موضوعاً لمعرفة علمية بحتة، ولا التسليم بأنّ الدراسات التاريخية بلغت مستوى العلوم الطبيعية.
النقد الثاني: الحادث التاريخي حادث إنساني لا يستوفي كلّ شروط العلم: فلا تجربة ولا تنبّؤ ولا قانون بالمعنى الدقيق.
النقد الثالث ــ في الشكل: الاستدلال بالتأريخ بالكربون يثبت دقّة أداة مستعارة من الفيزياء لا علمية التاريخ نفسه. فالتاريخ يستفيد من العلوم ولا يصير بها علماً تجريبياً.
6. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> يذهب فريق آخر إلى أنّ الذين نفوا علمية التاريخ لم يركّزوا إلّا على جوانب الإعاقة، فللظاهرة التاريخية خصوصياتها التي تستوجب منهجاً يخصّها. وقد صار المؤرّخون يستعملون منهجاً خاصّاً يقترب من المنهج التجريبي، يقوم على ثلاث خطوات: أوّلها جمع المصادر والوثائق، إرادية كالمذكّرات وغير إرادية كالنقود والعمارة، ولهذا يقول سنيوبوس: «لا وجود للتاريخ دون وثائق، وكلّ عصر ضاعت وثائقه يظلّ مجهولاً إلى الأبد». وثانيها نقد المصادر، نقداً خارجياً يتناول نوع الورق والحبر والخطّ، ونقداً داخلياً يتناول المضمون والظروف التي أحاطت بكتابته. وثالثها التركيب والتعليل، إذ يرتّب المؤرّخ النتائج الجزئية في إطارها الزمني والمكاني ويسدّ الفجوات بفروض مؤسَّسة ثمّ يبيّن العلاقات بينها. وقد سبق ابن خلدون إلى وضع قواعد لنقد الأخبار فردّ ما خالف طبائع العمران. ويشهد للواقع أنّ التأريخ بالكربون المشعّ صار يحدّد أعمار الآثار بدقّة، وأنّ النقد الخارجي كشف زيف وثائق عُدّت صحيحة قروناً. ونقده: لا شكّ أنّ التاريخ تجاوز كثيراً من الصعوبات، لكن لا ينبغي المبالغة فيعدّ موضوعاً لمعرفة علمية بحتة، ولا التسليم بأنّه بلغ مستوى العلوم الطبيعية، فالحادث التاريخي حادث إنساني لا يستوفي كلّ شروط العلم. — قالب الموقف الثاني ونقده
التركيب والرأي الشخصي
التركيب والرأي الشخصي
1. التركيب: علم من نوع خاصّ
إنّ للحادثة التاريخية خصائصها، مثلما للظاهرة الحيّة أو الجامدة خصائصها، وهذا يقتضي اختلافاً في المنهج. وهذا ما جعل التاريخ علماً من نوع خاصّ: ليس علماً استنتاجياً كالرياضيات، وليس استقرائياً كالفيزياء، وإنّما هو علم يبحث عن الوسائل التي تمكّنه من فهم الماضي وتفسيره.
وعلى هذا فالمبالغتان كلتاهما مرفوضتان: القول بأنّ التاريخ لا يمكن أن يكون علماً مبالغة، والقول بأنّه يمكن أن يصير علماً دقيقاً كالفيزياء مبالغة أيضاً.
2. وجه ثانٍ للتركيب: العلمية درجة لا صفة
العلم طريقة في التفكير ونظام في العلاقات، أكثر منه جملة من الحقائق. وعلى هذا فالعلمية في التاريخ تتوقّف على مدى التزام المؤرّخ بشروط الروح العلمية، وخاصّة الموضوعية.
فمقعد التاريخ بين العلوم ليس ممنوحاً ولا ممنوعاً، بل يُكتسب بقدر اقتراب المؤرّخين من الموضوعية.
3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً
الصيغة الأولى ــ علم بمنهجه الخاصّ
> والذي أراه أنّ الخلاف قائم على خلط بين العلم والمنهج التجريبي. فالمنهج التجريبي طريق إلى العلم لا هو العلم نفسه، ومن جعل الأوّل معياراً للثاني أخرج من العلم الفلكَ والجيولوجيا وعلمَ الآثار. وأساس ترجيحي أنّ التاريخ يملك ما تملكه العلوم: موضوعاً محدّداً، ومنهجاً مضبوطاً، ونتائج قابلة للمراجعة والتكذيب بوثيقة جديدة. — قالب الرأي الأوّل
الصيغة الثانية ــ الموضوعية عمل جماعي
> وأرجّح أنّ موضوعية المؤرّخ ليست تجرّداً فردياً بل ضبط جماعي. فالمؤرّخ لا يستطيع أن يخرج من انتمائه، ولكنّه يستطيع أن يصرّح بمصادره ويعرض الوثيقة المخالفة، فيأتي مؤرّخ آخر فيصحّح. ويشهد لذلك أنّ أكثر ما صُحّح من أخطاء التاريخ لم يصحّحه أصحابه بل مخالفوهم، وهذه هي آلية العلم نفسها. — قالب الرأي الثاني
الصيغة الثالثة ــ تمييز الواقعة عن التأويل
> وأميل إلى التمييز بين مستويين في العمل التاريخي: مستوى الواقعة وهو قابل للتحقّق الموضوعي بالوثيقة والتأريخ العلمي، ومستوى التأويل وهو الذي تدخله الذاتية. فتاريخ وقوع معركة في يوم معيّن واقعة تُثبَت، وتقدير أثرها في مصير أمّة تأويل يُناقَش. ومن خلط بينهما ظلم التاريخ إمّا بالمبالغة في علميته وإمّا بإنكارها. — قالب الرأي الثالث
4. صيغ جاهزة للخاتمة
الصيغة الأولى
> ختاماً ومّما سبق، فإنّ العلم طريقة في التفكير ونظام في العلاقات أكثر منه جملة من الحقائق، إذ يمكن للمؤرّخ أن يقدّم دراسة موضوعية فيكون التاريخ بذلك علماً. فالعلمية في التاريخ تتوقّف على مدى التزام المؤرّخ بالشروط الأساسية للعلوم وخاصّة الموضوعية، وعليه فإنّ مقعد التاريخ بين العلوم يتوقّف على مدى التزام المؤرّخين بخصائص الروح العلمية والاقتراب من الموضوعية. — قالب الخاتمة الأولى
الصيغة الثانية
> وصفوة القول إنّ التاريخ علم من نوع خاصّ: لا يجرّب ولا يتنبّأ، ولكنّه يجمع ويَنقُد ويركّب ويعلّل. فهو ليس فيزياء الماضي، وليس رواية للماضي، بل معرفة منهجية بما مضى تُصحَّح كلّما ظهرت وثيقة. — قالب الخاتمة الثانية
5. سؤال فرعي متكرّر
قد يأتي السؤال بصيغة الاستقصاء بالرفع: «إنّ الحادثة التاريخية حادثة ماضية لا تتكرّر، وبالتالي لا يمكن أن تكون موضوعاً للدراسة العلمية. أبطل هذه الأطروحة».
وطريقك حينئذٍ: تعرض الأطروحة مفصّلةً من حجج الموقف الأوّل، ثمّ تنقد منطق مناصريها بنقد الموقف الأوّل موسَّعاً، ثمّ ترفعها بحجج شخصية من مادّة الموقف الثاني: المنهج النقدي، والتأريخ بالكربون، وقياس علم الفلك والجيولوجيا. وخاتمتك: الأطروحة باطلة لا يمكن الأخذ بها.
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
نصّ السؤال: هل للتاريخ مقعد بين العلوم الأخرى؟
طرح المشكلة
إنّ العلوم الإنسانية هي مجموع الاختصاصات التي تهتمّ بدراسة مواقف الإنسان وأنماط سلوكه، فيهتمّ علم النفس بالبعد الفردي في الإنسان، ويهتمّ علم الاجتماع بالبعد الاجتماعي، ويهتمّ التاريخ بالبعدين معاً. فالتاريخ بحث في أحوال البشر الماضية في وقائعهم وأحداثهم وظواهر حياتهم. وبناءً على هذا فإنّ الحادثة التاريخية تتميّز بكونها ماضية، ومن ثمّ فالمعرفة التاريخية معرفة غير مباشرة لا تعتمد على الملاحظة ولا على التجربة، الأمر الذي يجعل المؤرّخ ليس في إمكانه الانتهاء إلى وضع قوانين عامّة، والعلم لا يقوم إلّا على قوانين كلّية. وعلى هذا الأساس نتساءل: هل تمنع هذه الصعوبات التاريخَ من أن يأخذ مكانه بين مختلف العلوم؟ أو بعبارة أخرى: هل خصوصية الحادثة التاريخية تمثّل عائقاً أمام تطبيق الأساليب العلمية في دراستها؟
محاولة حلّ المشكلة
أوّلاً: الموقف الأوّل ــ التاريخ ليس علماً
يذهب بعض المفكّرين إلى أنّ الحوادث التاريخية لا تخضع للدراسة العلمية، لأنّ الخصائص التي تقوم عليها الحادثة التاريخية تمثّل عائقاً أمام تطبيق الأساليب العلمية. فمن هذه الخصائص أنّها حادثة إنسانية تخصّ الإنسان دون غيره من الكائنات، واجتماعية لأنّها لا تحدث إلّا في مجتمع، فالمؤرّخ لا يهتمّ بالأفراد إلّا من حيث ارتباطهم بحياة الجماعة وتأثيرهم فيها، وهي حادثة فريدة من نوعها لا تتكرّر، محدودة في الزمان والمكان. وبناءً على هذه العوائق قامت اعتراضات أساسية على القول بأنّ التاريخ علم: منها انعدام الملاحظة المباشرة للحادثة لكونها ماضية، على خلاف الحادث في الظواهر الطبيعية الذي يقع تحت الملاحظة. ومنها استحالة إجراء التجارب في التاريخ، وهو ما يجعل المؤرّخ بعيداً عن إمكانية وضع قوانين عامّة، والعلم لا يقوم إلّا على الأحكام الكلّية كما يقول أرسطو: «لا علم إلّا بالكلّيات». ومنها غلبة الطابع الذاتي في المعرفة التاريخية، لأنّ المؤرّخ إنسان ينتمي إلى عصر معيّن ووطن معيّن، وهذا يجعله يسقط ذاتيته بقيمها ومشاغلها على الماضي الذي يدرسه. ومنها أنّ كلمة علم تُطلق على البحث الذي يمكّن من التنبّؤ، في حين أنّ الشروط نفسها لا تؤدّي إلى النتائج نفسها في التاريخ. ويشهد للواقع أنّ المؤرّخ الجزائري والمؤرّخ الفرنسي يكتبان عن الفترة الاستعمارية نفسها فيختلفان في التسمية قبل أن يختلفا في التفسير.
نقده: إنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ لهذه الاعتراضات ما يبرّرها من الناحية العلمية، غير أنّه ينبغي التأكيد على أنّها لا تستلزم الرفض القاطع لعلمية التاريخ، لأنّ لكلّ علم خصوصياته المتعلّقة بالموضوع، وبالتالي خصوصية المنهج المتّبع فيه. وقد استطاع بعض المؤرّخين أن يكونوا موضوعيين إلى حدّ ما وأن يتقيّدوا بشروط الروح العلمية. ثمّ إنّ الاستدلال بأنّه لا علم إلّا بالكلّيات يقوم على تصوّر ضيّق للعلم، فعلم الفلك لا يجرّب على النجوم، وعلم الجيولوجيا يدرس ماضي الأرض الذي لا يتكرّر، وكلاهما علم.
ثانياً: الموقف الثاني ــ التاريخ علم بمنهج خاصّ
ويذهب فريق آخر إلى أنّ الذين نفوا أن تكون الحوادث التاريخية موضوعاً للعلم لم يركّزوا إلّا على الجوانب التي تعيق الدراسة العلمية. فالظاهرة التاريخية لها خصوصياتها، وتختلف من حيث طبيعة موضوعها عن العلوم الأخرى، وبالتالي من الضروري أن يكون لها منهج يخصّها. وهكذا أصبح المؤرّخون يستعملون منهجاً خاصّاً بهم يقترب من المنهج التجريبي، ويقوم على خطوات كبرى: أوّلها جمع المصادر والوثائق، فبعد اختيار الموضوع يبدأ المؤرّخ بجمع الوثائق والآثار المتبقّية، والوثائق هي السبيل الوحيد إلى معرفة الماضي، ولهذا يقول سنيوبوس: «لا وجود للتاريخ دون وثائق، وكلّ عصر ضاعت وثائقه يظلّ مجهولاً إلى الأبد». وثانيها نقد المصادر، وهو التثبّت من خلوّها من التحريف والتزوير، ويكون نقداً خارجياً يهتمّ بالأمور المادّية كنوع الورق والخطّ، ونقداً داخلياً يهتمّ بالمضمون والظروف النفسية والسياسية والدينية التي أحاطت بكتابته. وثالثها التركيب والتعليل، إذ تنتهي عملية التحليل إلى نتائج جزئية مبعثرة يركّبها المؤرّخ في إطارها الزمني والمكاني، ويسدّ ما يظهر من فجوات بفروض مؤسَّسة، ثمّ يربط نتائجه ببيان العلاقات بينها. وقد سبق ابن خلدون إلى وضع قواعد لنقد الأخبار، فردّ ما خالف منها طبائع العمران. ويشهد للواقع أنّ التأريخ بالكربون المشعّ صار يحدّد أعمار الآثار بدقّة، وأنّ النقد الخارجي كشف زيف وثائق عُدّت صحيحة قروناً.
نقده: إنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ علم التاريخ قد تجاوز كثيراً من الصعوبات التي كانت تعوقه، ولكن رغم ذلك لا يجب أن نبالغ في اعتبار الظواهر التاريخية موضوعاً لمعرفة علمية بحتة، كما لا يجب التسليم بأنّ الدراسات التاريخية قد بلغت مستوى العلوم الطبيعية، فالحادث التاريخي حادث إنساني لا يستوفي كلّ شروط العلم.
ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي
إنّ للحادثة التاريخية خصائصها مثلما للظاهرة الحيّة أو الجامدة خصائصها، وهذا يقتضي اختلافاً في المنهج، وهو ما جعل من التاريخ علماً من نوع خاصّ: ليس علماً استنتاجياً كالرياضيات، وليس استقرائياً كالفيزياء، وإنّما هو علم يبحث عن الوسائل التي تمكّنه من فهم الماضي وتفسيره. وعلى هذا الأساس فإنّ القول بأنّ التاريخ لا يمكن أن يكون علماً أمر مبالغ فيه، كما أنّ القول بإمكان أن يصير علماً دقيقاً كالفيزياء مبالغ فيه أيضاً. والذي أراه أنّ الخلاف قائم على خلط بين العلم والمنهج التجريبي، فالمنهج التجريبي طريق إلى العلم لا هو العلم نفسه، ومن جعله معياراً وحيداً أخرج الفلك والجيولوجيا وعلم الآثار من دائرة العلم. وأساس ترجيحي أنّ التاريخ يملك ما تملكه العلوم: موضوعاً محدّداً، ومنهجاً مضبوطاً، ونتائج قابلة للمراجعة والتكذيب بوثيقة جديدة. ويُضاف إلى ذلك أنّ موضوعية المؤرّخ ليست تجرّداً فردياً بل ضبطاً جماعياً، فالمؤرّخ يصرّح بمصادره فيأتي غيره فيصحّح، وهذه هي آلية العلم نفسها.
حلّ المشكلة
ختاماً وممّا سبق، فإنّ العلم طريقة في التفكير ونظام في العلاقات أكثر منه جملة من الحقائق، إذ يمكن للمؤرّخ أن يقدّم دراسة موضوعية فيكون التاريخ بذلك علماً. فالعلمية في التاريخ تتوقّف على مدى التزام المؤرّخ بالشروط الأساسية للعلوم، وخاصّة الموضوعية. وعليه فإنّ مقعد التاريخ بين العلوم الأخرى ليس ممنوحاً له ولا ممنوعاً عنه، وإنّما يُكتسب بمقدار التزام المؤرّخين بخصائص الروح العلمية واقترابهم من الموضوعية.
---
تحويل المقالة إلى استقصاء بالرفع
نصّ السؤال المحتمل: «إنّ الحادثة التاريخية حادثة ماضية لا تتكرّر، وبالتالي لا يمكن أن تكون موضوعاً للدراسة العلمية». أبطل هذه الأطروحة.
| ما عندك في الدرس | ما تفعل به | | :--- | :--- | | الموقف الأوّل وحججه | الجزء الأوّل: تعرض الأطروحة مفصّلةً بأمانة | | نقد الموقف الأوّل | الجزء الثاني: نقد منطق المناصرين شكلاً ومضموناً | | الموقف الثاني ومنهجه النقدي | الجزء الثالث: حجج ترفع الأطروحة | | التركيب | يُحذف | | الخاتمة | تُبدَّل: الأطروحة باطلة لا يمكن الأخذ بها |
ومقدّمة الرفع يجب أن تعلن الدحض:
> شاع بين بعض المفكّرين أنّ الحادثة التاريخية لمّا كانت ماضية لا تتكرّر فإنّها لا تقبل الدراسة العلمية، في حين يرى آخرون أنّ للتاريخ منهجاً يخصّه يبلغ به درجة من العلمية. وإذا سلّمنا بالأطروحة الأولى ظاهرياً فإنّها لا تصمد أمام النقد، فما الذي يحملنا على ذلك؟ وكيف لنا تفنيد صحّتها؟ — قالب مقدّمة الرفع
ماذا تحفظ؟
- **خصائص الحادثة التاريخية الخمس**.
- **خطوات المنهج التاريخي الثلاث** مع نوعي النقد.
- **قولان**: أرسطو، وسنيوبوس.
- **مثالان**: اختلاف تسمية الفترة الاستعمارية، والتأريخ بالكربون المشعّ.
- **جملة التركيب**: التاريخ علم من نوع خاصّ لا استنتاجي ولا استقرائي.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.