المنهج التجريبي والظاهرة البيولوجية

مقالة جدلية في إمكان إخضاع المادة الحيّة للمنهج التجريبي على غرار المادة الجامدة، بعوائقها وتجاوزاتها وأقوالها وأمثلتها.

يتكوّن الدرس من 7 أجزاء: تأطير المشكلة وعوائق المادة الحيّة، الموقف الأوّل: يتعذّر تطبيق المنهج التجريبي، الموقف الثاني: يمكن إخضاع المادة الحيّة للتجريب، التركيب والرأي الشخصي، تجاوز العوائق الإبستمولوجية في البيولوجيا، مخاطر التجريب في البيولوجيا: هل للتجريب على الحيّ حدود؟، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.

تأطير المشكلة وعوائق المادة الحيّة

تأطير المشكلة وعوائق المادة الحيّة

1. عائلة الأسئلة

  • هل يمكن دراسة الظاهرة البيولوجية دراسة علمية تجريبية على غرار المادة الجامدة؟
  • هل يمكن إخضاع المادة الحيّة للمنهج التجريبي؟
  • هل يمكن أن تكون الظاهرة البيولوجية موضوعاً للمعرفة العلمية؟
  • هل يمكن تفسير الظواهر الحيّة تفسيراً غائياً؟
  • «إنّ الظاهرة البيولوجية تقبل الدراسة العلمية» دافع عن هذه الأطروحة.

2. المفاهيم الأساسية

| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | المادة الجامدة | المادة التي لا حياة فيها، موضوع الفيزياء والكيمياء. | | المادة الحيّة | المادة التي تتغذّى وتنمو وتتكاثر، موضوع البيولوجيا. | | المنهج التجريبي | منهج قوامه الملاحظة ثمّ الفرضية ثمّ التجربة ثمّ استخلاص القانون. | | الوحدة العضوية | كون الجزء في الكائن الحيّ تابعاً للكلّ لا يؤدّي وظيفته إلّا فيه. | | الحتمية | مبدأ يقضي بأنّ الأسباب نفسها تؤدّي إلى النتائج نفسها. | | الغائية | تفسير الظاهرة بالغاية التي تخدمها لا بالسبب الذي أحدثها. |

3. جذر المشكلة

نجح المنهج التجريبي في المادة الجامدة نجاحاً باهراً، فأراد العلماء نقله إلى المادة الحيّة. لكنّ المادة الحيّة ليست كالجامدة: فهي تتغذّى وتنمو وتتكاثر، وأجزاؤها مترابطة، وكلّ فرد فيها ينفرد بخصائص.

فانقسم الباحثون: فريق يرى أنّ العوائق جوهرية تمنع التجريب، وفريق يرى أنّ المادة الحيّة كالجامدة في مكوّناتها فيمكن دراستها بالطريقة نفسها.

4. خصائص المادة الحيّة التي تصنع العائق

| الخاصّية | معناها | أثرها على البحث | | :--- | :--- | :--- | | التغذية | استمداد الجسم ما يحتاجه لتوازنه | يتغيّر الكائن بتغيّر غذائه فيصعب ضبط الشروط | | النمو | مرور الكائن بمراحل متتابعة | كلّ مرحلة نتيجة لسابقتها وسبب للاحقتها، فلا تُعاد الحال | | التكاثر | حفظ النوع بالتناسل | يُدخل التنوّع الوراثي فيتعذّر التماثل | | تخصّص الأعضاء | لكلّ عضو وظيفة لا يقوم بها غيره | اختلال العضو يعطّل الوظيفة ولا يعوّضه سواه | | الوحدة العضوية | الجزء تابع للكلّ | فصل العضو للدراسة يقتله فيُدرَس ميتاً لا حيّاً | | الفردية | تفرّد كلّ كائن بخصائصه | يتعذّر التصنيف والتعميم |

5. صيغة جاهزة للمقدّمة

> تختلف المادة الحيّة عن المادة الجامدة من حيث طبيعتها المعقّدة، الأمر الذي جعل بعض الباحثين يرون أنّ تطبيق خطوات المنهج التجريبي عليها بالكيفية نفسها المطبَّقة في الجامدة أمر متعذّر، في حين يعتقد آخرون أنّ المادة الحيّة كالجامدة من حيث مكوّناتها، ممّا يسمح بإخضاعها للدراسة التجريبية. ومن هنا نتساءل: هل يمكن فعلاً تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحيّة على غرار المادة الجامدة؟ أو بعبارة أخرى: هل يمكن أن تكون الظاهرة البيولوجية موضوعاً للدراسة العلمية؟ — قالب المقدّمة

6. خريطة المواقف

| | الموقف الأوّل | الموقف الثاني | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحيّة | يمكن إخضاعها له | | المسلّمة | المادة الحيّة تختلف جوهرياً عن الجامدة | المادة الحيّة كالجامدة في مكوّناتها | | مصدر الصعوبة عنده | طبيعة الموضوع وخطوات المنهج معاً | لا صعوبة جوهرية بل عوائق تقنية زائلة | | من يمثّله | أنصار النزعة الحيوية والغائية | كلود برنار وأنصار النزعة الآلية |

الموقف الأوّل: يتعذّر تطبيق المنهج التجريبي

الموقف الأوّل: يتعذّر تطبيق المنهج التجريبي

1. ضبط الموقف

يرى بعض الفلاسفة والعلماء أنّه لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على الظواهر الحيّة بالكيفية نفسها التي يُطبَّق بها على المادة الجامدة، إذ تعترض ذلك صعوبات: بعضها يتعلّق بطبيعة الموضوع وهو المادة الحيّة، وبعضها يتعلّق بخطوات المنهج نفسها.

2. الصعوبات المتعلّقة بطبيعة الموضوع

الأولى: التعقيد الشديد. فالكائن الحيّ يتغذّى وينمو ويتكاثر، وكلّ وظيفة منها تتداخل مع غيرها.

الثانية: تخصّص الأعضاء. فلكلّ عضو وظيفة يؤدّيها وحده، وإذا اختلّ العضو تعطّلت الوظيفة ولم يقم بها غيره.

الثالثة: الوحدة العضوية. فالجزء تابع للكلّ ولا يؤدّي وظيفته إلّا في إطاره.

> «إنّ سائر أجزاء الجسم الحيّ مرتبطة فيما بينها، فهي لا تتحرّك إلّا بمقدار ما تتحرّك كلّها معاً، والرغبة في فصل جزء منها معناها نقلها من نظام الأحياء إلى نظام الأموات» — جورج كوفييه

الرابعة: الفردية. فكلّ كائن حيّ ينفرد بخصائص لا توجد في غيره، حتى في النوع الواحد.

3. الصعوبات المتعلّقة بخطوات المنهج

عائق الملاحظة. من شروط الملاحظة العلمية الدقّة والشمول ومتابعة الظاهرة في كلّ ظروفها. وهذا متعذّر في المادة الحيّة: فلا يمكن ملاحظة العضوية ككلّ لتشابك أجزائها وتداخلها، ولا يمكن ملاحظة العضو معزولاً لأنّ عزله يقتله. فالملاحظة إمّا ناقصة وإمّا قاتلة.

عائق التجريب. وهو يطرح مشكلتين:

  • **الفرق بين الوسط الطبيعي والوسط الاصطناعي**: فالكائن في المخبر ليس كما هو في بيئته، ونقله إلى شروط اصطناعية يُحدث اضطراباً في عضويته ويفقدها توازنها.
  • **تعذّر تكرار التجربة**: ففي المادة الجامدة يستطيع الباحث أن يعيد الظاهرة متى شاء، أمّا في الحيّة **فالتكرار لا يؤدّي إلى النتيجة نفسها**. فحقن فأر بمقدار من المصل قد لا يؤثّر فيه أوّل مرّة، ويصيبه بصدمة في الثانية، ويميته في الثالثة. **فالأسباب نفسها لا تؤدّي إلى النتائج نفسها**، وهذا يمسّ مبدأ الحتمية الذي يقوم عليه التجريب.

عائق التصنيف والتعميم. فالظواهر الجامدة سهلة التصنيف، أمّا الكائنات الحيّة فتصنيفها يقضي على فرديتها ويشوّه طبيعتها، ومن ثمّ يتعذّر تعميم النتائج على أفراد الجنس الواحد.

عائق أخلاقي. فالتجريب على الكائن الحيّ يمسّ الحياة نفسها، وهو في الإنسان محظور إلّا بشروط صارمة.

4. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ فشل الدواء الفعّال: دواء يشفي مريضاً ولا ينفع آخر يحمل المرض نفسه، والفرق في الفردية البيولوجية لا في الدواء.

المثال الثاني ــ الحيوان في القفص: أسد في حديقة حيوان لا يسلك سلوك أسد في البرّية، فالوسط الاصطناعي غيّر الظاهرة قبل أن تُدرَس.

المثال الثالث ــ رفض العضو المزروع: عضو سليم يُزرع في جسم متلقٍّ فيرفضه جهاز مناعته. فالجزء ليس قطعة غيار، بل عضو في وحدة لا يقبل غريباً عنها.

المثال الرابع ــ الحساسية من الأدوية: مريضان يأخذان الجرعة نفسها، فينتفع أحدهما ويُصاب الآخر بصدمة. وهذا مثال يومي على أنّ الأسباب نفسها لا تعطي النتائج نفسها.

5. نقد الموقف الأوّل

النقد الأوّل ــ في المضمون: هذه العوائق مجرّد عوائق تاريخية لازمت البيولوجيا في بداياتها ومحاولتها الظهور كعلم بعد انفصالها عن الفلسفة. وقد كانت نتيجة عدم اكتمال علوم أخرى لها صلة بها، خاصّة الكيمياء، وسرعان ما تجاوزها العلم.

النقد الثاني: الاستدلال بصعوبة الملاحظة صار متجاوزاً بتقدّم الوسائل: فالمنظار والتصوير بالأشعّة والصدى والرنين المغناطيسي مكّنت من ملاحظة العضوية وهي تؤدّي وظيفتها بلا فصل ولا قتل، وكشف المجهر الإلكتروني البنية الدقيقة للخلية.

النقد الثالث ــ في الشكل: القول بأنّ المادة الحيّة تختلف جوهرياً عن الجامدة مصادرة على المطلوب: فهو يفترض ما يريد إثباته. وقد ثبت بالتحليل أنّ الحيّ مركّب من العناصر نفسها التي تتركّب منها الجامدة.

6. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> يرى بعض الفلاسفة والعلماء أنّه لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على الظواهر الحيّة بالكيفية نفسها التي يُطبَّق بها على الجامدة، إذ تعترض ذلك صعوبات تتعلّق بطبيعة الموضوع وبخطوات المنهج. فالمادة الحيّة شديدة التعقيد، تتغذّى وتنمو وتتكاثر، ولكلّ عضو فيها وظيفة لا يقوم بها غيره، وتتميّز بالوحدة العضوية التي تجعل الجزء تابعاً للكلّ، ولهذا يقول كوفييه: «إنّ سائر أجزاء الجسم الحيّ مرتبطة فيما بينها، والرغبة في فصل جزء منها معناها نقلها من نظام الأحياء إلى نظام الأموات». أمّا على مستوى المنهج فالملاحظة متعذّرة، إذ لا تُلاحَظ العضوية ككلّ لتشابك أجزائها، ولا يُلاحَظ العضو معزولاً لأنّ عزله يقتله. والتجريب يصطدم بفرق الوسطين الطبيعي والاصطناعي، وبتعذّر تكرار التجربة، فحقن فأر بمقدار من المصل قد لا يؤثّر فيه أوّلاً ويصيبه بصدمة ثانياً ويميته ثالثاً، ممّا يعني أنّ الأسباب نفسها لا تؤدّي إلى النتائج نفسها. ونقده: لكنّ هذه مجرّد عوائق تاريخية لازمت البيولوجيا في بداياتها، وكانت نتيجة عدم اكتمال علوم أخرى كالكيمياء، وقد تجاوزها العلم بتقدّم وسائل الملاحظة كالمجهر والمنظار والتصوير الطبّي. — قالب الموقف الأوّل ونقده

الموقف الثاني: يمكن إخضاع المادة الحيّة للتجريب

الموقف الثاني: يمكن إخضاع المادة الحيّة للتجريب

1. ضبط الموقف

يعتقد أنصار هذا الاتجاه أنّه يمكن إخضاع المادة الحيّة للمنهج التجريبي، لأنّ المادة الحيّة كالجامدة من حيث المكوّنات، وعليه يمكن تفسيرها بالقوانين الفيزيائية والكيميائية ودراستها بالكيفية نفسها.

ويعود الفضل في إدخال المنهج التجريبي إلى البيولوجيا إلى الفيزيولوجي كلود برنار، الذي تجاوز العوائق المنهجية التي صادفت المادة الحيّة.

2. الحجج والبراهين

الحجّة الأولى ــ وحدة المكوّنات. ما دامت المادة الحيّة تتكوّن من العناصر نفسها التي تتكوّن منها الجامدة، من أكسجين وهيدروجين وكربون وآزوت وكالسيوم وفسفور، فإنّه يمكن دراستها كما تُدرس الجامدة. فلا فرق في المادة، وإنّما الفرق في التنظيم.

الحجّة الثانية ــ تجاوز عائق الملاحظة. صار من الممكن القيام بملاحظة دقيقة للعضوية دون الحاجة إلى فصل الأعضاء، أي ملاحظتها وهي تؤدّي وظيفتها، وذلك بفضل ابتكار وسائل الملاحظة كالمنظار والتصوير بالأشعّة والصدى والرنين المغناطيسي.

الحجّة الثالثة ــ تجاوز عائق التجريب. صار ممكناً إجراء التجربة بلا إبطال وظيفة العضو ولا فصله، وحتى إذا فُصل العضو الحيّ أمكن إبقاؤه حيّاً مدّة بعد وضعه في محاليل كيميائية خاصّة.

الحجّة الرابعة ــ نتائج البيولوجيا نفسها دليل. فالعلم الذي يُقال إنّه متعذّر قد أنتج اللقاحات والمضادّات الحيوية وفكّ الشفرة الوراثية وزرع الأعضاء. ولو كان التجريب مستحيلاً ما كانت هذه النتائج.

الحجّة الخامسة ــ الحتمية قائمة ولكن أعقد. فتخلّف النتيجة لا يعني غياب السبب، بل يعني تعدّد الأسباب وتشابكها. والعلم لا يطلب حتمية بسيطة بل حتمية قابلة للضبط الإحصائي.

3. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ اللقاحات: تُجرَّب على حيوانات ثمّ على مجموعات بشرية في تجارب سريرية مضبوطة، وتُثبت فعاليتها بنسب تُقاس. وهذا تجريب تامّ على المادة الحيّة.

المثال الثاني ــ زرع الأعضاء: أصبح عملاً يومياً في المستشفيات، وهو قائم على معرفة تجريبية دقيقة بالمناعة والتوافق النسيجي.

المثال الثالث ــ فكّ الشفرة الوراثية: مشروع الجينوم البشري قرأ التسلسل الوراثي للإنسان، وهذا تعامل مع الحيّ بمنهج فيزيائي كيميائي محض.

المثال الرابع ــ زراعة الأنسجة: تُستنبت خلايا حيّة في أوساط مغذّية في المخابر وتبقى حيّة أشهراً، فبطل القول إنّ العزل يعني الموت حتماً.

المثال الخامس ــ من الواقع الجزائري: مخابر التحاليل الطبّية في كلّ بلدية تُجري على الدم تحاليل كيميائية دقيقة، وتستخرج منها نتائج تُبنى عليها قرارات علاجية. فالمادة الحيّة تُقاس فعلاً.

4. نقد الموقف الثاني

النقد الأوّل ــ في المضمون: لو كانت المادة الحيّة كالجامدة تماماً لأمكن دراستها على غرارها بلا تحفّظ، غير أنّ ذلك تصادفه عوائق تكشف عن طبيعتها المعقّدة. فالاختزال إلى الفيزياء والكيمياء يفسّر المادة ولا يفسّر الحياة.

النقد الثاني: إذا كانت الظواهر الجامدة تُفسَّر تفسيراً حتمياً آلياً، فإنّ للغائية اعتباراً في فهم المادة الحيّة: فالعين لا تُفهم إلّا بوظيفة الإبصار. غير أنّ الغائية تحمل اعتبارات ميتافيزيقية قد لا تكون للمعرفة العلمية صلة بها، وهذا ما يجعل موقف البيولوجيا خاصّاً.

النقد الثالث ــ في الشكل: الاستدلال بنجاح النتائج لا يُثبت تماثل المنهجين، بل يثبت أنّ البيولوجيا وجدت لنفسها طريقة خاصّة استعارت فيها المنهج وعدّلته. فالنجاح دليل على التكيّف لا على التطابق.

5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> وخلافاً لما سبق، يعتقد أنصار الاتجاه الثاني أنّه يمكن إخضاع المادة الحيّة للمنهج التجريبي، فهي كالجامدة من حيث المكوّنات، وعليه يمكن تفسيرها بالقوانين الفيزيائية والكيميائية. ويعود الفضل في إدخال المنهج التجريبي إلى البيولوجيا إلى الفيزيولوجي كلود برنار. وممّا يثبت ذلك أنّ المادة الحيّة تتكوّن من العناصر نفسها التي تتكوّن منها الجامدة كالأكسجين والكربون والآزوت، وأنّه صار ممكناً على مستوى المنهج القيام بملاحظة دقيقة للعضوية بلا فصل الأعضاء بفضل المنظار والتصوير بالأشعّة والصدى، وصار ممكناً إجراء التجربة بلا إبطال وظيفة العضو، بل يمكن إبقاء العضو المفصول حيّاً في محاليل خاصّة. ويكفي دليلاً على ذلك ما أنتجته البيولوجيا من لقاحات ومضادّات حيوية وزرع للأعضاء وفكّ للشفرة الوراثية. ونقده: لكن لو كانت المادة الحيّة كالجامدة لأمكن دراستها على غرارها بلا تحفّظ، غير أنّ العوائق تكشف عن طبيعتها المعقّدة، ثمّ إنّ للغائية اعتباراً في تفسير الحيّ، فالعين لا تُفهم إلّا بوظيفة الإبصار، وهذا ما لا نجده في الجامد. — قالب الموقف الثاني ونقده

التركيب والرأي الشخصي

التركيب والرأي الشخصي

1. التركيب: منهج مستعار بخصوصية محفوظة

يمكن القول إنّ المادة الحيّة تقبل الدراسة العلمية، لكن مع مراعاة طبيعتها وخصوصياتها التي تختلف عن طبيعة الجامدة. فالبيولوجيا تستعير المنهج التجريبي من العلوم المادية مع الاحتفاظ بطبيعتها الخاصّة.

> «لا بدّ لعلم البيولوجيا أن يأخذ من الفيزياء والكيمياء المنهج التجريبي، مع الاحتفاظ بحوادثه الخاصّة وقوانينه الخاصّة» — كلود برنار

وهذا القول هو مفتاح التركيب كلّه، فاحفظه.

2. وجه ثانٍ للتركيب: العوائق تاريخية لا جوهرية

وثمّة وجه ثانٍ: أنّ ما عُدّ استحالة كان في الحقيقة حدّاً تقنياً في زمنه. فعائق الملاحظة زال بالمجهر، وعائق العزل خفّ بزراعة الأنسجة، وعائق التعميم عولج بالإحصاء وعلم الأوبئة. فالمشكلة لم تكن في طبيعة الحياة بل في أدوات العصر.

ويشهد لذلك أنّ البيولوجيا علم حديث العهد بالدراسات التجريبية مقارنةً بالفيزياء، ومن الإنصاف أن يُحكم عليها بما بلغته لا بما عجزت عنه في بداياتها.

3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً

الصيغة الأولى ــ التكيّف لا الاستحالة

> والذي أراه أنّ السؤال لا يُجاب عنه بنعم أو لا، بل بالتمييز بين إمكان الدراسة وتطابق المنهج. فالمادة الحيّة تُدرس علمياً قطعاً، ولكن بمنهج معدّل لا منقول حرفياً. وأساس هذا الترجيح أنّ العلوم كلّها تفعل ذلك: فعلم الفلك لا يجرّب على النجوم ومع ذلك هو علم، لأنّه كيّف المنهج مع موضوعه. — قالب الرأي الأوّل

الصيغة الثانية ــ تغليب الإمكان

> وأرجّح موقف القائلين بإمكان الدراسة العلمية للظاهرة البيولوجية، وأساس ذلك أنّ الحكم في هذه المسألة ليس نظرياً بل عملياً: فالجدل حول إمكان التجريب على الحيّ حسمته نتائجه لا حججه. فاللقاح الذي أنقذ ملايين الأرواح، وزرع الأعضاء الذي صار عملاً يومياً، ليسا نتيجة تأمّل بل نتيجة تجريب. — قالب الرأي الثاني

الصيغة الثالثة ــ التوسّط مع حفظ الغائية

> وأميل إلى أنّ البيولوجيا تحتاج إلى تفسيرين لا تفسير واحد: تفسير آلي يبيّن كيف تعمل الأعضاء، وتفسير غائي يبيّن لماذا وُجدت على هذا النحو. فالقلب يُفهم بالفيزياء ضخّاً، ولا يُفهم إلّا بالوظيفة عضواً. ومن اقتصر على الأوّل وصف آلة ولم يصف كائناً حيّاً. — قالب الرأي الثالث

4. صيغ جاهزة للخاتمة

الصيغة الأولى

> وفي الختام يتّضح أنّ المشكل المطروح في ميدان البيولوجيا، وخاصّة على مستوى المنهج، يعود أساساً إلى طبيعة الموضوع المدروس وهو الظاهرة الحيّة، وإلى كون البيولوجيا علماً حديث العهد بالدراسات العلمية. وهي قادرة على تجاوز تلك العقبات تدريجياً، كما تجاوزت كثيراً منها بالفعل. — قالب الخاتمة الأولى

الصيغة الثانية

> وصفوة القول إنّ الظاهرة البيولوجية تقبل الدراسة العلمية، لا بنقل منهج المادة الجامدة إليها نقلاً حرفياً، بل باستعارته وتكييفه مع خصوصيات الحياة. فالمنهج واحد في روحه متعدّد في تطبيقاته، وهذا ما جعل البيولوجيا علماً قائماً بذاته لا فرعاً من الفيزياء. — قالب الخاتمة الثانية

5. سؤال فرعي يتكرّر

قد يأتي السؤال: «هل يمكن تفسير الظواهر الحيّة تفسيراً غائياً؟ وهل هو تفسير مشروع من وجهة نظر الروح العلمية؟»

والجواب في ثلاث نقاط: أنّ التفسير الغائي نافع في الوصف الوظيفي، وأنّه غير كافٍ علمياً لأنّه لا يُختبر، وأنّ الروح العلمية تقبله أداةً للفهم وترفضه تفسيراً نهائياً. فتستعمل مادّة هذا الدرس نفسها وتوجّهها إلى هذا السؤال.

تجاوز العوائق الإبستمولوجية في البيولوجيا

تجاوز العوائق الإبستمولوجية في البيولوجيا

1. موقع هذا الجزء من الدرس

عرض الموقف الأوّل عوائق المادة الحيّة، وقال نقده إنّها عوائق تاريخية لا جوهرية. وهذا الجزء يبرهن على ذلك بالتفصيل: ما العائق الإبستمولوجي؟ وما العوائق التي عرفتها البيولوجيا؟ وكيف تجاوزت كلّ واحد منها؟ وهو يغطّي مورد البرنامج «تجاوز العوائق الإبستمولوجية في البيولوجيا»، ويمدّ نقد الموقف الأوّل والتركيب والاستقصاء بالوضع بمادّة دقيقة.

2. مفهوم العائق الإبستمولوجي

صاغ غاستون باشلار هذا المفهوم في كتابه «تكوين العقل العلمي» سنة 1938، وجعله مفتاح فهم تاريخ العلوم:

> «إنّما ينبغي أن تُطرح مشكلة المعرفة العلمية بلغة العوائق» — غاستون باشلار

والعائق الإبستمولوجي ليس نقصاً في الأجهزة، بل فكرة أو عادة ذهنية تقف في طريق المعرفة من داخل العقل نفسه: تصوّر مسبق، أو تفسير سهل، أو تشبيه مألوف. ولهذا يرى باشلار أنّ العلم لا يتقدّم بتراكم المعارف فحسب، بل بهدم معارف سابقة خاطئة:

> «نحن نعرف ضدّ معرفة سابقة» — غاستون باشلار

فيجب التمييز بين نوعين من العوائق:

| النوع | تعريفه | مثاله في البيولوجيا | | :--- | :--- | :--- | | العائق الإبستمولوجي | تصوّر ذهني يحول دون فهم الظاهرة | الاعتقاد بقوّة حيوية لا تخضع للفيزياء والكيمياء | | العائق التقني أو المنهجي | نقص في الوسائل أو صعوبة في تطبيق خطوات المنهج | تعذّر ملاحظة العضو وهو يعمل داخل الجسم |

3. العوائق التي عرفتها البيولوجيا وكيف تجاوزتها

| العائق | مضمونه | كيف تجاوزه العلم | | :--- | :--- | :--- | | النزعة الحيوية | للحياة قوّة خاصّة لا تفسّرها قوانين المادة | ركّب الكيميائي فوهلر سنة 1828 مادّة البولة العضوية من مواد غير عضوية، فانفتح باب الكيمياء الحيوية | | التولّد الذاتي | الكائنات الدقيقة تنشأ من المادة الفاسدة تلقائياً | أثبت باستور في ستّينيات القرن التاسع عشر بالقارورة ذات العنق المنحني أنّ الجراثيم تأتي من الهواء | | التفسير الغائي | العضو وُجد من أجل غاية تفسّر وجوده | فسّر داروين في كتاب «أصل الأنواع» سنة 1859 التلاؤم بين الكائن ووسطه بالانتقاء الطبيعي، أي بأسباب قابلة للبحث | | الوحدة العضوية | فصل العضو يقتله، فلا يُدرس حيّاً | جرّب كلود برنار على الحيوان الحيّ دون أن يفصل العضو، ثمّ جاءت زراعة الخلايا والتصوير الطبّي الذي يُظهر العضو وهو يعمل | | الفردية | كلّ كائن فريد فلا يُعمَّم | عدّ مندل آلاف نباتات البازلاء وعرض سنة 1865 نتائجه في نسب ثابتة، ثمّ صار الإحصاء والمجموعات الشاهدة أداة التعميم | | تعذّر التكرار | التجربة لا تعطي النتيجة نفسها مرّتين | توحيد شروط المخبر وسلالات الحيوانات المتماثلة وراثياً، وإعادة التجربة في مخابر أخرى |

لاحظ أنّ الثلاثة الأولى عوائق إبستمولوجية بالمعنى الدقيق، لأنّها أفكار، وأنّ الثلاثة الأخيرة عوائق منهجية، لأنّها صعوبات في تطبيق الخطوات. وكلاهما تجاوزه العلم، لكن بطريقين مختلفين: الأوّل بهدم فكرة، والثاني بابتكار أداة.

4. كلود برنار وتأسيس الطبّ التجريبي

نشر كلود برنار كتابه «مدخل إلى دراسة الطبّ التجريبي» سنة 1865، وفيه ردّ على من يرى أنّ الحياة تأبى التجريب. ومن أهمّ ما جاء به:

  • **مفهوم الوسط الداخلي**: الكائن الحيّ يحتفظ في داخله بوسط ثابت نسبياً، كالدم وسوائل الجسم، تعيش فيه خلاياه. **فالتجربة تُجرى على شروط هذا الوسط** لا على الكائن ككتلة غامضة.
  • **التجربة المقارنة**: يقارن بين حيوان أُجريت عليه التجربة وحيوان مماثل لم تُجرَ عليه، فيعزل أثر العامل المدروس. **وهذا أصل المجموعة الشاهدة** في البحث الطبّي اليوم.
  • **التجربة المضادّة**: لا يكتفي بأن يرى النتيجة تظهر بحضور العامل، بل يتحقّق من أنّها تغيب بغيابه.
  • **الكشف عن الوظيفة السكّرية للكبد**: بيّن أنّ الكبد يكوّن السكّر في الجسم، فكان مثالاً على أنّ وظيفة حيوية خفية تُكشف بالتجريب المنظّم.

5. ما بقي من العوائق

ليس صحيحاً أنّ كلّ العوائق زالت. فالتعقيد ما زال قائماً: الدواء الذي ينجح في الفأر قد لا ينجح في الإنسان، والفردية ما زالت قائمة: ولهذا يتّجه الطبّ اليوم إلى علاج يراعي خصوصية كلّ مريض. ويبقى العائق الأخلاقي الذي لا يزول بتقدّم الأجهزة، وهو موضوع الجزء الموالي. فالصواب أن يُقال: العوائق تجاوزها العلم بقدر ما سمحت به الأدوات والأفكار في كلّ عصر، وهذا معنى قول باشلار إنّ العلم يتقدّم بتصحيح أخطائه.

6. توظيف هذا الجزء

| موضعه في المقالة | ما تأخذه منه | | :--- | :--- | | نقد الموقف الأوّل | العوائق تاريخية: جدول التجاوز بأمثلة فوهلر وباستور ومندل | | التركيب | التمييز بين العائق الإبستمولوجي والعائق التقني | | الاستقصاء بالوضع «الظاهرة البيولوجية تقبل الدراسة العلمية» | جدول التجاوز كلّه حججاً شخصية، وقول باشلار استئناساً |

> لقد بدت البيولوجيا في بداياتها عاجزة عن أن تكون علماً تجريبياً، لأنّ عوائق إبستمولوجية كالنزعة الحيوية والتولّد الذاتي والتفسير الغائي، وعوائق منهجية كالوحدة العضوية والفردية، وقفت في طريقها. غير أنّ تاريخ هذا العلم يشهد بأنّه تجاوز كثيراً منها بهدم أفكار خاطئة وابتكار أدوات جديدة. فكيف تجاوزت البيولوجيا عوائقها؟ وهل يكفي ذلك لعدّها علماً تجريبياً قائماً بذاته؟ — قالب المقدّمة

7. ماذا تحفظ من هذا الجزء؟

  • **تعريف العائق الإبستمولوجي** وقولي باشلار.
  • **ثلاثة أمثلة للتجاوز**: فوهلر 1828، وباستور والقارورة، ومندل 1865.
  • **إسهامات كلود برنار**: الوسط الداخلي والتجربة المقارنة.
  • **ما بقي من العوائق**: التعقيد والفردية والعائق الأخلاقي.

مخاطر التجريب في البيولوجيا: هل للتجريب على الحيّ حدود؟

مخاطر التجريب في البيولوجيا: هل للتجريب على الحيّ حدود؟

1. تأطير المشكلة

يطرح البرنامج في التقويم سؤالاً صريحاً: «هل يمكن الحديث عن مخاطر التجريب في البيولوجيا؟». فالمادة الحيّة لا تطرح على الباحث صعوبات معرفية فحسب، بل تطرح عليه أسئلة أخلاقية: فموضوع التجربة هنا كائن يتألّم، وقد يكون إنساناً له كرامة وحقوق. ومن هنا السؤال: هل للتجريب على الحيّ مخاطر حقيقية تفرض حدوداً على العلم، أم أنّ الخطر في سوء الاستعمال لا في التجريب نفسه؟

صيغ السؤال:

  • هل يمكن الحديث عن مخاطر التجريب في البيولوجيا؟
  • هل ينبغي أن يخضع البحث البيولوجي لضوابط أخلاقية؟
  • «لا حدود للتجريب ما دام يخدم تقدّم العلم» أبطل هذه الأطروحة.

| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | أخلاقيات البيولوجيا والطبّ | التفكير في القواعد الأخلاقية التي تضبط البحث في الحياة وتطبيقاته، وتُعرف باسم البيوإتيقا | | الموافقة المستنيرة | قبول الشخص المشاركة في تجربة بعد إعلامه بأهدافها ومخاطرها، بحرّية ودون إكراه | | الهندسة الوراثية | التدخّل في المادّة الوراثية للكائن بإضافة أو حذف أو تعديل | | الاستنساخ | إنتاج كائن مطابق وراثياً لكائن آخر | | لجنة الأخلاقيات | هيئة تفحص مشاريع البحث قبل إجرائها وتوازن بين منافعها ومخاطرها |

2. الموقف الأوّل: للتجريب في البيولوجيا مخاطر حقيقية

يرى أصحاب هذا الموقف أنّ التجريب على الحيّ ليس عملاً محايداً، لأنّه يمسّ الحياة نفسها، وأنّ تاريخ العلم يشهد بأنّه قد ينقلب على الإنسان. ومسلّمتهم: أنّ ما هو ممكن تقنياً ليس بالضرورة مشروعاً أخلاقياً.

الحجّة الأولى ــ الخطر على الإنسان موضوعِ التجربة. أجرى أطبّاء في المعتقلات النازية تجارب قاتلة على أسرى دون رضاهم، فحوكموا بعد الحرب، وصدرت سنة 1947 مدوّنة نورمبرغ التي جعلت الموافقة الطوعية شرطاً مطلقاً. وفي الولايات المتّحدة تُرك مئات المرضى السود المصابين بالزهري بلا علاج في دراسة توسكيجي من سنة 1932 إلى سنة 1972، حتى بعد أن صار البنسلين علاجاً معروفاً.

الحجّة الثانية ــ الخطر على النوع البشري. صار في إمكان الهندسة الوراثية أن تعدّل المادّة الوراثية تعديلاً ينتقل إلى الأجيال اللاحقة. وقد أعلن باحث صيني سنة 2018 ولادة توأمين عُدّلت مورّثاتهما، فلقي استنكاراً علمياً واسعاً. ويخشى المعترضون أن يفتح ذلك باب تحسين النسل واصطفاء البشر.

الحجّة الثالثة ــ الخطر على الحيوان والبيئة. فالحيوان يتألّم، والكائنات المعدّلة وراثياً قد تنتشر في الطبيعة فتُخلّ بتوازنها، والمخابر التي تتعامل مع جراثيم خطيرة قد تتسرّب منها عدوى.

الحجّة الرابعة ــ الخطر على معنى الإنسان. الاستنساخ، منذ ولادة النعجة دولي سنة 1996، أثار سؤال تفرّد الشخص، والاتّجار بالأعضاء يحوّل الجسد إلى سلعة.

> «علم بلا ضمير ما هو إلّا خراب للروح» — رابليه

نقده: هذه المخاطر حقيقية، لكنّ أكثرها ناشئ عن غياب الضوابط لا عن التجريب نفسه. فالتجارب النازية جريمة لا تجربة علمية بالمعنى الصحيح، ورفض التجريب كلّه يحرم البشرية من اللقاحات والأدوية التي لم تكن لتوجد بدونه.

3. الموقف الثاني: الخطر في سوء الاستعمال لا في التجريب

يرى أصحاب هذا الموقف أنّ التجريب في ذاته أداة معرفة ونفع، وأنّ المخاطر المذكورة تعود إلى سوء استعماله. ومسلّمتهم: أنّ العلم محايد، وأنّ القيمة الأخلاقية في الاستعمال لا في المعرفة.

الحجّة الأولى ــ منافع التجريب لا تُحصى. فاللقاحات قضت على الجدري الذي أعلنت منظّمة الصحّة العالمية استئصاله سنة 1980، والمضادّات الحيوية وزرع الأعضاء أنقذت ملايين الأرواح. وكلّها ثمرة تجارب على الحيوان ثمّ على الإنسان.

الحجّة الثانية ــ ترك التجريب ضرر أكبر. فالمريض الذي ينتظر دواءً لمرض لا علاج له يتضرّر من توقّف البحث أكثر ممّا يتضرّر من تجربة مضبوطة. فالامتناع عن التجريب ليس موقفاً بلا ثمن.

الحجّة الثالثة ــ الخطر يُعالج بالضبط لا بالمنع. والدليل أنّ تجربة سريرية اليوم تمرّ بمراحل متتالية تبدأ بالمخبر ثمّ الحيوان ثمّ أعداد صغيرة من المتطوّعين، ولا تنتقل إلى مرحلة إلّا إذا ثبتت سلامة سابقتها.

نقده: القول بحياد العلم فيه تبسيط: فبعض التجارب لا يمكن الرجوع عنها بعد إجرائها، كالتعديل الوراثي الذي ينتقل إلى الأجيال، والضغوط التجارية قد تدفع إلى التسرّع. فالمعرفة البيولوجية ليست محايدة دائماً، لأنّها تصنع ما تدرسه أحياناً.

4. التركيب: أخلاقيات البيولوجيا

يمكن التوفيق بين الموقفين بالقول إنّ مخاطر التجريب حقيقية لكنّها لا تبرّر إيقافه، بل تفرض ضبطه. وهذا ما نشأ من أجله ميدان أخلاقيات البيولوجيا والطبّ، ومن أهمّ قواعده:

| القاعدة | مضمونها | مصدرها أو مثالها | | :--- | :--- | :--- | | الموافقة المستنيرة | لا تجربة على إنسان إلّا برضاه بعد إعلامه | مدوّنة نورمبرغ 1947، وإعلان هلسنكي 1964 | | الموازنة بين النفع والضرر | يُرفض كلّ بحث يفوق ضرره المحتمل نفعه المنتظر | لجان الأخلاقيات في المستشفيات والجامعات | | القواعد الثلاث في التجريب على الحيوان | الاستبدال بالبدائل، والتقليل من العدد، والتلطيف من الألم | اقترحها راسل وبورش سنة 1959 | | صون كرامة النوع البشري | حظر الاستنساخ التناسلي للإنسان | إعلان اليونسكو بشأن الجينوم البشري وحقوق الإنسان 1997 |

وقد قرّر كلود برنار نفسه، وهو مؤسّس الطبّ التجريبي، ألّا يُجرى على إنسان تجربة لا يمكن إلّا أن تضرّه، ولو كانت نتيجتها تهمّ العلم كثيراً. ودعا الفيلسوف هانس يوناس في كتابه «مبدأ المسؤولية» سنة 1979 إلى أخلاق تحسب حساب أثر أفعالنا في الأجيال القادمة، لأنّ قدرة الإنسان التقنية صارت تمسّ مستقبل الحياة نفسها. ويتّفق هذا مع مقصد حفظ النفس الذي جعلته الشريعة من مقاصدها الكبرى.

ثلاث صيغ للرأي الشخصي:

> والذي أراه أنّ الحديث عن مخاطر التجريب في البيولوجيا مشروع، لكنّه حديث عن حدود لا عن منع. وأساس هذا الترجيح أنّ التاريخ نفسه يشهد للطرفين: فالتجارب النازية ودراسة توسكيجي تُظهر الخطر، واللقاحات وزرع الأعضاء تُظهر النفع، وما يفصل بينهما هو احترام الموافقة الحرّة والموازنة بين النفع والضرر. — قالب الرأي الأوّل

> وأرجّح أنّ أخطر ما في التجريب البيولوجي اليوم ما لا يمكن الرجوع عنه، كالتعديل الوراثي الذي ينتقل إلى الأجيال. فهنا يصير الحذر واجباً قبل المعرفة لا بعدها، لأنّ الخطأ لا يصيب صاحبه وحده بل يصيب من لم يولد بعد. — قالب الرأي الثاني

> وأميل إلى أنّ العلم لا يُحاكَم بنتائجه السيّئة ولا يُبرَّأ بنتائجه الحسنة، بل يُحاكَم بالقواعد التي يلتزمها. فالتجربة التي تحترم الإنسان علم، والتي تستبيحه جريمة ولو لبست ثوب العلم. — قالب الرأي الثالث

5. خطّة مختصرة لمقالة جدلية في المسألة

طرح المشكلة: نجح المنهج التجريبي في البيولوجيا فأنتج اللقاحات وزرع الأعضاء والهندسة الوراثية، غير أنّ موضوعه كائن حيّ يتألّم، وقد يكون إنساناً له كرامة. فهل يمكن الحديث عن مخاطر التجريب في البيولوجيا؟

محاولة حلّ المشكلة: الموقف الأوّل بحججه الأربع ونقده، ثمّ الموقف الثاني بحججه الثلاث ونقده، ثمّ التركيب بقواعد أخلاقيات البيولوجيا مع رأي مؤسَّس.

حلّ المشكلة: مخاطر التجريب في البيولوجيا حقيقية، لكنّ علاجها ليس في إيقاف البحث بل في إخضاعه لضوابط تحفظ كرامة الإنسان وحقوق الأجيال القادمة.

6. ماذا تحفظ من هذا الجزء؟

  • **ثلاثة تواريخ**: مدوّنة نورمبرغ 1947، وإعلان هلسنكي 1964، والنعجة دولي 1996.
  • **مثالان للخطر**: التجارب النازية، ودراسة توسكيجي.
  • **مثالان للنفع**: استئصال الجدري، وزرع الأعضاء.
  • **قول رابليه** ومبدأ كلود برنار في عدم الإضرار بالإنسان.

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

نصّ السؤال: هل يمكن دراسة الظاهرة البيولوجية دراسة علمية تجريبية على غرار المادة الجامدة؟

طرح المشكلة

تختلف المادة الحيّة عن المادة الجامدة من حيث طبيعتها المعقّدة، الأمر الذي جعل بعض الباحثين يرون أنّ تطبيق خطوات المنهج التجريبي عليها بالكيفية نفسها المطبَّقة في المادة الجامدة أمر متعذّر، في حين يعتقد آخرون أنّ المادة الحيّة كالجامدة من حيث مكوّناتها، ممّا يسمح بإمكانية إخضاعها للدراسة التجريبية. ومن هنا نتساءل: هل يمكن فعلاً تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحيّة على غرار المادة الجامدة؟ أو بعبارة أخرى: هل يمكن أن تكون الظاهرة البيولوجية موضوعاً للمعرفة والدراسة العلمية؟

محاولة حلّ المشكلة

أوّلاً: الموقف الأوّل ــ يتعذّر تطبيق المنهج التجريبي

يرى بعض الفلاسفة والعلماء أنّه لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على الظواهر الحيّة بالكيفية نفسها التي يُطبَّق بها على المادة الجامدة، إذ تعترض ذلك جملة من الصعوبات، بعضها يتعلّق بطبيعة الموضوع المدروس وبعضها بخطوات المنهج. فعلى مستوى الموضوع، المادة الحيّة شديدة التعقيد: فالكائنات الحيّة تتكاثر بالتناسل للمحافظة على النوع، وتحافظ على توازنها بالتغذية، وتمرّ بمراحل نمو تكون كلّ مرحلة فيها نتيجة لسابقتها وسبباً للاحقتها، ولكلّ عضو فيها وظيفة لا يقوم بها غيره، وتتميّز بالوحدة العضوية التي تجعل الجزء تابعاً للكلّ. ولهذا يقول كوفييه: «إنّ سائر أجزاء الجسم الحيّ مرتبطة فيما بينها، فهي لا تتحرّك إلّا بمقدار ما تتحرّك كلّها معاً، والرغبة في فصل جزء منها معناها نقلها من نظام الأحياء إلى نظام الأموات». وعلى مستوى المنهج، تصطدم الملاحظة بأنّه لا يمكن ملاحظة العضوية ككلّ لتشابك أجزائها، ولا ملاحظة العضو معزولاً لأنّ عزله قد يقتله، فتكون الملاحظة ناقصة. ويصطدم التجريب بالفرق بين الوسط الطبيعي والوسط الاصطناعي، فالكائن في المخبر ليس كما هو في حالته الطبيعية، وبتعذّر تكرار التجربة، إذ إنّ حقن فأر بمقدار من المصل قد لا يؤثّر فيه في المرّة الأولى ويصيبه بصدمة في الثانية ويميته في الثالثة، ممّا يعني أنّ الأسباب نفسها لا تؤدّي إلى النتائج نفسها، وهو ما يمسّ مبدأ الحتمية الذي يقوم عليه التجريب. يُضاف إلى ذلك عائق التصنيف والتعميم، فكلّ كائن حيّ ينفرد بخصائصه، وكلّ تصنيف يقضي على فرديته.

نقده: لكنّ هذه مجرّد عوائق تاريخية لازمت البيولوجيا عند بداياتها ومحاولتها الظهور كعلم يضاهي العلوم المادية بعد انفصالها عن الفلسفة، وقد كانت نتيجة عدم اكتمال علوم أخرى لها صلة بها خاصّة الكيمياء، وسرعان ما تجاوزها العلم. ثمّ إنّ القول بأنّ الحيّ يختلف جوهرياً عن الجامد مصادرة على المطلوب، إذ يفترض ما يريد إثباته.

ثانياً: الموقف الثاني ــ يمكن إخضاع المادة الحيّة للتجريب

وخلافاً لما سبق، يعتقد آخرون أنّه يمكن إخضاع المادة الحيّة للمنهج التجريبي، فهي كالجامدة من حيث المكوّنات، وعليه يمكن تفسيرها بالقوانين الفيزيائية والكيميائية ودراستها بالكيفية نفسها. ويعود الفضل في إدخال المنهج التجريبي إلى البيولوجيا إلى الفيزيولوجي كلود برنار، متجاوزاً بذلك العوائق المنهجية التي صادفت المادة الحيّة. وممّا يثبت ذلك أنّ المادة الحيّة تتكوّن من العناصر نفسها التي تتكوّن منها الجامدة كالأكسجين والهيدروجين والكربون والآزوت والكالسيوم والفسفور. أمّا على مستوى المنهج فقد صار ممكناً القيام بالملاحظة الدقيقة على العضوية دون الحاجة إلى فصل الأعضاء، أي ملاحظتها وهي تؤدّي وظيفتها، وذلك بفضل ابتكار وسائل الملاحظة كالمنظار والتصوير بالأشعّة والصدى والرنين المغناطيسي. كما صار ممكناً إجراء التجربة دون إبطال وظيفة العضو أو فصله، وحتى إن فُصل العضو الحيّ أمكن إبقاؤه حيّاً مدّة بعد وضعه في محاليل كيميائية خاصّة. ويكفي دليلاً ما أنتجته البيولوجيا من لقاحات ومضادّات حيوية وزرع للأعضاء وفكّ للشفرة الوراثية.

نقده: لكن لو كانت المادة الحيّة كالجامدة لأمكن دراستها دراسة علمية على غرارها بلا تحفّظ، غير أنّ ذلك تصادفه جملة من العوائق تكشف عن الطبيعة المعقّدة للمادة الحيّة. كما أنّه إذا كانت الظواهر الجامدة تُفسَّر تفسيراً حتمياً آلياً، فإنّ للغائية اعتباراً وأهمية في فهم المادة الحيّة وتفسيرها، مع ما تحمله الغائية من اعتبارات ميتافيزيقية قد لا تكون للمعرفة العلمية صلة بها.

ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي

وبذلك يمكن القول إنّ المادة الحيّة تقبل الدراسة العلمية، لكن مع مراعاة طبيعتها وخصوصياتها التي تختلف عن طبيعة المادة الجامدة، بحيث يمكن للبيولوجيا أن تستعير المنهج التجريبي من العلوم المادية الأخرى مع الاحتفاظ بطبيعتها الخاصّة. ولهذا يقول كلود برنار: «لا بدّ لعلم البيولوجيا أن يأخذ من الفيزياء والكيمياء المنهج التجريبي، مع الاحتفاظ بحوادثه الخاصّة وقوانينه الخاصّة». والذي أراه أنّ السؤال لا يُجاب عنه بنعم أو لا، بل بالتمييز بين إمكان الدراسة وتطابق المنهج: فالمادة الحيّة تُدرس علمياً قطعاً، ولكن بمنهج معدّل لا منقول حرفياً. وأساس هذا الترجيح أنّ العلوم كلّها تفعل ذلك، فعلم الفلك لا يجرّب على النجوم ومع ذلك هو علم، لأنّه كيّف المنهج مع موضوعه. ويشهد للواقع أنّ الجدل حول إمكان التجريب على الحيّ حسمته نتائجه لا حججه، فاللقاح الذي أنقذ ملايين الأرواح وزرع الأعضاء الذي صار عملاً يومياً ليسا ثمرة تأمّل بل ثمرة تجريب.

حلّ المشكلة

وفي الختام يتّضح أنّ المشكل المطروح في ميدان البيولوجيا، وخاصّة على مستوى المنهج، يعود أساساً إلى طبيعة الموضوع المدروس وهو الظاهرة الحيّة، وإلى كون البيولوجيا علماً حديث العهد بالدراسات العلمية. وقد استطاعت أن تتجاوز كثيراً من تلك العقبات، وهي قادرة على تجاوز ما بقي منها تدريجياً. فالظاهرة البيولوجية تقبل الدراسة العلمية، لا بنقل منهج الجامد إليها نقلاً حرفياً، بل باستعارته وتكييفه مع خصوصيات الحياة.

---

تحويل المقالة إلى استقصاء بالوضع

نصّ السؤال المحتمل: «إنّ الظاهرة البيولوجية تقبل الدراسة العلمية» دافع عن هذه الأطروحة.

| ما عندك في الدرس | ما تفعل به | | :--- | :--- | | الموقف الثاني وحججه وقول كلود برنار | الأطروحة، مفصّلة بمسلّمتها وبرهنتها | | نقد الموقف الثاني | يُحذف | | الموقف الأوّل وعوائقه | منطق الخصوم، مختصراً في ثلاثة عوائق | | نقد الموقف الأوّل | يُوسَّع: العوائق تاريخية لا جوهرية | | أمثلة اللقاحات وزرع الأعضاء والجينوم | حججك الشخصية | | الخاتمة | تُبدَّل: الأطروحة صحيحة يمكن الأخذ بها |

ماذا تحفظ؟

  • **جدول خصائص المادة الحيّة** في الجزء الأوّل: ستّ خصائص بأثر كلّ واحدة.
  • **ثلاثة عوائق منهجية**: الملاحظة، والتجريب، والتصنيف.
  • **قولان**: كوفييه في الوحدة العضوية، وكلود برنار في التركيب.
  • **مثالان**: تجربة حقن الفأر بالمصل، واللقاحات.
  • **مقدّمة وخاتمة**.

الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.

تمرّن على هذا الدرس

تمارين درس المنهج التجريبي والظاهرة البيولوجية (70 تمريناً) — تمارين مصحّحة، أوّلها مفتوح للجميع.

مواضيع بكالوريا الفلسفة

كل مواضيع بكالوريا الفلسفة

دروس أخرى في الفلسفة