معرفة الذات: بالوعي أم بالغير؟

مقالة جدلية في أساس معرفة الذات بين الوعي والاستبطان من جهة والغير والتواصل من جهة أخرى، بأقوالها وأمثلتها.

يتكوّن الدرس من 7 أجزاء: تأطير المشكلة وصيغ السؤال، الموقف الأوّل: الوعي أساس معرفة الذات، الموقف الثاني: الغير أساس معرفة الذات، التركيب والرأي الشخصي، العلاقة بين الأنا والغير: تواصل أم صراع؟، لا قيمة للأنا إلّا داخل النحن، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.

تأطير المشكلة وصيغ السؤال

تأطير المشكلة وصيغ السؤال

1. عائلة الأسئلة

  • هل معرفة الذات تتوقّف على وجود الوعي أم عن طريق الغير؟
  • هل حقيقة الأنا تتوقّف على وعي الذات لذاتها أم على معرفة الغير؟
  • هل الشعور بالأنا يتوقّف على الغير؟
  • «معرفة الذات تتأسّس على التواصل مع الغير» أثبت صحّة هذه الأطروحة.

2. المفاهيم الأساسية

| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | الشعور أو الوعي | إدراك الذات لذاتها ولما يجري فيها وحولها. | | الأنا | الذات من حيث هي واعية بنفسها متميّزة عن غيرها. | | الغير | الأنا الآخر، أي كلّ ذات إنسانية سوى ذاتي. | | المغايرة | كون الشيء غير غيره: إدراك الأنا لنفسه من حيث يختلف عن الغير ويتميّز عنه. | | النحن | الجماعة التي ينتمي إليها الأنا، فيعترف فيها بالغير ويعترف الغير به. | | الاستبطان | ملاحظة داخلية يقلب بها المرء نفسه شاهداً على نفسه. | | الحدس | معرفة مباشرة بلا وساطة استدلال، وهو منهج برغسون. | | التعاطف | مشاركة الغير وجدانه، وهو عند ماكس شيلر طريق إلى معرفته. |

3. جذر المشكلة

الإنسان كائن مدنيّ بطبعه يعيش مع غيره في تفاعل وتجاذب وتنافر، وفي هذه الحركة يحصل له إدراك ذاته، وفي الوقت نفسه يتميّز بها عنهم.

فمن أين تأتي معرفتي بنفسي؟ يرى فريق من الفلاسفة أنّي أتعرّف على ذاتي باستقلالي وانفصالي عن الغير، ويرى فريق آخر أنّي أتعرّف عليها من خلال توحّدي مع الغير وبواسطته.

4. صيغة جاهزة للمقدّمة

> يدرس علم النفس الإنسان من حيث هو كائن حيّ يريد ويرغب ويفكّر ويشعر، أي مختلف الظواهر النفسية التي يعيشها في حياته اليومية. وبما أنّه كائن مدنيّ بطبعه يعيش مع غيره في تفاعل وتكامل وفي تنافر وتجاذب، فإنّه في حركته هذه يحصل له إدراك ذاته، وفي الوقت نفسه يتميّز بها عنهم. وقد كان الخلاف كبيراً بين الفلاسفة حول معرفة الذات: أبالوعي بها أم عن طريق الغير؟ فيرى بعضهم أنّي أتعرّف على ذاتي باستقلالي عن الغير، ويرى بعضهم أنّ ذلك يكون من خلال توحّدي معه. والإشكال الذي يطرح نفسه: هل معرفتي لذاتي تكون عن طريق الوعي بها أم عن طريق الغير؟ — قالب المقدّمة

5. خريطة المواقف

| | الموقف الأوّل | الموقف الثاني | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | الوعي والاستبطان أساس معرفة الذات | الغير أساس معرفة الذات | | ممثّلوه | السفسطائيون، ديكارت، برغسون، مين دي بيران، هوسرل | هيجل، سارتر، ماكس شيلر، واطسن | | المسلّمة | الأنا يدرك نفسه بنفسه بلا وساطة | لا يتحدّد الأنا إلّا بمقابلته بغيره | | صورة الغير عنده | وجوده احتمالي لا تحتاج إليه معرفتي بنفسي | شرط لوجودي ومرآة لذاتي |

6. تنبيه في الصياغة

السؤال هنا يقبل صياغتين: «أم» التي تفرض الاختيار، و«هل» التي تقبل نعم أو لا. وفي الحالين البنية جدلية، لأنّ في المسألة موقفين متقابلين. ولكن إن جاء بصيغة «دافع عن أطروحة أنّ معرفة الذات تتأسّس على التواصل مع الغير» فهو استقصاء بالوضع، وستجد طريقة تحويله في جزء المقالة الأخير.

الموقف الأوّل: الوعي أساس معرفة الذات

الموقف الأوّل: الوعي أساس معرفة الذات

1. ضبط الموقف

يرى أنصار هذا الاتجاه أنّ معرفة الذات تكون عن طريق الوعي والاستبطان، وأنّ الإنسان يعرف ذاته بذاته دون اللجوء إلى غيره. فالوعي هو الذي يحدّد معرفة الذات ويعبّر عن حقيقتها.

ومن ممثّليه: السفسطائيون، وديكارت، وهنري برغسون، ومين دي بيران، وهوسرل.

2. الحجج والبراهين

الحجّة الأولى ــ الإنسان مقياس كلّ شيء. ذهب السفسطائيون إلى أنّ الإنسان هو معيار الأشياء، وعليه فهو الذي يعي وجوده ويعرف ذاته بذاته.

> «الإنسان مقياس كلّ شيء» — بروتاغوراس

الحجّة الثانية ــ الكوجيتو عند ديكارت. يرى ديكارت أنّ الذات الإنسانية تدرك نفسها بذاتها، وأنّ وعيها بنفسها حقيقة يقينية بديهية لا يمكن الشكّ فيها ولا تحتاج إلى وساطة الغير لإثباتها.

> «أنا أفكّر إذن أنا موجود» — رينيه ديكارت

فالأنا عند ديكارت ذات منعزلة مستقلّة، أمّا الغير فوجوده افتراضي احتمالي.

الحجّة الثالثة ــ الحدس عند برغسون. يؤكّد برغسون أنّ الإنسان يشعر بذاته عن طريق الحدس، أي المعرفة المباشرة. فهو ليس كتلة من الغرائز كالحيوان، بل كائن واعٍ بأفعاله، وبالشعور يدرك ما يدور في ذاته من أفكار وعواطف وذكريات، ويدرك أنّ له ماضياً ومستقبلاً.

الحجّة الرابعة ــ أسبقية الذات عند مين دي بيران.

يرى مين دي بيران أنّ الذات تسبق كلّ شعور بالأشياء، وأنّها تدرك نفسها إدراكاً مباشراً في الشعور بالجهد الذي تبذله إرادتها حين تحرّك الجسم فتلقى مقاومته.

فالاستبطان أو التأمّل الذاتي ملاحظة داخلية ينقلب بها الإنسان شاهداً على نفسه، ليعلم أنّ له ذاتاً حقيقية يتميّز بها عن الآخرين جسمياً ونفسياً وخُلقياً.

الحجّة الخامسة ــ قصدية الشعور عند هوسرل. يرى هوسرل أنّه يجب أن تكون الذات واعية بذاتها حتى يمكنها أن تعي الأشياء والعالم الخارجي.

> «كلّ شعور هو شعور بشيء» — إدموند هوسرل

3. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ الألم الخاصّ: شعورك بالحزن شعور داخلي لا يستطيع أحد أن يحسّ به بالدرجة نفسها التي تحسّ بها أنت. فمن يواسيك يتصوّر حزنك ولا يعيشه.

المثال الثاني ــ قرار الضمير: قد يمدحك الناس جميعاً وأنت تعلم من نفسك خلاف ما يقولون. فالحكم الداخلي أصدق عندك من إجماعهم، وهذا دليل أنّ للأنا وصولاً إلى نفسه لا يملكه غيره.

المثال الثالث ــ الذوق: تعرف أنّك تحبّ لوناً وتكره طعاماً بلا حاجة إلى أن يخبرك أحد. فمعرفتك بميولك مباشرة لا مستمدّة.

المثال الرابع ــ العزلة المختارة: من يخلو بنفسه ليفكّر يجد نفسه أوضح، فلو كان الغير شرطاً للمعرفة لكانت العزلة ضياعاً لا صفاءً.

4. نقد الموقف الأوّل

النقد الأوّل ــ في المضمون: بالغ أنصار هذا الموقف في ردّ معرفة الذات إلى الوعي وحده. فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش بمعزل عن المجتمع، ومعرفته بنفسه جزء من حياته بين الناس.

النقد الثاني ــ في الشكل: الاستبطان منهج ذاتي غير موضوعي، فهو معرفة قاصرة علمياً لأنّها متحيّزة، إذ يكون الشخص الواحد ملاحِظاً وملاحَظاً في الوقت نفسه. ولهذا قيل: الذات التي تريد رؤية ذاتها كالعين التي تريد رؤية نفسها.

النقد الثالث ــ من علم النفس الحديث: الحياة النفسية مزيج بين الشعور واللاشعور، وهذا ما أكّده فرويد. فالوعي لا يبلغ كلّ ما في النفس، وقد يكون أشدّ ما يحرّك الإنسان خافياً عنه.

5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> يرى فريق من الفلاسفة أنّ معرفة الذات تكون عن طريق الوعي والاستبطان، فالإنسان يعرف ذاته بذاته دون اللجوء إلى غيره، والوعي هو الذي يحدّد معرفة الذات ويعبّر عن حقيقتها. ومن أنصار هذه الأطروحة السفسطائيون وديكارت وبرغسون ومين دي بيران وهوسرل. فقد ذهب السفسطائيون إلى أنّ «الإنسان مقياس كلّ شيء»، وعليه فهو الذي يعي وجوده ويعرف ذاته. ويرى ديكارت أنّ الذات تدرك نفسها بنفسها ويؤكّد ذلك بقوله: «أنا أفكّر إذن أنا موجود»، فالأنا ليست في حاجة إلى وساطة الغير، وهي عنده ذات مستقلّة أمّا الغير فوجوده احتمالي. ويؤكّد برغسون أنّ الإنسان يشعر بذاته عن طريق الحدس، فبالشعور يدرك ما يدور في ذاته من أفكار وعواطف وذكريات. ويرى مين دي بيران أنّ الذات تسبق كلّ شعور بالأشياء، وتدرك نفسها مباشرة في الشعور بالجهد الذي تبذله إرادتها. ويشهد للواقع أنّ شعورك بالحزن شعور داخلي لا يحسّ به الغير بالدرجة نفسها. ونقده: لقد بالغ أنصار هذا الموقف في ردّ معرفة الذات إلى الوعي وحده، فالاستبطان منهج ذاتي متحيّز يكون فيه الشخص ملاحِظاً وملاحَظاً معاً، ولهذا قيل إنّ الذات التي تريد رؤية ذاتها كالعين التي تريد رؤية نفسها، ثمّ إنّ الإنسان كائن اجتماعي، والحياة النفسية مزيج من الشعور واللاشعور كما أكّد فرويد. — قالب الموقف الأوّل ونقده

الموقف الثاني: الغير أساس معرفة الذات

الموقف الثاني: الغير أساس معرفة الذات

1. ضبط الموقف

يرى أنصار هذا الاتجاه أنّ معرفة الذات تكون عن طريق الآخر، أي أنّ شعور الفرد بذاته متوقّف على معرفته لغيره.

ومن ممثّليه: هيجل، وجان بول سارتر، وماكس شيلر، وواطسن ومعه أغلب علماء الاجتماع.

2. الحجج والبراهين

الحجّة الأولى ــ المقارنة. يرى أنصار هذا الموقف أنّ التعرّف على الذات يكون عن طريق الغير، لأنّ الغير هو الذي يساعدني على معرفة حقيقة ذاتي بالمقارنة: أقارن أفعالي بأفعاله فأستنتج التماثل والاختلاف. فالذات تتعرّف على نفسها على أنّها فردية متميّزة عندما تقابل الآخر.

الحجّة الثانية ــ جدلية السيد والعبد عند هيجل. يؤكّد هيجل أنّ معرفة الذات تقوم على علاقة جدلية بين الأنا والآخر. وقد وضّح ذلك بجدليته الشهيرة: فالسيد يترفّع عن العمل ويجعل العبد يقوم به ليعبّر عن سيادته، والعبد ينخرط في العمل ويسخّر قدراته لتشكيل الأشياء وفق إرادته فيثبت وجوده. ومع الوقت يصير السيد عبداً لعبده لأنّه لا يستطيع العيش دونه، وبهذا يدرك كلّ واحد منهما حقيقة نفسه وقيمة ذاته.

الحجّة الثالثة ــ التعاطف عند ماكس شيلر. عدّ ماكس شيلر أنّ التعاطف مع الغير هو الذي يبني العلاقات الإنسانية، وبه تستطيع الأنا التعرّف على ذاتها. فمشاطرة الغير أفراحهم وأتراحهم تمكّن الذات من الاتصال بغيرها ومن معرفة نفسها. ومثاله الألم الذي يشترك فيه الأبوان عند فقد ولدهما.

الحجّة الرابعة ــ أثر المجتمع. يؤكّد علماء الاجتماع أنّ الإنسان اجتماعي بطبعه، لا يستطيع العيش بمعزل عن المجتمع، وأنّه تابع له في لغته وقيمه وتصوّره عن نفسه.

ويذهب جون واطسن، مؤسّس المدرسة السلوكية، إلى أبعد من ذلك: فهو يرفض الاستبطان منهجاً، ويرى أنّ التربية والبيئة تصنعان الطفل، حتى زعم أنّه لو أُعطي عدداً من الأطفال الأصحّاء لجعل أيّاً منهم ما يشاء: طبيباً أو محامياً أو تاجراً، بل متسوّلاً أو لصّاً.

الحجّة الخامسة ــ اللغة. فأنا لا أفكّر في نفسي إلّا بلغة، واللغة لم أخترعها بل ورثتها عن جماعتي. فحتى حديثي مع نفسي يجري بأداة اجتماعية.

الحجّة السادسة ــ الغير وسيط بيني وبين نفسي عند سارتر. يحلّل سارتر تجربة الخجل: أقوم وحدي بحركة مبتذلة فلا أحكم عليها، فإذا انتبهت إلى أنّ أحداً يراني شعرت بالخجل، أي أدركت نفسي كما أبدو له. فنظرة الغير تكشف لي جانباً من ذاتي لا أبلغه بوعيي وحده.

> «لكي أحصل على أيّ حقيقة عن نفسي لا بدّ أن أمرّ بالآخر. فالآخر ضروري لوجودي، كما هو ضروري لمعرفتي بنفسي» — جان بول سارتر

ومن هنا يُفهم قوله الشهير «الجحيم هم الآخرون»: فقد شرحه سارتر نفسه بأنّ الآخرين يصيرون جحيماً حين تفسد علاقتنا بهم، لأنّهم أهمّ ما فينا لمعرفتنا بأنفسنا. فهو قول في شدّة حاجة الأنا إلى الغير لا في استغنائه عنه.

3. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ الطفل والمرآة: لا يعرف الطفل أنّ الصورة في المرآة صورته إلّا بعد شهور، وغالباً بتعليم من أمّه. فأوّل معرفة بالذات جاءت من الغير.

المثال الثاني ــ اكتشاف الموهبة: كثير من الناس لم يعرفوا قدرتهم على شيء حتى نبّههم إليها أستاذ أو صديق. فالغير كشف لهم ما خفي عنهم من أنفسهم.

المثال الثالث ــ الأطفال المعزولون: الحالات المعروفة لأطفال نشؤوا بعيداً عن المجتمع البشري لم يكتسبوا لغة ولا تصوّراً عن ذاتهم. فبغير المجتمع لم يتشكّل الأنا أصلاً.

المثال الرابع ــ مقابلة العمل: لا يعرف المترشّح مستواه الحقيقي إلّا حين يُقارن بغيره. فالمعيار خارجي لا داخلي.

المثال الخامس ــ من الحياة المدرسية: التلميذ يعرف أنّه مجتهد أو مقصّر حين يرى ترتيبه بين زملائه، لا حين يتأمّل نفسه وحده.

4. نقد الموقف الثاني

النقد الأوّل ــ في المضمون: بالغ أنصار هذا الموقف في ردّ معرفة الذات إلى الغير، ذلك أنّ لكلّ ذات خصوصياتها ومميّزاتها التي تميّزها عن غيرها، فلكلّ ذات كيانها وهويّتها الخاصّة.

النقد الثاني ــ في الشكل: ربط التواصل مع الغير في إطار علاقة التناقض والصراع لا يؤدّي إلى الاعتراف بالآخر، بل إلى شيوع قانون الغاب، وهو منطق لا يتناسب مع كرامة الإنسان ورقيّ عقله.

النقد الثالث: لو كانت معرفة الذات من الغير وحده لكان حكم الناس عليّ هو حقيقتي، ولما صحّ أن يخطئ الناس في تقدير إنسان. والواقع أنّ كثيراً ممّن ظُلموا في حياتهم عرفوا من أنفسهم ما لم يعرفه عنهم أحد.

5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> في مقابل الموقف السابق يرى فريق آخر أنّ معرفة الذات تكون عن طريق الآخر، أي أنّ شعور الفرد بذاته متوقّف على معرفته لغيره، ومن أنصار هذه الأطروحة هيجل وسارتر وماكس شيلر. فالتعرّف على الذات يكون أوّلاً بالمقارنة بين أفعالنا وأفعال الغير، فالذات تدرك أنّها فردية متميّزة عندما تقابل الآخر. ويؤكّد هيجل أنّ معرفة الذات تقوم على علاقة جدلية بين الأنا والآخر، ويوضّح ذلك بجدلية السيد والعبد: فالسيد يعبّر عن سيادته بترفّعه عن العمل، والعبد يثبت وجوده بعمله وتشكيله للأشياء، ومع الوقت يصير السيد عبداً لعبده لأنّه لا يستطيع العيش دونه، وبهذا يدرك كلّ منهما قيمة ذاته. ويرى سارتر أنّ الغير وسيط بيني وبين نفسي، فبنظرته أدرك من ذاتي ما لا أدركه وحدي كما في تجربة الخجل، ولهذا يقول: «لكي أحصل على أيّ حقيقة عن نفسي لا بدّ أن أمرّ بالآخر». ويعدّ ماكس شيلر أنّ التعاطف مع الغير هو الذي يبني العلاقات الإنسانية، فمشاطرة الغير أفراحهم وأتراحهم تمكّن الذات من معرفة نفسها. ويؤكّد علماء الاجتماع أنّ الإنسان اجتماعي بطبعه، ويذهب واطسن مؤسّس السلوكية إلى أنّ التربية والبيئة تصنعان الطفل كما تشاء. ويشهد للواقع أنّ الطفل لا يعرف صورته في المرآة إلّا بتعليم من أمّه، وأنّ كثيراً من الناس لم يكتشفوا مواهبهم حتى نبّههم إليها غيرهم. ونقده: لقد بالغ هؤلاء في ردّ معرفة الذات إلى الغير، فلكلّ ذات خصوصياتها وهويّتها، ثمّ إنّ ربط التواصل بعلاقة الصراع لا يؤدّي إلى الاعتراف بالآخر بل إلى شيوع قانون الغاب. — قالب الموقف الثاني ونقده

التركيب والرأي الشخصي

التركيب والرأي الشخصي

1. التركيب: الوعي أساس والغير مكمّل

إنّ معرفة الذات لذاتها تتوقّف على الوعي والشعور، لأنّ الشعور أساس إدراك المرء لما يجول في ذاته وتحديد طبيعتها. لكنّ هذه المعرفة ليست مستقلّة عن معرفة الأنا للغير، فهذا الأنا لا يحدّد ماهيته إلّا من خلال معرفته للأنا الآخر.

وعليه فالفرد يعرف ذاته من خلال ذاته ومن خلال تعايشه مع الآخرين معاً.

2. وجه ثانٍ للتركيب: مستويان لا موقفان

| المستوى | من أين تأتي المعرفة | مثاله | | :--- | :--- | :--- | | معرفة الوجود | من الوعي وحده | أعلم أنّي موجود أفكّر وأشعر بلا وساطة أحد | | معرفة الهوية والصفات | من الغير غالباً | أعلم أنّي كريم أو عصبي أو مجتهد بمقارنة ومرآة |

فالخلاف بين الفريقين خلاف في مستوى السؤال لا في جوابه: الأوّل تكلّم عن أنّي موجود، والثاني تكلّم عن من أنا. والمعرفتان مختلفتان، وكلّ فريق أصاب في مستواه.

3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً

الصيغة الأولى ــ التكامل

> والذي أراه أنّ معرفة الذات تكون بالوعي بها وبالتعامل مع الآخرين معاً، وفق مجموعة من القيم الأخلاقية القائمة على التساوي والاعتراف. فالقول بالوعي معناه أنّ كلّ فرد يعي أفعاله وسلوكه كونه عاقلاً مستقلاً، والقول بالغير معناه أنّ الفرد كائن اجتماعي يتفاعل مع أفراد مجتمعه وفق الصداقة والتعاون، بعيداً عن التنافر والعنف. — قالب الرأي الأوّل

الصيغة الثانية ــ تمييز المستويين

> وأرجّح أنّ الخلاف قائم على خلط بين سؤالين: سؤال الوجود وسؤال الهوية. فأنا أعرف بوعيي وحده أنّي موجود أفكّر وأتألّم، ولا أعرف إلّا بالغير أنّي كريم أو بخيل، لأنّ هذه صفات لا تظهر إلّا في المعاملة. وأساس هذا الترجيح أنّ من عاش وحده لا يعرف عن نفسه شيئاً من أخلاقه، إذ الأخلاق لا تظهر إلّا مع من نعامله. — قالب الرأي الثاني

الصيغة الثالثة ــ الغير مرآة لا حكم

> وأميل إلى أنّ الغير مرآة لا قاضٍ: أستعين به لأرى ما لا أراه من نفسي، ولا أسلّمه حقّ الحكم عليّ. وأساس ذلك أنّ نظرة الناس متغيّرة متأثّرة بمصالحهم، فمن جعلها حقيقته صار حقيقته متغيّرة بتغيّر من حوله، ومن أنكرها كلّها حُرم من نقد يصلحه. — قالب الرأي الثالث

4. صيغ جاهزة للخاتمة

الصيغة الأولى

> وفي الأخير نستنتج أنّ إدراك المرء لذاته لا يحصل دون وجود الوعي والغير في الوقت نفسه، لأنّ الإنسان في تعامله مع الآخرين يتصرّف بوعي، ويوفّق بين ما يقوله الآخرون عنه وما يعتقده في نفسه، لأنّ الشخصية التي تمثّل الأنا تتكامل فيها الجوانب الذاتية والموضوعية. — قالب الخاتمة الأولى

الصيغة الثانية

> وصفوة القول إنّ الأنا لا يُبنى في عزلة ولا يُملى من الخارج: فالوعي يعطيه وجوده، والغير يعطيه صورته. ومن اكتفى بالأوّل عاش في وهم عن نفسه، ومن اكتفى بالثاني عاش صورةً رسمها له غيره. — قالب الخاتمة الثانية

5. تنبيه

احذر الخلط بين «الغير» و«المجتمع». فالغير في هذا الدرس هو الأنا الآخر، أي شخص آخر واعٍ مثلي، لا الجماعة ولا المؤسّسة. ومن كتب عن المجتمع وقوانينه خرج عن موضوع السؤال، وهذا خطأ يقع فيه كثيرون.

العلاقة بين الأنا والغير: تواصل أم صراع؟

العلاقة بين الأنا والغير: تواصل أم صراع؟

1. تأطير المسألة

بعد أن عرفنا أنّ الغير حاضر في معرفة الأنا لذاته، يبقى سؤال آخر يطرحه البرنامج: ما طبيعة هذه العلاقة؟ فالأنا يحتاج إلى الغير ليعرف نفسه، لكنّه يجد فيه أيضاً ذاتاً حرّة مثله تنظر إليه وتحكم عليه وتنافسه.

فهل علاقة الأنا بالغير تأخذ طابعاً تواصلياً، أم أنّها تقوم على التنافر والصراع؟

| | علاقة الصراع | علاقة التواصل | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | الغير خصم يهدّد حرّيتي ويطلب منّي الاعتراف | الغير شريك أكتمل به ويكتمل بي | | ممثّلوه | هيجل، سارتر، هوبز | ماكس شيلر، ميرلوبونتي، كانط، مارتن بوبر | | صورة الغير | ذات تجعلني موضوعاً | ذات أحاورها وأعترف بها | | مآل العلاقة | السيطرة أو الخضوع | الاعتراف المتبادل |

2. الموقف الأوّل: العلاقة بين الأنا والغير صراع

عند هيجل ــ الصراع من أجل الاعتراف. الوعي بالذات لا يكتفي بأن يعرف نفسه، بل يريد أن يعترف به وعي آخر. ولمّا كان كلّ وعي يطلب الاعتراف لنفسه، دخل الوعيان في صراع حتى الموت: فمن خاف الموت وآثر الحياة صار عبداً، ومن خاطر بحياته صار سيداً. فالعلاقة بالغير تبدأ صراعاً على الاعتراف.

عند سارتر ــ النظرة. حين ينظر إليّ الغير أصير موضوعاً في عالمه، فيسلبني جزءاً من حرّيتي، وأنا بدوري أحاول أن أجعله موضوعاً في عالمي. فكلّ واحد منّا يريد أن يبقى ذاتاً حرّة وأن يردّ الآخر إلى شيء، ولهذا كتب في «الوجود والعدم»:

> «الصراع هو المعنى الأصلي للوجود من أجل الغير» — جان بول سارتر

عند هوبز ــ التنافس على البقاء. في الحالة الطبيعية، قبل قيام الدولة، يتنافس الناس على الموارد ويخشى بعضهم بعضاً، فتكون حرب الكلّ ضدّ الكلّ، ويصير الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان.

الشاهد من الواقع: التنافس بين التلاميذ على الرتبة الأولى، والخصومة بين الجيران على حدود قطعة أرض، والحروب بين الأمم. فالأنا كثيراً ما يرى في الغير منافساً يضيّق عليه مكانه.

نقده: هذا الموقف يصف لحظة من العلاقة لا العلاقة كلّها. فجدلية هيجل نفسها لا تنتهي إلى الصراع الدائم بل إلى الاعتراف المتبادل، وسارتر نفسه يقرّ بأنّ الغير ضروري لمعرفتي بنفسي. ثمّ إنّ تعميم الصراع ينتهي إلى قانون الغاب، والواقع فيه من الصداقة والتعاون والتضامن ما يكذّب هذا التعميم.

3. الموقف الثاني: العلاقة بين الأنا والغير تواصل

عند ماكس شيلر ــ التعاطف. الإنسان قادر على أن يشارك الغير وجدانه مشاركة مباشرة، كما يشترك الأبوان في الألم أمام جثمان ولدهما. فالتعاطف ليس تقليداً ولا استدلالاً، بل فعل أصيل يفتح الأنا على الغير.

عند ميرلوبونتي ــ الحوار. الغير ليس شيئاً أمامي بل جسد حيّ يعبّر مثلي، وفي الحوار نبني أرضاً مشتركة يتداخل فيها فكري وفكره:

> «في تجربة الحوار تتكوّن بيني وبين الغير أرض مشتركة، فلا يكون فكري وفكره إلّا نسيجاً واحداً» — موريس ميرلوبونتي

عند كانط ــ الاحترام. الغير شخص عاقل له كرامة، فلا يجوز أن يُعامَل وسيلة فحسب:

> «اعمل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص غيرك دائماً غايةً، ولا تعاملها أبداً مجرّد وسيلة» — إيمانويل كانط

عند مارتن بوبر ــ علاقة الأنا بالأنت. يميّز بوبر بين علاقة «أنا ــ هو» التي أعامل فيها الآخر كشيء أستعمله، وعلاقة «أنا ــ أنت» التي ألقاه فيها شخصاً كاملاً أخاطبه ويخاطبني. والعلاقة الإنسانية الحقّة هي الثانية.

الشاهد من الواقع: التويزة في القرى الجزائرية، إذ يجتمع الجيران لبناء بيت أحدهم أو جني محصوله بلا أجر؛ والتضامن مع المنكوبين في الزلازل والفيضانات؛ والصداقة التي يكشف فيها كلّ صديق لصاحبه ما خفي عنه من نفسه.

نقده: هذا الموقف يصف ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة أكثر ممّا يصف ما هي عليه. فالتواصل لا يلغي المغايرة: فالغير يبقى غيراً لا أعرفه كما يعرف نفسه، وقد يسيء فهمي وأسيء فهمه. ومن أنكر الصراع أصلاً عجز عن تفسير الحروب والظلم.

4. التركيب: التواصل غاية والصراع لحظة

العلاقة بين الأنا والغير ليست تواصلاً خالصاً ولا صراعاً خالصاً. فالصراع يقع حين يريد كلّ طرف أن يُعترف به دون أن يعترف بغيره، والتواصل يتحقّق حين يصير الاعتراف متبادلاً.

فالعلاقة السوية بين الأنا والغير تقوم على أساس التواصل وقبول الاختلاف: أن أعترف بالغير مثلي في الكرامة، ومغايراً لي في الرأي والطبع.

| الحالة | ما يحدث فيها | نتيجتها | | :--- | :--- | :--- | | اعتراف من طرف واحد | سيد وعبد، أو متكبّر ومقهور | صراع مكتوم أو معلن | | رفض الاعتراف | كلّ طرف يجعل الآخر موضوعاً | قطيعة وعداوة | | اعتراف متبادل | كلّ طرف يرى الآخر ذاتاً حرّة | حوار وتعاون |

تنبيه: لا تخلط بين هذا السؤال وسؤال الدرس الأصلي. فسؤال «معرفة الذات» يسأل من أين أعرف نفسي؟، وسؤال هذا الجزء يسأل كيف أعيش مع الغير؟ ومادّة كلّ منهما تخدم الآخر: فمن رأى الغير وسيطاً إلى معرفة ذاتي مال إلى التواصل، ومن رآه تهديداً لحرّيتي مال إلى الصراع.

5. صيغة جاهزة

> اختلف الفلاسفة في طبيعة العلاقة بين الأنا والغير: فرأى هيجل أنّها تبدأ صراعاً من أجل الاعتراف، ورأى سارتر أنّ نظرة الغير تجعلني موضوعاً حتى كتب: «الصراع هو المعنى الأصلي للوجود من أجل الغير». وفي المقابل رأى ماكس شيلر أنّ التعاطف يفتح الأنا على الغير، ورأى ميرلوبونتي أنّ الحوار يبني بيننا أرضاً مشتركة، ودعا كانط إلى معاملة الإنسانية في كلّ شخص غايةً لا وسيلة. والذي أراه أنّ الصراع لحظة في العلاقة لا جوهرها، وأنّ العلاقة السوية تقوم على التواصل وقبول الاختلاف، لأنّ الأنا لا يُعترف به إلّا إذا اعترف بغيره. — قالب العلاقة بين الأنا والغير

لا قيمة للأنا إلّا داخل النحن

لا قيمة للأنا إلّا داخل النحن

1. معنى العبارة

هذه العبارة من التقويم المرحلي في البرنامج، وهي تلخّص ما انتهى إليه الدرس: الأنا لا يكتسب قيمته ــ أي معناه ومكانته وكرامته ــ إلّا حين ينتمي إلى نحن: أسرة، وجماعة، ووطن، وإنسانية.

والمقصود بالنحن هنا جماعة يعترف فيها كلّ فرد بالآخرين ويعترفون به، لا كتلة يذوب فيها الأفراد فلا يبقى لأحدهم رأي.

وقد تأتي في الامتحان بصيغ منها:

  • «لا قيمة للأنا إلّا داخل النحن» دافع عن هذه الأطروحة.
  • هل يستطيع الأنا أن يحقّق ذاته بمعزل عن الجماعة؟
  • هل الانتماء إلى الجماعة يُثري الفرد أم يُلغيه؟

2. الحجج المؤيّدة

الحجّة الأولى ــ الإنسان مدنيّ بطبعه. يرى أرسطو أنّ الإنسان حيوان سياسي بطبعه، وأنّ من استغنى عن الجماعة خرج عن حدّ الإنسانية:

> «من لا يستطيع أن يعيش في جماعة، أو لا حاجة له إليها لاكتفائه بنفسه، فليس جزءاً من المدينة: فهو إمّا بهيمة وإمّا إله» — أرسطو

ويؤكّد ابن خلدون المعنى نفسه في مقدّمته: فالفرد عاجز وحده عن تحصيل قوته والدفاع عن نفسه، ولهذا كان الاجتماع الإنساني ضرورياً، وهو ما يعبّر عنه بقوله نقلاً عن الحكماء:

> «الإنسان مدنيّ بالطبع» — ابن خلدون

الحجّة الثانية ــ الاعتراف. يرى هيجل أنّ الوعي بالذات لا يبلغ رضاه إلّا في وعي آخر بالذات، أي أنّ الأنا لا يكتسب قيمته إلّا حين يعترف به غيره. فالقيمة ليست صفة أملكها وحدي، بل مكانة تُمنح في علاقة.

الحجّة الثالثة ــ اللغة والقيم. الأنا يفكّر بلغة ورثها، ويحكم على أفعاله بقيم تلقّاها، فحتى ما يظنّه أخصّ خصائصه مصنوع بأدوات الجماعة. ولهذا يرى دوركايم أنّ المجتمع يسبق الفرد ويشكّله.

الحجّة الرابعة ــ الحجّة الدينية والأخلاقية. قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً». فالفرد لبنة لا قيمة لها خارج البناء، والبناء لا يقوم إلّا بلبناته.

الشاهد من الواقع:

  • **الثورة التحريرية**: لم يستردّ الجزائري كرامته فرداً، بل حين صار جزءاً من شعب يطلب حرّيته، **فكان أوّل نوفمبر 1954 فعلاً جماعياً** أعطى لكلّ فرد فيه قيمة سلبها الاستعمار.
  • **التويزة**: من يساعد جيرانه في البناء والحصاد يجد مكانته بينهم، ومن انعزل عنهم فقد سنده يوم يحتاج إليه.
  • **الفريق الرياضي**: مهارة اللاعب البارع لا تظهر قيمتها إلّا داخل فريق يلعب معه.

3. حدود العبارة: متى يصير النحن خطراً على الأنا؟

لكنّ العبارة إذا أُخذت على إطلاقها ألغت الفرد: فالجماعة قد تفرض على أفرادها التقليد الأعمى، وتقمع المخالف، وتذيب الأنا في القطيع، وقد انتقد نيتشه أخلاق القطيع التي تسوّي بين الناس وتخنق الأفذاذ. والمصلحون والمبدعون كثيراً ما بدؤوا بمخالفة جماعتهم، ثمّ عادت الجماعة فاعترفت بهم.

فالنحن نوعان:

| النحن | علاقته بالأنا | مثاله | | :--- | :--- | :--- | | نحن الاعتراف | يعطي الأنا قيمته ويحفظ اختلافه | الأسرة السوية، والجماعة التي تتشاور | | نحن الذوبان | يلغي الأنا ويطلب منه التطابق | التعصّب القبلي، والجماعات المنغلقة |

4. التركيب

لا قيمة للأنا إلّا داخل النحن، ولا قيمة للنحن إلّا بأنوات حرّة. فالجماعة تعطي الفرد لغته ومكانته والاعتراف به، والفرد يعطي الجماعة إبداعه ونقده وتجدّدها.

والعلاقة السوية هي التي يبقى فيها الأنا متميّزاً دون أن ينعزل، ومنتمياً دون أن يذوب. وهذا يجمع خلاصة الدرس كلّه: الوعي يعطي الأنا وجوده، والغير يعطيه صورته، والنحن يعطيه قيمته.

5. صيغ جاهزة

> شاع أنّ الفرد يحقّق ذاته بانعزاله عن الجماعة واستقلاله عنها، في حين ترى أطروحة مناقضة أنّه لا قيمة للأنا إلّا داخل النحن. وإذا سلّمنا بصحّة هذه الأطروحة، فكيف يمكننا إثباتها والدفاع عنها؟ — قالب مقدّمة الوضع

> إنّ الإنسان مدنيّ بالطبع كما قال ابن خلدون نقلاً عن الحكماء، وقد بيّن أرسطو أنّ من استغنى عن الجماعة فهو إمّا بهيمة وإمّا إله. والوعي بالذات عند هيجل لا يبلغ رضاه إلّا في اعتراف وعي آخر به. ويشهد للواقع أنّ الجزائري لم يستردّ كرامته فرداً، بل حين صار جزءاً من شعب ثار في أوّل نوفمبر 1954. ومع ذلك فالنحن الذي يعطي الأنا قيمته هو نحن الاعتراف لا نحن الذوبان، فالأنا يبقى متميّزاً دون أن ينعزل ومنتمياً دون أن يذوب. — قالب عرض الأطروحة

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

نصّ السؤال: هل معرفة الذات تتوقّف على وجود الوعي أم عن طريق الغير؟

طرح المشكلة

يدرس علم النفس الإنسان من حيث هو كائن حيّ يريد ويرغب ويفكّر ويشعر، أي مختلف الظواهر النفسية التي يعيشها في حياته اليومية. وبما أنّه كائن مدنيّ بطبعه يعيش مع غيره من الناس في تفاعل وتكامل وفي تنافر وتجاذب، فإنّه في حركته هذه يحصل له إدراك ذاته، وفي الوقت نفسه يتميّز بها عنهم. وقد كان الخلاف كبيراً بين الفلاسفة حول معرفة الذات: أتكون بالوعي بها أم عن طريق الغير؟ فيرى بعضهم أنّي أتعرّف على ذاتي باستقلالي وانفصالي عن الغير، ويرى بعضهم الآخر أنّ تعرّفي على ذاتي يكون من خلال توحّدي مع الغير وبواسطته. والإشكال الذي يطرح نفسه: هل معرفتي لذاتي تكون عن طريق الوعي بها أم عن طريق الغير؟

محاولة حلّ المشكلة

أوّلاً: الموقف الأوّل ــ الوعي والاستبطان أساس معرفة الذات

يرى فريق من الفلاسفة أنّ معرفة الذات تكون عن طريق الوعي والاستبطان، فالإنسان يعرف ذاته بذاته دون اللجوء إلى غيره، والوعي هو الذي يحدّد معرفة الذات ويعبّر عن حقيقتها. ولهذه الأطروحة أنصار كثيرون من أمثال السفسطائيين وديكارت وبرغسون ومين دي بيران وهوسرل. فقد ذهب السفسطائيون إلى أنّ «الإنسان مقياس كلّ شيء»، وعليه فهو الذي يعي وجوده ويعرف ذاته بذاته. وهذا ما يذهب إليه ديكارت في أنّ الذات الإنسانية تدرك نفسها بذاتها، وهو ما يؤكّده بقوله: «أنا أفكّر إذن أنا موجود»، فالأنا تعي ذاتها وتدرك وجودها من تلقاء نفسها، وليست في حاجة إلى وساطة الغير، فهي عنده حقيقة يقينية وذات مستقلّة، أمّا الغير فوجوده افتراضي احتمالي. والرأي نفسه عند برغسون الذي يؤكّد أنّ الإنسان يشعر بذاته عن طريق الحدس أي المعرفة المباشرة، فهو ليس كتلة من الغرائز كالحيوان بل كائن واعٍ بأفعاله، وبالشعور يدرك ما يدور في ذاته من أفكار وعواطف وذكريات ويدرك أنّ له ماضياً ومستقبلاً. ويرى مين دي بيران أنّ الذات تسبق كلّ شعور بالأشياء، وأنّها تدرك نفسها مباشرة في الشعور بالجهد الذي تبذله إرادتها، فالاستبطان ملاحظة داخلية ينقلب بها الإنسان شاهداً على نفسه. ويؤكّد هوسرل أنّ الذات يجب أن تكون واعية بذاتها حتى تعي العالم، فيقول: «كلّ شعور هو شعور بشيء». ويشهد للواقع أنّ شعورك بالحزن شعور داخلي لا يستطيع الغير أن يحسّ به بالدرجة نفسها.

نقده: لقد بالغ أنصار الموقف الأوّل في ردّهم معرفة الذات إلى الوعي وحده. فالاستبطان منهج ذاتي غير موضوعي، وهو معرفة قاصرة علمياً لأنّها متحيّزة، إذ يكون الشخص الواحد ملاحِظاً وملاحَظاً في الوقت نفسه، ولهذا قيل إنّ الذات التي تريد رؤية ذاتها كالعين التي تريد رؤية نفسها. أضف إلى ذلك أنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش بمعزل عن المجتمع، وأنّ الحياة النفسية مزيج بين الشعور واللاشعور كما أكّد فرويد.

ثانياً: الموقف الثاني ــ الغير أساس معرفة الذات

في مقابل ذلك يرى فريق آخر أنّ معرفة الذات تكون عن طريق الآخر، أي أنّ شعور الفرد بذاته متوقّف على معرفته لغيره، ولهذه الأطروحة أنصار من أمثال هيجل وسارتر وماكس شيلر. فالتعرّف على الذات يكون عن طريق الغير، لأنّ الغير هو الذي يساعدني على معرفة حقيقة ذاتي، وذلك بالمقارنة بين أفعالنا وأفعاله، فنستنتج التماثل والاختلاف، فالذات تتعرّف على نفسها على أنّها فردية متميّزة عندما تقابل الآخر. وهذا ما يذهب إليه هيجل الذي يؤكّد أنّ معرفة الذات تقوم على العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر، ويوضّح ذلك بجدليته الشهيرة بين السيد والعبد: فالسيد يترفّع عن العمل ويجعل العبد يقوم به ليعبّر عن سيادته، أمّا العبد فينخرط في العمل ويسخّر قدراته لتشكيل الأشياء وفق إرادته فيثبت وجوده، ومع الوقت يصبح السيد عبداً لعبده لأنّه لا يستطيع العيش دونه، ومن هنا يدرك كلّ واحد منهما حقيقة نفسه وقيمة ذاته. ويرى سارتر أنّ الغير وسيط بيني وبين نفسي، فأنا أخجل من نفسي حين أنتبه إلى أنّ غيري يراني، أي أنّ نظرته كشفت لي من ذاتي ما لم أكن أراه، ولهذا يقول: «لكي أحصل على أيّ حقيقة عن نفسي لا بدّ أن أمرّ بالآخر. فالآخر ضروري لوجودي، كما هو ضروري لمعرفتي بنفسي». واعتبر ماكس شيلر أنّ التعاطف مع الغير هو الذي يبني العلاقات الإنسانية، فمشاطرة الغير أفراحهم وأتراحهم تمكّن الذات من التعرّف على نفسها، ومثاله الألم الذي يشترك فيه الأبوان عند فقد ولدهما. ويؤكّد علماء الاجتماع أنّ الإنسان اجتماعي بطبعه تابع لمجتمعه، ويرى واطسن مؤسّس السلوكية أنّ التربية والبيئة تصنعان الطفل كما تشاء. ويشهد للواقع أنّ الطفل لا يعرف أنّ الصورة في المرآة صورته إلّا بتعليم من أمّه، وأنّ كثيراً من الناس لم يكتشفوا مواهبهم حتى نبّههم إليها أستاذ أو صديق.

نقده: لقد بالغ أنصار الموقف الثاني في ردّهم معرفة الذات إلى الغير، ذلك أنّ لكلّ ذات خصوصياتها ومميّزاتها التي تميّزها عن الغير، فلكلّ ذات كيانها وهويّتها الخاصّة بها. كما أنّ ربط التواصل مع الغير في إطار علاقة التناقض والصراع لا يؤدّي إلى الاعتراف بالآخر، بل إلى شيوع قانون الغاب، وهو منطق لا يتناسب مع كرامة الإنسان ورقيّ عقله.

ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي

إنّ معرفة الذات لذاتها تتوقّف على الوعي والشعور، لأنّ الشعور أساس إدراك المرء لما يجول في ذاته وتحديد طبيعتها، لكنّ هذه المعرفة ليست مستقلّة عن معرفة الأنا للغير، فهذا الأنا لا يحدّد ماهيته إلّا من خلال معرفته للأنا الآخر، وعليه فالفرد يعرف ذاته من خلال ذاته ومن خلال تعايشه مع الآخرين. والذي أراه أنّ الخلاف بين الفريقين قائم على خلط بين سؤالين: سؤال الوجود وسؤال الهوية. فأنا أعرف بوعيي وحده أنّي موجود أفكّر وأتألّم، ولا أعرف إلّا بالغير أنّي كريم أو بخيل، لأنّ هذه صفات لا تظهر إلّا في المعاملة. وأساس هذا الترجيح أنّ من عاش وحده لا يعرف من أخلاقه شيئاً، إذ الأخلاق لا تظهر إلّا مع من نعامله. فالغير عندي مرآة لا قاضٍ: أستعين به لأرى ما لا أراه من نفسي، ولا أسلّمه حقّ الحكم عليّ.

حلّ المشكلة

وفي الأخير نستنتج أنّ إدراك المرء لذاته لا يحصل دون وجود الوعي والغير في الوقت نفسه، لأنّ الإنسان في تعامله مع الآخرين من أفراد مجتمعه يتصرّف بوعي، ويوفّق بين ما يقوله الآخرون عنه وما يعتقده في نفسه، لأنّ الشخصية التي تمثّل الأنا تتكامل فيها الجوانب الذاتية والموضوعية. فالأنا لا يُبنى في عزلة ولا يُملى من الخارج: الوعي يعطيه وجوده، والغير يعطيه صورته.

---

تحويل المقالة إلى استقصاء بالوضع

نصّ السؤال المحتمل: «معرفة الذات تتأسّس على التواصل مع الغير» أثبت صحّة هذه الأطروحة.

| ما عندك في الدرس | ما تفعل به | | :--- | :--- | | الموقف الثاني وحججه وأقواله | الأطروحة مفصّلة: هيجل، وسارتر، وشيلر | | نقد الموقف الثاني | يُحذف | | الموقف الأوّل وحججه | منطق الخصوم مختصراً: ديكارت وبرغسون | | نقد الموقف الأوّل | يُوسَّع: الاستبطان متحيّز، والعين لا ترى نفسها | | أمثلة المرآة والموهبة والأطفال المعزولين | حججك الشخصية | | الخاتمة | تُبدَّل: الأطروحة صحيحة يمكن الأخذ بها |

ومقدّمة الوضع:

> شاع بين بعض الفلاسفة أنّ الأنا يعرف ذاته بذاته في استقلال تامّ عن الغير، في حين هناك فكرة مناقضة ترى أنّ معرفة الذات تتأسّس على التواصل مع الغير. وإذا سلّمنا بصحّة هذه الأطروحة، فكيف يمكننا إثباتها والدفاع عنها؟ — قالب مقدّمة الوضع

ماذا تحفظ؟

  • **خريطة المواقف** في الجزء الأوّل.
  • **ثلاثة أسماء لكلّ موقف**: ديكارت وبرغسون ومين دي بيران في الأوّل، وهيجل وسارتر وشيلر في الثاني.
  • **ثلاثة أقوال**: ديكارت وبروتاغوراس للموقف الأوّل، وسارتر («لكي أحصل على أيّ حقيقة عن نفسي لا بدّ أن أمرّ بالآخر») للموقف الثاني.
  • **مثالان**: الطفل والمرآة، والحزن الذي لا يشعر به الغير كما تشعر به أنت.
  • **جملة التركيب**: الوعي يعطي الوجود والغير يعطي الصورة.

الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.

تمرّن على هذا الدرس

تمارين درس معرفة الذات: بالوعي أم بالغير؟ (70 تمريناً) — تمارين مصحّحة، أوّلها مفتوح للجميع.

مواضيع بكالوريا الفلسفة

كل مواضيع بكالوريا الفلسفة

دروس أخرى في الفلسفة