المنطق الصوري: مبادئ العقل، الحدود والقضايا والاستدلال
الدرس التقني لإشكالية انطباق الفكر مع نفسه: تعريف المنطق الصوري ومبادئ العقل، والحدود والتعريف المنطقي، والقضايا الحملية الأربع والاستغراق، والتقابل والعكس المستوي، والقياس الحملي والشرطي، مع تطبيقات محلولة ونموذج مقالة.
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: المنطق الصوري ومبادئ العقل: كيف ينطبق الفكر مع نفسه؟، الحدود والتصوّرات وشروط التعريف المنطقي، القضايا والاستغراق والاستدلال المباشر، الاستدلال غير المباشر: القياس الحملي والقياس الشرطي، تطبيقات محلولة ونموذج مقالة للبكالوريا.
المنطق الصوري ومبادئ العقل: كيف ينطبق الفكر مع نفسه؟
المنطق الصوري ومبادئ العقل: كيف ينطبق الفكر مع نفسه؟
1. وضعية الانطلاق
قال تلميذ لزميله بعد ظهور النتائج: كلّ من راجع دروسه نجح، وأنت نجحت، إذن أنت راجعت دروسك. قد تكون النتيجة صادقة في الواقع، لكنّ الاستدلال نفسه فاسد: فالنجاح قد يأتي من المراجعة وقد يأتي من غيرها، ولا يلزم من كون كلّ مراجع ناجحاً أن يكون كلّ ناجح مراجعاً.
نستعمل في حياتنا اليومية كلمة «منطقي» بمعنى المعقول المتماسك: نقول «هذا كلام منطقي» إذا كان لا يناقض نفسه ويلزم عن أسبابه، ونقول «هذا غير منطقي» إذا كان متناقضاً أو قفز إلى نتيجة لا تلزم عن مقدّماتها. هذا هو المنطق كما هو عند المتعلّم: إحساس عفوي بالتماسك. أمّا الدرس فينقل هذا الإحساس إلى قواعد دقيقة نعرف بها متى يكون الانتقال من فكرة إلى أخرى سليماً ومتى يكون فاسداً.
2. المنطق لغةً واصطلاحاً
- **لغةً**: من النطق أي الكلام، ويقابله في اليونانية لفظ «لوغوس» الذي يدلّ على الكلام وعلى العقل معاً، لأنّ الكلام المنظّم ثمرة العقل.
- **اصطلاحاً**: علم القوانين التي تضبط الفكر وتميّز الاستدلال الصحيح من الفاسد. ويعرّفه المناطقة العرب بأنّه **آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر**.
- **موضوعه**: صورة الفكر لا مادّته. فالقياس «كلّ ب هو ج، وكلّ أ هو ب، إذن كلّ أ هو ج» صحيح مهما وضعنا مكان الحروف، **لأنّ النتيجة تلزم عن شكل المقدّمات لا عن مضمونها**. ولهذا سُمّي **المنطق الصوري**.
الصحّة غير الصدق: الصحّة سلامة انتقال الفكر من المقدّمات إلى النتيجة، والصدق مطابقة القضية للواقع. فالقياس «كلّ الطيور تعيش في الماء، وكلّ نسر طائر، إذن كلّ نسر يعيش في الماء» صحيح صورياً لأنّ نتيجته تلزم عن مقدّمتيه، لكنّه كاذب مادّياً لأنّ مقدّمته الكبرى كاذبة. وهذا التمييز مفتاح الدرس كلّه.
3. أرسطو والأورغانون
أرسطو هو واضع المنطق الصوري، ولقّبه العرب المعلّم الأوّل ولقّبوا الفارابي المعلّم الثاني. ولم يجعل أرسطو المنطق علماً قائماً بموضوع خاصّ، بل أداة يستعملها كلّ علم، ولهذا جمع الشرّاح من بعده كتبه المنطقية وسمّوها الأورغانون أي الآلة.
| كتاب الأورغانون | موضوعه | ما يقابله في هذا الدرس | | :--- | :--- | :--- | | المقولات | الأجناس العليا التي تُحمل على الموجودات | الحدود والتصوّرات | | العبارة | القضية وأنواعها والتقابل بينها | الأحكام والقضايا | | التحليلات الأولى | القياس وأشكاله وشروطه | الاستدلال غير المباشر | | التحليلات الثانية | البرهان وشروط العلم اليقيني | قيمة القياس | | الجدل | الاستدلال من المقدّمات المشهورة | الحوار والمناظرة | | الأغاليط | الاستدلالات الفاسدة التي تبدو صحيحة | المغالطات |
4. انطباق الفكر مع نفسه وانطباقه مع الواقع
يطرح البرنامج سؤالاً مركزياً: كيف يمكن للفكر الثابت أن ينطبق مع نفسه وأن ينطبق مع الواقع المتغيّر؟
| وجه المقارنة | انطباق الفكر مع نفسه | انطباق الفكر مع الواقع | | :--- | :--- | :--- | | المنطق المعنيّ | المنطق الصوري الأرسطي | المنطق المادّي أو الاستقرائي | | المعيار | عدم التناقض وسلامة اللزوم | مطابقة التجربة | | الاتجاه | من الكلّي إلى الجزئي غالباً | من الجزئي إلى الكلّي | | النتيجة | صحيحة صورياً ولو كانت مقدّماتها كاذبة | صادقة بقدر ما تؤيّدها الوقائع | | أعلامه | أرسطو والمناطقة المسلمون | فرانسيس بيكون وجون ستيوارت مل |
5. مبادئ العقل
مبادئ العقل قضايا أوّلية بديهية يقوم عليها كلّ تفكير، ولا يُبرهن عليها لأنّ كلّ برهان يفترضها مسبقاً. وخصائصها أنّها كلّية يشترك فيها جميع العقلاء، وضرورية لا يمكن تصوّر خلافها، وبديهية لا تحتاج إلى استدلال.
مبدأ الهوية
الشيء هو هو، وصيغته الرمزية: أ هو أ. ومعناه في الاستدلال أن يبقى معنى اللفظ ثابتاً من أوّل البرهان إلى آخره. فإذا استعملنا لفظ «العين» بمعنى عضو الإبصار في مقدّمة، وبمعنى نبع الماء في مقدّمة أخرى، خرقنا مبدأ الهوية ووقعنا في مغالطة الاشتراك اللفظي.
مبدأ عدم التناقض
لا يمكن أن يكون الشيء أ ولا أ في الوقت نفسه ومن الجهة نفسها. فلا يكون العدد 7 زوجياً وفردياً معاً. والقيدان ضروريان: فأحمد طويل بالنسبة إلى أخيه الصغير وقصير بالنسبة إلى أبيه، ولا تناقض هنا لأنّ الجهة اختلفت. والماء كان سائلاً أمس وهو اليوم جليد، ولا تناقض لأنّ الوقت اختلف.
مبدأ الثالث المرفوع
الشيء إمّا أ وإمّا لا أ ولا ثالث بينهما. فالعدد الصحيح إمّا زوجي وإمّا غير زوجي. والمبدأ يخصّ النقيضين لا الضدّين: فقولنا «الماء إمّا حارّ وإمّا بارد» ليس تطبيقاً له، لأنّ بين الحارّ والبارد وسطاً هو الفاتر، والصيغة المطابقة للمبدأ هي «الماء إمّا حارّ وإمّا غير حارّ».
مبدأ السببية
لكلّ حادثة سبب، والأسباب نفسها في الظروف نفسها تُحدث النتائج نفسها. فالحديد يتمدّد كلّما سخن. وصاغه لايبنتز في صورة أعمّ سمّاها مبدأ السبب الكافي. وهو الجسر بين الفكر والواقع: فبه نفسّر الظواهر ونتنبّأ بها، وعليه يقوم المنهج التجريبي.
| المبدأ | صيغته | مثال | ما يترتّب على خرقه | | :--- | :--- | :--- | :--- | | الهوية | أ هو أ | المثلّث مثلّث في كلّ مراحل البرهان | تغيّر معنى الحدّ ومغالطة الاشتراك اللفظي | | عدم التناقض | لا يكون أ ولا أ معاً من الجهة نفسها | لا يكون الشكل مربّعاً ودائرة معاً | قولان يهدم أحدهما الآخر | | الثالث المرفوع | إمّا أ وإمّا لا أ | العدد إمّا زوجي وإمّا غير زوجي | قسمة ناقصة أو خلط بين الضدّين والنقيضين | | السببية | لكلّ حادثة سبب | الحرارة سبب تمدّد المعادن | تفسير بالصدفة وعجز عن التنبّؤ |
ملاحظة: الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع وجوه ثلاثة لانطباق الفكر مع نفسه، أمّا السببية فمبدأ لانطباق الفكر مع الواقع. واختلف الفلاسفة في أصل هذه المبادئ: فالعقليون كديكارت ولايبنتز يرونها فطرية في العقل، والتجريبيون كجون لوك يرونها مكتسبة من التجربة.
الحدود والتصوّرات وشروط التعريف المنطقي
الحدود والتصوّرات وشروط التعريف المنطقي
1. التصوّر والتصديق
قسّم المناطقة المسلمون المعرفة قسمين:
- **التصوّر**: إدراك معنى مفرد دون حكم عليه بإثبات أو نفي، كإدراك معنى «المثلّث» أو «المعدن».
- **التصديق**: إدراك نسبة بين تصوّرين بالإثبات أو النفي، أي **حكم**، كقولنا: المثلّث شكل هندسي.
والطريق إلى التصوّر هو التعريف، والطريق إلى التصديق هو الاستدلال. ولهذا يبدأ المنطق بالحدود والتعريف، ثمّ القضايا، ثمّ الاستدلال.
2. الحدّ وأنواعه
الحدّ هو اللفظ الذي يعبّر عن تصوّر، ويقع موضوعاً أو محمولاً في القضية. ففي قولنا «الحديد معدن» حدّان: الحديد والمعدن. وانتبه: يُستعمل لفظ الحدّ أيضاً بمعنى التعريف التامّ، والسياق يحدّد المعنى.
| نوع الحدّ | تعريفه | مثال | | :--- | :--- | :--- | | الكلّي | يصدق على أفراد كثيرين | إنسان، معدن، مدينة | | الجزئي | لا يصدق إلّا على فرد واحد | الجزائر، ابن خلدون، نهر النيل | | المحسوس | يدلّ على ما يُدرك بالحواسّ | شجرة، حجر | | المجرّد | يدلّ على معنى لا يُدرك بالحواسّ | العدالة، الشجاعة |
3. الماصدق والمفهوم
لكلّ حدّ كلّي جانبان:
- **الماصدق**: مجموع الأفراد أو الأشياء التي يصدق عليها الحدّ. فماصدق «معدن» هو الحديد والنحاس والذهب والفضّة وسائر المعادن.
- **المفهوم**: مجموع الصفات المشتركة التي يدلّ عليها الحدّ. فمفهوم «مثلّث»: شكل هندسي مستوٍ مغلق له ثلاثة أضلاع.
العلاقة بينهما عكسية: كلّما زاد المفهوم صفةً قلّ الماصدق، وكلّما نقص المفهوم اتّسع الماصدق.
| الحدّ | مفهومه | ماصدقه | | :--- | :--- | :--- | | جسم | ما له طول وعرض وعمق | الجمادات والنباتات والحيوانات والبشر | | حيوان | جسم نامٍ حسّاس متحرّك بالإرادة | الحيوانات والبشر | | إنسان | حيوان ناطق | البشر وحدهم | | جزائري | إنسان يحمل الجنسية الجزائرية | بعض البشر فقط |
كلّما نزلنا في الجدول أُضيفت صفة إلى المفهوم وضاق الماصدق.
4. الكلّيات الخمس
رتّب فرفوريوس في كتابه إيساغوجي، أي المدخل إلى مقولات أرسطو، الألفاظ الكلّية في خمسة أصناف بحسب علاقتها بماهية الشيء. الثلاثة الأولى ذاتية تدخل في الماهية، والاثنان الأخيران عرضيان لا يدخلان فيها.
| الكلّي | تعريفه | مثاله في الإنسان | مثاله في المثلّث | ذاتي أم عرضي | | :--- | :--- | :--- | :--- | :--- | | الجنس | كلّي يشمل أنواعاً مختلفة | الحيوان | المضلّع | ذاتي | | النوع | كلّي يشمل أفراداً متّفقين في الماهية مختلفين بالعدد | الإنسان بالنسبة إلى أحمد وعلي | المثلّث بالنسبة إلى كلّ مثلّث مرسوم | ذاتي | | الفصل | صفة ذاتية تميّز النوع عن سائر أنواع جنسه | الناطق | ذو ثلاثة أضلاع | ذاتي | | الخاصّة | صفة عرضية يختصّ بها النوع وحده | الضاحك | مجموع زواياه 180 درجة في هندسة إقليدس | عرضي | | العرض العامّ | صفة عرضية يشترك فيها النوع مع غيره | الماشي، المتنفّس | له محيط ومساحة | عرضي |
كيف تفرّق بين الفصل والخاصّة؟ كلاهما يميّز النوع، لكنّ الفصل يدخل في تكوين الماهية فلا يُتصوّر الإنسان دون نطق، أمّا الخاصّة فتلزم عن الماهية ولا تكوّنها، فالضحك نتيجة لكون الإنسان عاقلاً يدرك المفارقات.
5. التعريف المنطقي وأنواعه
التعريف قول يشرح ماهية الشيء، ويسمّيه المناطقة القول الشارح. وأنواعه تُبنى على الكلّيات الخمس:
| نوع التعريف | يتألّف من | مثال | | :--- | :--- | :--- | | الحدّ التامّ | الجنس القريب والفصل | الإنسان حيوان ناطق | | الحدّ الناقص | الجنس البعيد والفصل، أو الفصل وحده | الإنسان جسم ناطق | | الرسم التامّ | الجنس القريب والخاصّة | الإنسان حيوان ضاحك | | الرسم الناقص | الخاصّة وحدها، أو الجنس البعيد والخاصّة | الإنسان جسم ضاحك |
الحدّ التامّ أكمل التعريفات لأنّه يكشف الماهية بذاتياتها، أمّا الرسم فيعرّف الشيء بلوازمه الخارجية.
6. شروط التعريف المنطقي
| الشرط | تعريف يخالفه | سبب الخطأ | التصحيح | | :--- | :--- | :--- | :--- | | أن يكون جامعاً | الإنسان حيوان يكتب الشعر | يُخرج من المعرَّف كلّ من لا يكتب الشعر | الإنسان حيوان ناطق | | أن يكون مانعاً | الإنسان حيوان يتنفّس | يُدخل في المعرَّف سائر الحيوانات | الإنسان حيوان ناطق | | ألّا يكون دائرياً | الشمس كوكب يطلع نهاراً | النهار نفسه يُعرَّف بطلوع الشمس | الشمس النجم الذي تدور حوله الأرض | | أن يكون أوضح من المعرَّف | النار جسم شبيه بالنفس | النفس أخفى من النار | النار احتراق مصحوب بحرارة وضوء | | ألّا يستعمل المجاز | العلم نور | استعارة لا تكشف الماهية | العلم إدراك الشيء على ما هو عليه | | أن يكون موجباً ما أمكن | الإنسان ليس حجراً | السلب لا يبيّن ما هو الشيء | الإنسان حيوان ناطق |
قاعدة الجامع المانع هي أهمّ الشروط: يجب أن يساوي التعريف المعرَّف في الماصدق، فلا يكون أضيق منه فيُخرج بعض أفراده، ولا أوسع منه فيُدخل فيه ما ليس منه.
القضايا والاستغراق والاستدلال المباشر
القضايا والاستغراق والاستدلال المباشر
1. الحكم والقضية
- **الحكم**: فعل ذهني يُثبت أمراً لأمر أو ينفيه عنه.
- **القضية**: التعبير اللفظي عن الحكم، وهي **القول الذي يحتمل الصدق أو الكذب لذاته**.
فقولنا «الحديد معدن» قضية لأنّه يحتمل الصدق والكذب، أمّا «أغلق الباب» و«هل نجحت؟» فليستا قضيتين لأنّ الأمر والاستفهام لا يوصفان بصدق ولا كذب.
2. أنواع القضايا
| النوع | تعريفه | مثال | | :--- | :--- | :--- | | الحملية | حكم بثبوت محمول لموضوع أو نفيه عنه دون شرط | الحديد معدن | | الشرطية المتّصلة | حكم بلزوم قضية لأخرى، وطرفاها المقدَّم والتالي | إذا سخن الحديد تمدّد | | الشرطية المنفصلة | حكم بالتنافي بين قضيتين | العدد الصحيح إمّا زوجي وإمّا فردي |
3. عناصر القضية الحملية
| العنصر | وظيفته | في «كلّ المعادن موصلة للكهرباء» | | :--- | :--- | :--- | | الموضوع | ما نحكم عليه | المعادن | | المحمول | ما نحكم به | موصلة للكهرباء | | الرابطة | تربط المحمول بالموضوع إثباتاً أو نفياً، وكثيراً ما تُضمر في العربية | هي، وتُقدَّر | | السور | يبيّن كمّ الأفراد المحكوم عليهم | كلّ |
أسوار القضايا: كلّ للكلّية الموجبة، ولا واحد أو لا شيء للكلّية السالبة، وبعض للجزئية الموجبة، وبعض … ليس للجزئية السالبة.
4. الكمّ والكيف والقضايا الأربع
- **الكمّ**: القضية كلّية إذا كان الحكم على جميع أفراد الموضوع، وجزئية إذا كان على بعضهم.
- **الكيف**: القضية موجبة إذا أثبتت المحمول للموضوع، وسالبة إذا نفته عنه.
ومن تركيب الكمّ والكيف تنتج أربع قضايا، ويرمز إليها المناطقة بحروف أربعة: الحرفان A و I للموجبتين، والحرفان E و O للسالبتين.
| الرمز | الاسم | الكمّ | الكيف | الصيغة | مثال | | :--- | :--- | :--- | :--- | :--- | :--- | | A | الكلّية الموجبة | كلّية | موجبة | كلّ س هو ص | كلّ المعادن موصلة للكهرباء | | E | الكلّية السالبة | كلّية | سالبة | لا واحد من س هو ص | لا سمكة من الثدييات | | I | الجزئية الموجبة | جزئية | موجبة | بعض س هو ص | بعض التلاميذ رياضيون | | O | الجزئية السالبة | جزئية | سالبة | بعض س ليس ص | بعض التلاميذ ليسوا رياضيين |
القضية الشخصية موضوعها فرد واحد، مثل «ابن خلدون مؤرّخ»، وتُعامل معاملة الكلّية لأنّ الحكم يقع على موضوعها كلّه.
5. الاستغراق
يكون الحدّ مستغرقاً إذا كان الحكم واقعاً على جميع أفراد ماصدقه، وغير مستغرق إذا وقع على بعضها.
| القضية | الموضوع | المحمول | التعليل | | :--- | :--- | :--- | :--- | | A: كلّ المعادن موصلة للكهرباء | مستغرق | غير مستغرق | حكمنا على كلّ المعادن، لكنّها بعض الموصلات فقط، فالغرافيت والماء المالح يوصلان الكهرباء أيضاً | | E: لا سمكة من الثدييات | مستغرق | مستغرق | نفينا كلّ الأسماك عن كلّ الثدييات | | I: بعض التلاميذ رياضيون | غير مستغرق | غير مستغرق | تكلّمنا عن بعض التلاميذ وعن بعض الرياضيين | | O: بعض التلاميذ ليسوا رياضيين | غير مستغرق | مستغرق | أخرجنا هذا البعض من جميع الرياضيين |
قاعدة للحفظ: الكلّية تستغرق موضوعها، والسالبة تستغرق محمولها.
6. الاستدلال المباشر
الاستدلال انتقال الذهن من قضية أو أكثر إلى قضية أخرى تلزم عنها. ويكون مباشراً إذا انتقلنا من قضية واحدة إلى أخرى دون واسطة، وغير مباشر إذا احتجنا إلى مقدّمتين كما في القياس.
التقابل ومربّع أرسطو
التقابل اختلاف قضيتين متّحدتين في الموضوع والمحمول في الكمّ أو الكيف أو فيهما معاً. ونرتّب القضايا الأربع في مربّع: الكلّيتان في أعلاه، والجزئيتان في أسفله، والموجبتان على اليمين، والسالبتان على اليسار.
| موقعها في المربّع | الموجبة | السالبة | | :--- | :--- | :--- | | الكلّية | A: كلّ المعادن موصلة للكهرباء | E: لا معدن موصل للكهرباء | | الجزئية | I: بعض المعادن موصلة للكهرباء | O: بعض المعادن ليست موصلة للكهرباء |
| العلاقة | بين | تختلفان في | القاعدة | | :--- | :--- | :--- | :--- | | التناقض | A و O، و E و I | الكمّ والكيف معاً | لا تصدقان معاً ولا تكذبان معاً | | التضادّ | A و E | الكيف، وكلتاهما كلّية | لا تصدقان معاً، وقد تكذبان معاً | | الدخول تحت التضادّ | I و O | الكيف، وكلتاهما جزئية | لا تكذبان معاً، وقد تصدقان معاً | | التداخل | A و I، و E و O | الكمّ، والكيف واحد | صدق الكلّية يلزم عنه صدق الجزئية، وكذب الجزئية يلزم عنه كذب الكلّية، والعكس غير لازم |
جدول الاستنتاج الكامل (مجهولة: لا يمكن الحكم عليها بالصدق ولا بالكذب):
| إذا علمنا أنّ | A | E | I | O | | :--- | :--- | :--- | :--- | :--- | | A صادقة | — | كاذبة | صادقة | كاذبة | | A كاذبة | — | مجهولة | مجهولة | صادقة | | E صادقة | كاذبة | — | كاذبة | صادقة | | E كاذبة | مجهولة | — | صادقة | مجهولة | | I صادقة | مجهولة | كاذبة | — | مجهولة | | I كاذبة | كاذبة | صادقة | — | صادقة | | O صادقة | كاذبة | مجهولة | مجهولة | — | | O كاذبة | صادقة | كاذبة | صادقة | — |
مثال محلول: إذا كانت «كلّ التلاميذ مجتهدون» كاذبة، فنقيضتها «بعض التلاميذ ليسوا مجتهدين» صادقة، أمّا «لا تلميذ مجتهد» و«بعض التلاميذ مجتهدون» فمجهولتان. وخطأ شائع: نقيض «كلّ التلاميذ مجتهدون» ليس «لا تلميذ مجتهد»، فهذه ضدّها، والضدّان قد يكذبان معاً.
العكس المستوي أو العكس المنطقي
العكس المستوي تحويل القضية بجعل موضوعها محمولاً ومحمولها موضوعاً، مع بقاء كيفها وصدقها. وقاعدته الأساسية: لا يُستغرق في العكس حدّ لم يكن مستغرقاً في الأصل.
| الأصل | عكسه | نوع العكس | مثال | | :--- | :--- | :--- | :--- | | E | E | عكس تامّ | لا سمكة من الثدييات، فعكسها: لا ثديي من الأسماك | | I | I | عكس تامّ | بعض التلاميذ رياضيون، فعكسها: بعض الرياضيين تلاميذ | | A | I | عكس ناقص | كلّ المعادن موصلة للكهرباء، فعكسها: بعض الموصلات للكهرباء معادن | | O | لا عكس لها | — | بعض الحيوانات ليست ثدييات، ولا يصحّ: بعض الثدييات ليست حيوانات |
لماذا تنعكس A جزئية؟ لأنّ محمولها «موصلة للكهرباء» غير مستغرق، فلو عكسناها كلّية لصار موضوعاً لكلّية فاستُغرق، وقولنا «كلّ الموصلات للكهرباء معادن» كاذب لأنّ الغرافيت ليس معدناً.
لماذا لا تنعكس O؟ لأنّ موضوعها «الحيوانات» غير مستغرق، ولو صار محمولاً لسالبة لاستُغرق، فتنتج قضية كاذبة كما في المثال.
ملاحظة: قد تصدق الكلّية الموجبة إذا عُكست كلّية في بعض الأمثلة، كالتعريف الجامع المانع «كلّ إنسان حيوان ناطق»، لكنّ ذلك يأتي من المضمون لا من الصورة، والمنطق الصوري لا يضمن إلّا العكس الجزئي.
الاستدلال غير المباشر: القياس الحملي والقياس الشرطي
الاستدلال غير المباشر: القياس الحملي والقياس الشرطي
1. تعريف القياس
القياس استدلال غير مباشر مؤلّف من قضيتين إذا سُلّم بهما لزم عنهما لذاتهما قول ثالث هو النتيجة. وهو عند أرسطو أكمل صور الاستدلال، لأنّ النتيجة فيه تلزم بالضرورة.
2. الحدود الثلاثة والمقدّمتان
المثال: كلّ معدن موصل للكهرباء، وكلّ نحاس معدن، إذن كلّ نحاس موصل للكهرباء.
| العنصر | تعريفه | في المثال | | :--- | :--- | :--- | | الحدّ الأكبر | محمول النتيجة | موصل للكهرباء | | الحدّ الأصغر | موضوع النتيجة | نحاس | | الحدّ الأوسط | الحدّ المشترك بين المقدّمتين، ولا يظهر في النتيجة | معدن | | المقدّمة الكبرى | المقدّمة التي فيها الحدّ الأكبر | كلّ معدن موصل للكهرباء | | المقدّمة الصغرى | المقدّمة التي فيها الحدّ الأصغر | كلّ نحاس معدن |
طريقة عملية: ابدأ دائماً بالنتيجة، فموضوعها هو الأصغر ومحمولها هو الأكبر، ثمّ ابحث عن الحدّ المتكرّر في المقدّمتين فهو الأوسط.
3. أشكال القياس
يتحدّد الشكل بموضع الحدّ الأوسط في المقدّمتين:
| الشكل | موضع الأوسط | شرطه الخاصّ | مثال منتج | | :--- | :--- | :--- | :--- | | الأوّل | موضوع في الكبرى، محمول في الصغرى | الصغرى موجبة والكبرى كلّية | كلّ معدن موصل للكهرباء، وكلّ نحاس معدن، إذن كلّ نحاس موصل للكهرباء | | الثاني | محمول في المقدّمتين | تختلف المقدّمتان في الكيف والكبرى كلّية، والنتيجة سالبة دائماً | لا سمكة من الثدييات، وكلّ حوت من الثدييات، إذن لا حوت سمكة | | الثالث | موضوع في المقدّمتين | الصغرى موجبة والنتيجة جزئية دائماً | كلّ العلماء مثقّفون، وبعض العلماء فقراء، إذن بعض الفقراء مثقّفون | | الرابع | محمول في الكبرى، موضوع في الصغرى | لم يذكره أرسطو، ويُنسب في كتب المنطق إلى جالينوس | كلّ نسر طائر، وكلّ طائر فقاري، إذن بعض الفقاريات نسور |
الشكل الأوّل هو الشكل الكامل لأنّ لزوم النتيجة فيه واضح بنفسه، وهو وحده يُنتج القضايا الأربع:
| الضرب | الكبرى | الصغرى | النتيجة | | :--- | :--- | :--- | :--- | | كلّية موجبة | كلّ معدن موصل للكهرباء | كلّ نحاس معدن | كلّ نحاس موصل للكهرباء | | كلّية سالبة | لا نبات حيوان | كلّ زهرة نبات | لا زهرة حيوان | | جزئية موجبة | كلّ الثدييات تتنفّس بالرئتين | بعض الحيوانات البحرية ثدييات | بعض الحيوانات البحرية تتنفّس بالرئتين | | جزئية سالبة | لا كاذب موثوق به | بعض الشهود كاذبون | بعض الشهود ليسوا موثوقاً بهم |
4. قواعد إنتاج القياس
قواعد الحدود:
| القاعدة | المغالطة عند خرقها | مثال فاسد | | :--- | :--- | :--- | | ثلاثة حدود فقط، والأوسط بمعنى واحد | مغالطة الحدود الأربعة | العين عضو الإبصار، وهذا النبع عين، إذن هذا النبع عضو الإبصار | | الأوسط لا يظهر في النتيجة | خلط بين المقدّمة والنتيجة | — | | يُستغرق الأوسط في إحدى المقدّمتين على الأقلّ | مغالطة الأوسط غير المستغرق | كلّ قطّ حيوان، وكلّ كلب حيوان، إذن كلّ كلب قطّ | | لا يُستغرق في النتيجة حدّ غير مستغرق في مقدّمته | مغالطة الأكبر أو الأصغر غير المستغرق | كلّ رياضي منضبط، ولا تلميذ رياضي، إذن لا تلميذ منضبط |
قواعد القضايا:
| القاعدة | مثال فاسد | | :--- | :--- | | لا إنتاج من سالبتين | لا سمكة طائر، ولا قطّ سمكة، فلا يلزم عنهما شيء | | لا إنتاج من جزئيتين | بعض التلاميذ رياضيون، وبعض الرياضيين أبطال، فلا يلزم أنّ بعض التلاميذ أبطال | | النتيجة تتبع الأخسّ: سالبة إن كانت إحدى المقدّمتين سالبة، وجزئية إن كانت إحداهما جزئية | كلّ الثدييات تتنفّس بالرئتين، وبعض الحيوانات البحرية ثدييات، إذن كلّ الحيوانات البحرية تتنفّس بالرئتين | | الموجبتان لا تُنتجان سالبة | كلّ معدن موصل، وكلّ نحاس معدن، إذن لا نحاس موصل |
في مثال الأكبر غير المستغرق: «منضبط» محمول في كلّية موجبة فهو غير مستغرق في الكبرى، لكنّه صار محمولاً لكلّية سالبة في النتيجة فاستُغرق، فالنتيجة تحكم على كلّ المنضبطين بما لم تحكم به المقدّمة.
5. خطوات فحص القياس الحملي
- حدّد **النتيجة**، ومنها الحدّ الأكبر والأصغر.
- حدّد **الحدّ الأوسط** والمقدّمتين الكبرى والصغرى.
- حدّد نوع كلّ قضية: **A أو E أو I أو O**.
- حدّد **الشكل** من موضع الأوسط.
- افحص **استغراق الأوسط** ثمّ استغراق الأكبر والأصغر.
- افحص **قواعد الكيف والكمّ** وشرط الشكل.
مثال محلول: كلّ المجتهدين ناجحون، وأحمد ناجح، إذن أحمد مجتهد. الأكبر «مجتهد»، والأصغر «أحمد»، والأوسط «ناجح». والأوسط محمول في المقدّمتين فالقياس من الشكل الثاني، وهو محمول في موجبتين فهو غير مستغرق في أيّ منهما، فالقياس فاسد، وقد خرق أيضاً شرط الشكل الثاني الذي يشترط اختلاف المقدّمتين في الكيف. وهذا هو خطأ التلميذ في وضعية الانطلاق.
6. القياس الشرطي
القياس الشرطي المتّصل
كبراه شرطية متّصلة، وصغراه تضع أحد طرفيها أي تثبته، أو ترفعه أي تنفيه. الكبرى: إذا أمطرت السماء ابتلّت الأرض.
| الضرب | الصغرى | النتيجة | حكمه | | :--- | :--- | :--- | :--- | | وضع المقدَّم | أمطرت السماء | إذن ابتلّت الأرض | منتج | | رفع التالي | لم تبتلّ الأرض | إذن لم تمطر السماء | منتج | | رفع المقدَّم | لم تمطر السماء | لا يلزم شيء، فقد تبتلّ الأرض بالسقي | عقيم | | وضع التالي | ابتلّت الأرض | لا يلزم شيء، فقد يكون البلل من السقي | عقيم |
القاعدة: وضع المقدَّم ينتج وضع التالي، ورفع التالي ينتج رفع المقدَّم، والعكس لا ينتج.
القياس الشرطي المنفصل
كبراه شرطية منفصلة تقوم على التنافي بين طرفين:
| نوع المنفصلة | معناها | ما ينتج | مثال | | :--- | :--- | :--- | :--- | | الحقيقية | لا يجتمع الطرفان ولا يرتفعان معاً | وضع أحدهما ينتج رفع الآخر، ورفع أحدهما ينتج وضع الآخر | العدد الصحيح إمّا زوجي وإمّا فردي | | مانعة الجمع | لا يجتمعان وقد يرتفعان معاً | وضع أحدهما ينتج رفع الآخر فقط | هذا الجسم إمّا شجرة وإمّا حجر | | مانعة الخلوّ | لا يرتفعان وقد يجتمعان | رفع أحدهما ينتج وضع الآخر فقط | إمّا أن يكون المرء في الماء وإمّا ألّا يغرق |
مثال: العدد 9 ليس زوجياً، إذن هو فردي، وهذا رفع ينتج وضعاً في المنفصلة الحقيقية. أمّا قولنا «هذا الجسم ليس شجرة، إذن هو حجر» فعقيم، لأنّه قد يكون حيواناً.
تطبيقات محلولة ونموذج مقالة للبكالوريا
تطبيقات محلولة ونموذج مقالة للبكالوريا
1. تطبيق شامل محلول
القضية: كلّ المعادن تتمدّد بالحرارة.
| المطلوب | الجواب | التعليل | | :--- | :--- | :--- | | كمّها وكيفها | كلّية موجبة، ورمزها A | السور «كلّ» والحكم مُثبت | | الاستغراق | الموضوع «المعادن» مستغرق، والمحمول غير مستغرق | الكلّية تستغرق موضوعها، والموجبة لا تستغرق محمولها | | نقيضها | بعض المعادن لا تتمدّد بالحرارة، ورمزها O | تختلف معها في الكمّ والكيف | | ضدّها | لا معدن يتمدّد بالحرارة، ورمزها E | كلّية مثلها وتختلف معها في الكيف | | الداخلة تحتها | بعض المعادن تتمدّد بالحرارة، ورمزها I | تتّفق معها في الكيف وتختلف في الكمّ | | عكسها المستوي | بعض ما يتمدّد بالحرارة معادن | المحمول غير مستغرق، والسوائل والغازات تتمدّد أيضاً | | قياس منها | كلّ المعادن تتمدّد بالحرارة، والحديد معدن، إذن الحديد يتمدّد بالحرارة | الشكل الأوّل، والكبرى كلّية والصغرى موجبة |
2. تطبيق: افحص صحّة الاستدلالات
| الاستدلال | الحكم | السبب | | :--- | :--- | :--- | | كلّ الأعداد الزوجية تقبل القسمة على 2، والعدد 8 زوجي، إذن 8 يقبل القسمة على 2 | منتج | الشكل الأوّل، والكبرى كلّية والصغرى موجبة شخصية | | كلّ الطيور تبيض، والسلحفاة تبيض، إذن السلحفاة طائر | فاسد | الأوسط «تبيض» محمول في موجبتين فهو غير مستغرق | | لا جبان شجاع، وبعض الجنود شجعان، إذن بعض الجنود ليسوا جبناء | منتج | الشكل الثاني، والمقدّمتان مختلفتان في الكيف والكبرى كلّية | | بعض النباتات سامّة، وبعض السامّ دواء، إذن بعض النباتات دواء | فاسد | لا إنتاج من جزئيتين، والأوسط غير مستغرق | | إذا كان المعدن ذهباً فهو لا يصدأ، وهذا المعدن لا يصدأ، إذن هو ذهب | فاسد | وضع التالي لا ينتج، فمعادن أخرى لا تصدأ | | إذا كان المعدن ذهباً فهو لا يصدأ، وهذا المعدن يصدأ، إذن ليس ذهباً | منتج | رفع التالي ينتج رفع المقدَّم |
لاحظ: في الاستدلال الثاني قد يغترّ التلميذ بأنّ المقدّمتين صادقتان، لكنّ صدق المقدّمتين لا يكفي إذا كانت الصورة فاسدة، وهذا بالضبط ما يحرسه المنطق الصوري.
3. نموذج مقالة مختصرة
نصّ السؤال: هل يكفي التزام الفكر بقواعد المنطق ليكون في مأمن من الخطأ؟
طرح المشكلة
يسعى الإنسان إلى تفكير سليم يقيه الوقوع في الخطأ، وقد وضع أرسطو المنطق الصوري آلة تضبط انتقال الفكر من المقدّمات إلى النتائج بقواعد دقيقة في الحدود والقضايا والأقيسة. غير أنّ الفلاسفة اختلفوا في قيمة هذه القواعد: فمنهم من رأى أنّ مراعاتها تعصم الذهن من الخطأ، ومنهم من رأى أنّها لا تضمن إلّا اتّساق الفكر مع نفسه دون صدقه. فهل يكفي أن يلتزم الفكر بقواعد المنطق ليكون في مأمن من الخطأ، أم أنّ سلامة الصورة لا تضمن صدق المضمون؟
محاولة حلّ المشكلة
أوّلاً: الموقف الأوّل ــ الالتزام بقواعد المنطق يعصم من الخطأ
يرى أرسطو والمناطقة التقليديون أنّ المنطق آلة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر. وحجّتهم أنّ قواعد القياس تكشف المغالطات بدقّة: فمن عرف قاعدة استغراق الأوسط لم يستنتج من «كلّ الطيور تبيض، والسلحفاة تبيض» أنّ السلحفاة طائر، ومن عرف قاعدة النقيض لم يخلط بين «ليس كلّ التلاميذ مجتهدين» و«لا تلميذ مجتهد». ومبادئ العقل كعدم التناقض شرط لكلّ معرفة، فلا علم مع قولين يهدم أحدهما الآخر.
نقده: لكنّ المنطق الصوري يضمن صحّة الاستدلال لا صدق نتيجته، فالقياس «كلّ الطيور تعيش في الماء، وكلّ نسر طائر، إذن كلّ نسر يعيش في الماء» سليم الصورة كاذب النتيجة لأنّ مقدّمته كاذبة.
ثانياً: الموقف الثاني ــ قواعد المنطق لا تكفي
يرى خصوم المنطق الأرسطي أنّ الالتزام بقواعده لا يقي من الخطأ. فديكارت يرى أنّ القياس يصلح لشرح ما نعرفه للآخرين أكثر ممّا يصلح لاكتشاف ما نجهله، وفرانسيس بيكون رأى المنطق الأرسطي عقيماً في كشف أسرار الطبيعة فوضع الاستقراء في كتابه الأورغانون الجديد، وجون ستيوارت مل رأى في القياس مصادرة على المطلوب، لأنّ الكبرى «كلّ إنسان فانٍ» لا نعرف صدقها إلّا إذا عرفنا أنّ سقراط نفسه فانٍ. ثمّ إنّ مصادر الخطأ كثيرة خارج الصورة: خداع الحواسّ، والأهواء، والتسرّع، والاشتراك اللفظي.
نقده: لكنّ هؤلاء أنفسهم لا يستغنون عن مبدأ عدم التناقض وعن سلامة اللزوم، فالمنهج التجريبي نفسه يستعمل القياس الشرطي في اختبار الفرضيات، ونقد المنطق لا يكون إلّا بالمنطق.
ثالثاً: التركيب
الالتزام بقواعد المنطق شرط ضروري لكنّه غير كافٍ: فهو يضمن انطباق الفكر مع نفسه ويحرسه من المغالطات الصورية، أمّا انطباقه مع الواقع فيحتاج إلى صدق المقدّمات، وهذا لا يتحقّق إلّا بالملاحظة والتجربة والمنهج العلمي.
حلّ المشكلة
ختاماً، يمكن القول إنّ قواعد المنطق الصوري تحمي الفكر من الخطأ في الاستدلال لكنّها لا تحميه من الخطأ في المضمون، فالفكر يكون في مأمن من الخطأ حين يجمع بين سلامة الصورة وصدق المادّة، أي بين المنطق الصوري والمنهج التجريبي.
ماذا تحفظ؟
- **الصحّة غير الصدق**: الصحّة للصورة والصدق للمادّة.
- **قاعدة الاستغراق**: الكلّية تستغرق موضوعها، والسالبة تستغرق محمولها.
- **قواعد العكس**: E و I تنعكسان كما هما، و A تنعكس جزئية، و O لا تنعكس.
- **أهمّ قواعد القياس**: استغراق الأوسط، ولا إنتاج من سالبتين ولا من جزئيتين، والنتيجة تتبع الأخسّ.
- **القياس الشرطي المتّصل**: وضع المقدَّم ورفع التالي منتجان، ورفع المقدَّم ووضع التالي عقيمان.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.