الحرية: هل الإنسان مخيَّر أم مسيَّر؟

مقالة جدلية في حرية الإنسان بين أنصار الاختيار وأنصار الجبر والحتميات، بحججها الشرعية والعقلية والنفسية وأقوالها وأمثلتها.

يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: تأطير المشكلة والحتميات الأربع، الموقف الأوّل: الإنسان مخيَّر، الموقف الثاني: الإنسان مسيَّر، التركيب والرأي الشخصي، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.

تأطير المشكلة والحتميات الأربع

تأطير المشكلة والحتميات الأربع

1. عائلة الأسئلة

  • هل الإنسان مخيَّر أم مسيَّر؟
  • هل الإنسان حرّ حرّية مطلقة أم أنّ هذا الشعور مجرّد وهم؟
  • هل الحرية مجرّد وهم؟
  • هل الحرية مجرّد حالة شعورية أم ممارسة عملية؟
  • «قيل إنّ الحتمية أساس الحرية» أثبت بالبرهان صحّة هذه الأطروحة.

2. المفاهيم الأساسية

| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | الحرية | قدرة الإنسان على الفعل أو تركه بإرادته، وغياب الإكراه. | | الجبر | مذهب يرى أنّ الإنسان مقهور في أفعاله لا اختيار له. | | الحتمية | خضوع الظواهر لقوانين ضرورية تجعل النتيجة تلزم عن سببها. | | الاختيار | الترجيح بين فعلين ممكنين. | | الكسب | مذهب الأشاعرة: الفعل خلقاً لله وكسباً للعبد. | | التحرّر | فعل عملي بالانتقال من قيد إلى قدرة على التصرّف فيه. |

3. جذر المشكلة

الإنسان كائن عاقل يسعى إلى فهم ذاته وما يحيط بها، والحرية من أهمّ ما يسعى إلى اكتسابه والتمتّع به. غير أنّه يجد نفسه محاطاً بضرورات لم يخترها: وُلد في زمان ومكان وأسرة ولغة لم يخترها، ويخضع لقوانين الطبيعة كما تخضع الأجسام.

فهل هو حرّ حقّاً؟ اختلف الفلاسفة: فمنهم من قال إنّه حرّ حرّية مطلقة، ومنهم من قال إنّه مقيّد وإنّ شعوره بالحرية وهم.

4. الحتميات الأربع

هذا الجدول هو عمود الموقف الثاني، فاحفظه.

| الحتمية | مصدرها | مثالها | | :--- | :--- | :--- | | الطبيعية أو الفيزيائية | قوانين الطبيعة | الجاذبية، والحرارة والبرودة، وتعاقب الليل والنهار | | البيولوجية | الوراثة والتركيب العضوي | الصفات الموروثة، والجنس، والاستعداد للمرض | | النفسية | الدوافع والميول والرغبات اللاشعورية | ما يؤثّر في السلوك دون أن يعيه صاحبه | | الاجتماعية | الوسط الذي نشأ فيه الفرد | اللغة، والعادات، والدين، والأخلاق، والذوق |

5. صيغة جاهزة للمقدّمة

> إذا كان الإنسان هو الكائن العاقل الذي يسعى دائماً إلى فهم ذاته وما يحيط بها، ويحاول إدراك ما حوله للوصول إلى حرّيته، وهي من الموضوعات التي يهدف إلى اكتسابها والتمتّع بها، فقد اختلف الفلاسفة حول حرّية الإنسان بين قائل بأنّه حرّ حرّية مطلقة وقائل بأنّه مقيّد. ومن هنا، ورفعاً للتعارض بين الموقفين، نتساءل: هل الإنسان حرّ حرّية مطلقة أم أنّ هذا الشعور مجرّد وهم والحرية لا وجود لها؟ وبعبارة أخرى: هل الإنسان مخيَّر أم مسيَّر؟ — قالب المقدّمة

6. خريطة المواقف

| | الموقف الأوّل | الموقف الثاني | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | الإنسان حرّ مخيَّر | الإنسان مقيَّد مسيَّر | | ممثّلوه | المعتزلة، ديكارت، كانط، برغسون، سارتر | الجهمية، سبينوزا، فرويد، دوركايم، مندل | | الدليل الأوّل | الشعور الباطني بالاختيار | الحتميات الأربع | | الدليل الثاني | التكليف والمسؤولية والحساب | القدرة الإلهية المطلقة وقوانين الكون | | تعريف الحرية عنده | غياب الإكراه الداخلي والخارجي | لا وجود لها، والشعور بها وهم |

الموقف الأوّل: الإنسان مخيَّر

الموقف الأوّل: الإنسان مخيَّر

1. ضبط الموقف

يرى أنصار الحرية أنّ الإنسان حرّ في اختيار أفعاله، وأنّ إرادته هي العلّة الأولى لما يصدر عنه.

ومن ممثّليه: المعتزلة بزعامة واصل بن عطاء، وديكارت، وكانط، وبرغسون، وسارتر.

2. حجج المعتزلة

الحجّة العقلية الأولى: لو كانت أفعال العباد من صنع الله كما تدّعي الجبرية، فلماذا يحاسبهم عليها يوم القيامة؟ فالحساب على فعل لم يفعله المرء ظلم، والله منزّه عنه.

الحجّة العقلية الثانية: لو كان الله هو الذي يخلق أفعال العباد ومنها الكفر والعصيان، لكان كمن لا يرضى عمّا عمل ويغضب ممّا خلق، وهذا لا يقبله عاقل.

الحجج الشرعية:

> ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ — سورة الكهف، الآية 29

> ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ — سورة الزلزلة، الآيتان 7 و8

الحجّة النفسية: شعور الإنسان وإرادته هي العلّة الأولى لأفعاله، وهي منحصرة في قرارة نفسه. فالإنسان يجد من نفسه وقوع الفعل: إذا أراد الحركة تحرّك، وإذا أراد السكون سكن. وبالتالي فهو مكلَّف ومسؤول.

3. حجج الفلاسفة

عند ديكارت: إرادة الإنسان تتمثّل في الاختيار الحرّ المستقلّ عن العوائق الخارجية، وهذا ما تثبته التجربة النفسية، إذ يشعر كلّ فرد بأنّه يتمتّع بإرادة لا تحدّها حدود.

> «إنّ حرية إرادتنا تُعرَف بلا برهان، بالتجربة وحدها التي لدينا عنها» — رينيه ديكارت

عند برغسون: الحرية مسألة داخلية تتعلّق بالحياة النفسية، فهي عين ديمومة الذات، وليست موضوعاً للتفكير أو التحليل، بل معطى مباشر للشعور.

> «نكون أحراراً حين تصدر أفعالنا عن شخصيّتنا كلّها، وحين تعبّر عنها» — هنري برغسون

عند كانط: للإنسان القدرة على الاختيار بين الخير والشرّ، ولا يمكن أن نصدر حكماً أخلاقياً على سلوك ما لم يكن صاحبه حرّاً. فالواجب الأخلاقي دليل على الحرية، إذ لا قيمة للواجب إذا انعدمت.

> «إذا كان يجب عليك فأنت إذن تستطيع» — إيمانويل كانط

عند سارتر: الوجود الحقيقي ميزة يمتاز بها الإنسان، لأنّه يتطلّب الاختيار والحرية، فالوجود مرادف للحرية.

> «ليس ثمّة فرق بين وجود الإنسان ووجوده حرّاً» — جان بول سارتر

4. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ التردّد قبل القرار: حين تقف بين اختيار شعبة وأخرى وتوازن بينهما ساعات، فأنت تعيش الحرية فعلاً لا تتصوّرها. ولو كنت مسيَّراً لما كان للتردّد معنى.

المثال الثاني ــ الندم: لا يندم الإنسان إلّا على ما كان في وسعه ألّا يفعله. فوجود الندم في كلّ نفس دليل على الشعور بالاختيار.

المثال الثالث ــ القانون والمحاكم: كلّ نظام قضائي في العالم يعاقب على الفعل العمد ويخفّف عن المكرَه. فالقانون نفسه مبنيّ على افتراض الحرية.

المثال الرابع ــ الإضراب عن الطعام: إنسان يمتنع عن أقوى دافع بيولوجي وهو الجوع من أجل فكرة. فهنا تتجلّى الحرية في تحدّي الحتمية البيولوجية نفسها.

المثال الخامس ــ من التاريخ الجزائري: شعب اختار الثورة على أن يبقى في الأمان تحت الاستعمار. ولو كان الإنسان مسيَّراً بحتميات مصلحته المباشرة لما وقعت ثورة في التاريخ.

5. نقد الموقف الأوّل

النقد الأوّل ــ في المضمون: رغم ما قدّموه من حجج فقد بالغوا كثيراً، لأنّهم أكّدوا حرّية مطلقة للإنسان تتحدّى قوانين الكون، وأهملوا الحتميات التي تتحكّم في سلوكه، فهو يخضع لظروف نفسية واجتماعية وبيولوجية.

النقد الثاني ــ في الشكل: تعريف الحرية بأنّها غياب كلّ إكراه داخلي أو خارجي تعريف ميتافيزيقي لا وجود له في الواقع. فما من إنسان بلا قيد.

النقد الثالث ــ الشعور قد يخدع: فالاستدلال بالشعور استدلال بما لا يُوثَق به.

> «يظنّ الناس أنّهم أحرار لأنّهم يجهلون الأسباب التي تسوقهم إلى أن يرغبوا أو يشتهوا» — باروخ سبينوزا

النقد الرابع: سارتر نفسه ينفي الحرية من حيث أراد إثباتها حين قال إنّنا محكوم علينا بأن نكون أحراراً، فكيف تكون الحرية حكماً مفروضاً؟ وأمّا حرية برغسون فهي حرية الفرد المنعزل، والواقع أنّ الحرية فعل يُمارَس داخل الوسط الاجتماعي.

6. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> يرى عدد من مناصري الحرية، وخاصّة المعتزلة وديكارت وكانط وبرغسون وسارتر، أنّ الإنسان حرّ في اختيار أفعاله. فترى المعتزلة بزعامة واصل بن عطاء أنّ أفعال الإنسان نتيجة اختياره التامّ، والدليل العقلي أنّه لو كانت أفعال العباد من صنع الله لما صحّ أن يحاسبهم عليها، ولكان كمن يغضب ممّا خلق. ومن الأدلّة الشرعية قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. ومن الحجج النفسية أنّ الإنسان يجد من نفسه وقوع الفعل، فإذا أراد الحركة تحرّك وإذا أراد السكون سكن. ويرى ديكارت أنّ الحرية يشهد بها الشعور مباشرة، فيقول: «إنّ حرية إرادتنا تُعرَف بلا برهان، بالتجربة وحدها التي لدينا عنها». ويرى برغسون أنّ الحرية معطى مباشر للشعور فيقول: «نكون أحراراً حين تصدر أفعالنا عن شخصيّتنا كلّها، وحين تعبّر عنها». ويرى كانط أنّ الواجب الأخلاقي دليل الحرية فيقول: «إذا كان يجب عليك فأنت إذن تستطيع». ويشهد للواقع أنّ كلّ نظام قضائي يعاقب على العمد ويخفّف عن المكرَه، فالقانون مبنيّ على افتراض الحرية. ونقده: رغم قوّة هذه الحجج فقد بالغوا حين أكّدوا حرّية مطلقة تتحدّى قوانين الكون، وأهملوا الحتميات النفسية والاجتماعية والبيولوجية، ثمّ إنّ الشعور قد يخدع، ولهذا يقول سبينوزا: «يظنّ الناس أنّهم أحرار لأنّهم يجهلون الأسباب التي تسوقهم إلى أن يرغبوا». — قالب الموقف الأوّل ونقده

الموقف الثاني: الإنسان مسيَّر

الموقف الثاني: الإنسان مسيَّر

1. ضبط الموقف

يرى أنصار هذا الاتجاه أنّ الإنسان مقيَّد في أفعاله، إمّا بقدرة متعالية وإمّا بحتميات طبيعية ونفسية واجتماعية، وأنّ شعوره بالحرية وهم.

ومن ممثّليه: الجهمية بزعامة جهم بن صفوان، وسبينوزا، وفرويد، ودوركايم، ومندل.

2. حجج الجبرية

يؤكّد جهم بن صفوان أنّ الإنسان يخضع لضرورة متعالية هي القدرة الإلهية، فالله خلق الإنسان وحدّد أفعاله بقدرته المطلقة، لأنّ إثبات القدرة لله يستوجب نفيها عن العبد.

وأدلّتهم: أنّ الله وحده الخالق ولا خالق غيره، وأنّ الثواب والعقاب قضاء وقدر، وأنّ الأفعال تُنسب إلى الإنسان على سبيل المجاز لا الحقيقة، كما تُنسب الأفعال إلى الجمادات.

وتنقل كتب الفرق عن جهم أنّه لا فعل لأحد في الحقيقة إلّا لله وحده، وأنّ الأفعال تُنسب إلى الناس على المجاز، كما يُقال: تحرّكت الشجرة وزالت الشمس.

ومن أدلّتهم الشرعية:

> ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ — سورة التوبة، الآية 51

> ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ — سورة الأعراف، الآية 188

حجّة سبينوزا: كلّ ما في الطبيعة يصدر عن ضرورة، والإنسان جزء من الطبيعة لا كدولة داخل دولة. فالشعور بالحرية جهل بالأسباب: ويضرب لذلك في إحدى رسائله مثل الحجر الذي يتحرّك بدفع غيره، فلو كان يعي حركته ويجهل علّتها لظنّ أنّه يتحرّك بإرادته. فالحرية عنده ليست اختياراً بلا سبب، بل فهمٌ للضرورة التي تحكمنا.

3. حجج أنصار الحتمية

الحتمية الطبيعية: الإنسان يعيش في وسط طبيعي فيه قوانين كالجاذبية والحرارة والبرودة وتعاقب الليل والنهار، فهو يخضع لها بالضرورة، ويسري عليه ما يسري على سائر الأجسام.

الحتمية الاجتماعية: يؤكّد دوركايم أنّ سلوك الإنسان خاضع لشروط اجتماعية، لأنّ أفكاره وثقافته وعاداته ولغته ودينه وأخلاقه مكتسبة من الوسط الاجتماعي.

> «إذا تكلّم الضمير فينا فإنّ المجتمع هو الذي يتكلّم» — إميل دوركايم

الحتمية النفسية: يؤكّد فرويد أنّ سلوك الإنسان يخضع لشروط نفسية تتمثّل في الدوافع والميول والرغبات اللاشعورية المكبوتة، أي التي تؤثّر فيه دون أن يعي ذلك. فكثير من الأفعال النفسية يفترض تفسيرها أفعالاً أخرى لا تتمتّع بشهادة الشعور.

الحتمية البيولوجية: يؤكّد علماء الوراثة أنّ الإنسان يولد حاملاً لصفات موروثة لم يخترها، تحدّد جانباً من قدراته واستعداداته.

4. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ اللغة: تفكّر بلغة لم تخترها، وتسمّي الأشياء بأسماء ورثتها. فحتى حوارك مع نفسك يجري بأداة صنعها المجتمع.

المثال الثاني ــ الإدمان: المدمن يريد أن يقلع ولا يستطيع. فإرادته موجودة وحرّيته معطّلة، وهذا مثال حيّ على الحتمية النفسية والبيولوجية معاً.

المثال الثالث ــ المحيط الاجتماعي: طفلان يولدان في اليوم نفسه، أحدهما في أسرة متعلّمة ميسورة والآخر في حيّ محروم، ففرص كلّ واحد منهما ليست فرص الآخر، وهو لم يختر أسرته.

المثال الرابع ــ الأمراض الوراثية: من يولد حاملاً لمرض وراثي لم يختر ذلك، وحياته كلّها تتشكّل حول ما لم يفعله.

المثال الخامس ــ زلّات اللسان: يقول المرء كلمة لم يردها فتكشف ما يخفيه. وفرويد يرى في ذلك دليلاً على أنّ اللاشعور يتكلّم نيابة عن صاحبه.

5. نقد الموقف الثاني

النقد الأوّل ــ في المضمون: صحيح ما ذكروه من حتميات، لكنّهم بالغوا كثيراً حين نفوا حرّية الإنسان نفياً مطلقاً. فالاعتقاد بالقيد المطلق إنكار مجحف لما يجده الإنسان من نفسه.

النقد الثاني ــ شرعي: القول بالجبر يتعارض مع التكاليف الشرعية المبنية على الوعي والحرية، فالإنسان المكلَّف شرعاً هو الإنسان الواعي الحرّ العاقل. فلو كان مجبراً لبطل التكليف والثواب والعقاب.

النقد الثالث ــ عملي: الإيمان بالجبر يؤدّي إلى الاستسلام والكسل والركون إلى القضاء والقدر. فإذا كان ما يحدث يحدث بالضرورة، فما الفائدة من بذل الجهد؟ وهذا يهدم العمل والسعي من أساسهما.

النقد الرابع ــ في الشكل: الاستدلال بالحتميات يخلط بين التأثّر والتحدّد. فكون الوسط يؤثّر فيّ لا يعني أنّه يحدّدني تحديداً كاملاً، وإلّا لتشابه كلّ من نشؤوا في وسط واحد، والواقع يكذّب ذلك.

6. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> في مقابل الموقف السابق ترى الجبرية بزعامة جهم بن صفوان أنّ الإنسان يخضع لضرورة متعالية هي القدرة الإلهية، فالله خلق الإنسان وحدّد أفعاله بقدرته المطلقة، وأنّ الأفعال تُنسب إلى الإنسان على المجاز لا الحقيقة، ولهذا يُنقل عن جهم أنّه لا فعل في الحقيقة إلّا لله وحده. ومن أدلّتهم الشرعية قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. ويرى أنصار الحتمية وخاصّة فرويد ودوركايم أنّ الإنسان يخضع لحتميات في حياته: فالحتمية الطبيعية تجعله خاضعاً لقوانين الجاذبية والحرارة كسائر الأجسام، والحتمية الاجتماعية تجعل أفكاره ولغته وعاداته مكتسبة من وسطه، ويقول دوركايم: «إذا تكلّم الضمير فينا فإنّ المجتمع هو الذي يتكلّم»، والحتمية النفسية تجعل سلوكه خاضعاً لدوافع لاشعورية تؤثّر فيه دون أن يعيها كما أثبت فرويد، والحتمية البيولوجية تجعله يولد حاملاً لصفات وراثية لم يخترها. ويشهد للواقع أنّ المدمن يريد الإقلاع ولا يستطيع، وأنّ طفلين يولدان في اليوم نفسه فلا تكون فرص أحدهما فرص الآخر. ونقده: صحيح ما أدلوا به، لكنّهم بالغوا حين نفوا الحرية نفياً مطلقاً، والاعتقاد بالقيد المطلق إنكار مجحف، ويتعارض مع التكاليف الشرعية المبنية على الوعي والحرية، ثمّ إنّ الإيمان بالجبر يؤدّي إلى الاستسلام والكسل، فإذا كان ما يحدث يحدث بالضرورة فما الفائدة من بذل الجهد؟ — قالب الموقف الثاني ونقده

التركيب والرأي الشخصي

التركيب والرأي الشخصي

1. التركيب الأوّل: الحتمية قيد نسبي لا مطلق

القول بالحتمية لا يعني تكبيل الإنسان، لأنّه بعقله استطاع أن يتحرّر من مختلف الحتميات. فالحتمية تفيد القيد النسبي لا المطلق، بدليل أنّ الإنسان المعاصر تمكّن بواسطة العلم والتقنية من اكتشاف القوانين التي تتحكّم في الظواهر الطبيعية والبيولوجية والإنسانية، ومعرفة القانون أوّل خطوة في التحرّر منه.

> «كلّ خطوة خطاها الإنسان في سبيل الحضارة لم تكن سوى مرحلة من مراحل تحرّره» — فريدريك إنجلز

فالحرية ليست غياب الحتمية بل معرفتها: فمن عرف قانون الجاذبية بنى الطائرة، ومن عرف قانون المرض صنع اللقاح.

2. التركيب الثاني: مذهب الكسب عند الأشاعرة

ترى الأشاعرة بزعامة أبي الحسن الأشعري أنّ أفعال الإنسان لله خلقاً وإبداعاً، وللإنسان كسباً ووقوعاً. فالفعل يُنسب إلى فاعلين: لله من جهة الخلق والاستطاعة، وللعبد من جهة الإرادة التي تختار فعلاً من أفعال ممكنة.

فالحرية موجودة لكن ضمن شروط: فالله خلق الفرد وجعل له القدرة على الفعل وقيّدها بشروط.

3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً

الصيغة الأولى ــ الحرية نسبية

> والذي أراه أنّ الحرية نسبية لا مطلقة، وأنّ السؤال «مخيَّر أم مسيَّر؟» سؤال يفرض اختياراً بين طرفين لا يصحّ واحد منهما وحده. وأساس هذا الترجيح أنّ الإنسان يجد نفسه في كلّ لحظة أمام مجال من الممكنات محدود لا مفتوح: فهو لا يستطيع كلّ شيء، ولكنّه يستطيع شيئاً، وفي هذا «الشيء» تكمن حرّيته ومسؤوليته معاً. — قالب الرأي الأوّل

الصيغة الثانية ــ الحتمية أساس الحرية

> وأرجّح أنّ الحتمية ليست ضدّ الحرية بل شرطها. فلو كان العالم فوضى لا قانون فيه لما استطاع الإنسان أن يخطّط لفعل ولا أن يتوقّع نتيجته، ولصار كلّ اختيار عبثاً. وأساس هذا الترجيح أنّ الطبيب لا يشفي إلّا لأنّه يعرف قانون المرض، والمهندس لا يبني إلّا لأنّه يعرف قانون المادة. فالقانون هو الذي يجعل الفعل الحرّ ممكناً ومثمراً. — قالب الرأي الثاني

الصيغة الثالثة ــ الحرية ممارسة لا شعور

> وأميل إلى أنّ الحرية ليست حالة شعورية بل ممارسة عملية يومية أساسها التحرّر. فالشعور بالحرية قد يكون وهماً كما بيّن سبينوزا، أمّا التحرّر فأمر يُرى في الواقع: في من تعلّم فتحرّر من الجهل، ومن عمل فتحرّر من الحاجة، ومن قاوم فتحرّر من الاستعمار. ولهذا فالحرية تُقاس بما يُنجَز لا بما يُشعَر به. — قالب الرأي الثالث

4. صيغ جاهزة للخاتمة

الصيغة الأولى

> ختاماً وممّا سبق يمكننا القول إنّ الحرية تبقى من أعقد المشكلات الفلسفية، لأنّ القول بأنّها مطلقة مبالغ فيه، فهي نسبية ما دام الفرد كلّما تحرّر من حتمية وجد نفسه أمام حتمية أخرى، كما أنّ التسليم بأنّها وهم نفي للوجود الفردي ولكلّ معنى للتكليف والمسؤولية. — قالب الخاتمة الأولى

الصيغة الثانية

> وصفوة القول إنّ الإنسان ليس مخيَّراً في كلّ شيء ولا مسيَّراً في كلّ شيء، بل هو كائن يتحرّر: يولد مقيَّداً بما لم يختره، ويقضي حياته في توسيع دائرة ما يستطيع اختياره. فالحرية عنده ليست حالة يولد بها، بل مهمّة يُنجزها. — قالب الخاتمة الثانية

5. تنبيه في التنقيط

في هذا الدرس تكثر الحجج الشرعية، وهي مقبولة ومنقّطة ضمن بند الأمثلة والأقوال. ولكن احرص على دقّة الآية، فنقل آية بلفظ خاطئ يُسقط بند «صحّة المادة المعرفية». فإن لم تكن حافظاً للآية بنصّها فاذكر معناها بلا اقتباس.

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

نصّ السؤال: هل الإنسان مخيَّر أم مسيَّر؟

طرح المشكلة

إذا كان الإنسان هو الكائن العاقل الذي يسعى دائماً إلى فهم ذاته وما يحيط بها، ويحاول إدراك ما حوله للوصول إلى حرّيته، وهي من الموضوعات التي يهدف إلى اكتسابها والتمتّع بها، فقد اختلف الفلاسفة حول حرّية الإنسان بين قائل بأنّه حرّ حرّية مطلقة وقائل بأنّه مقيَّد. ومن هنا، ورفعاً للتعارض والجدال بين الموقفين، حقّ لنا أن نتساءل: هل الإنسان حرّ حرّية مطلقة أم أنّ هذا الشعور مجرّد وهم والحرية لا وجود لها؟ وبعبارة أخرى: هل الإنسان مخيَّر أم مسيَّر؟

محاولة حلّ المشكلة

أوّلاً: الموقف الأوّل ــ الإنسان مخيَّر

يرى عدد من مناصري الحرية، وخاصّة المعتزلة وبرغسون وكانط، أنّ الإنسان حرّ في اختيار أفعاله. فترى المعتزلة بزعامة واصل بن عطاء أنّ الإنسان حرّ في سلوكه، وأنّ أفعاله نتيجة اختياره التامّ ووعيه. والدليل على ذلك عقلاً أنّه لو كانت أفعال العباد من صنع الله كما تدّعي الجبرية فلماذا يحاسبهم عليها يوم القيامة؟ ولو كان الله هو الذي يخلق أفعال العباد ومنها الكفر والعصيان لكان كمن لا يرضى عمّا عمل ويغضب ممّا خلق، وهذا لا يقبله عاقل. وإلى جانب ذلك حجج شرعية كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. وحجّة نفسية مفادها أنّ إرادة الإنسان هي العلّة الأولى لأفعاله، فهو يجد من نفسه وقوع الفعل: إذا أراد الحركة تحرّك وإذا أراد السكون سكن، وبالتالي فهو مكلَّف ومسؤول. والرأي نفسه عند برغسون الذي يعتقد أنّ الحرية مسألة داخلية تتعلّق بالحياة النفسية، فهي عين ديمومة الذات ومعطى مباشر للشعور، ويقول: «نكون أحراراً حين تصدر أفعالنا عن شخصيّتنا كلّها، وحين تعبّر عنها». ويرى ديكارت أنّ حرية الإرادة يشهد بها الشعور مباشرة فيقول: «إنّ حرية إرادتنا تُعرَف بلا برهان، بالتجربة وحدها التي لدينا عنها». أمّا كانط فيرى أنّ الإنسان قادر على الاختيار بين الخير والشرّ، ولا يمكن إصدار حكم أخلاقي على سلوك ما لم يكن صاحبه حرّاً، ولهذا يقول: «إذا كان يجب عليك فأنت إذن تستطيع». ومن أنصار الحرية أيضاً سارتر الذي يرى أنّ الوجود مرادف للحرية فيقول: «ليس ثمّة فرق بين وجود الإنسان ووجوده حرّاً». ويشهد للواقع أنّ كلّ نظام قضائي في العالم يعاقب على الفعل العمد ويخفّف عن المكرَه، فالقانون نفسه مبنيّ على افتراض الحرية.

نقده: لكن رغم ما قدّمه أنصار الحرية من حجج فقد بالغوا كثيراً، لأنّهم أكّدوا حرّية مطلقة للإنسان تتحدّى قوانين الكون، وأهملوا الحتميات التي تتحكّم في سلوكه، فهو يخضع لظروف نفسية واجتماعية وبيولوجية. وتعريف الحرية بأنّها غياب كلّ إكراه داخلي أو خارجي تعريف ميتافيزيقي لا وجود له في الواقع. كما أنّهم برهنوا بحجج يغلب عليها الشعور، والشعور قد يخدع، ولهذا يقول سبينوزا: «يظنّ الناس أنّهم أحرار لأنّهم يجهلون الأسباب التي تسوقهم إلى أن يرغبوا أو يشتهوا».

ثانياً: الموقف الثاني ــ الإنسان مسيَّر

في مقابل ذلك ترى الجهمية بزعامة جهم بن صفوان أنّ الإنسان يخضع لضرورة متعالية هي القدرة الإلهية، فالله خلق الإنسان وحدّد أفعاله بقدرته المطلقة، لأنّ إثبات القدرة لله يستوجب نفيها عن العبد. ومن أدلّتهم أنّ الله وحده الخالق، وأنّ الأفعال تُنسب إلى الإنسان على سبيل المجاز لا الحقيقة كما تُنسب إلى الجمادات، ويُنقل عن جهم بن صفوان أنّه لا فعل لأحد في الحقيقة إلّا لله وحده، وأنّ الناس إنّما تُنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يُقال: زالت الشمس وتحرّكت الشجرة، ومن حججهم الشرعية قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. ويرى أيضاً عدد من أنصار الحتمية وخاصّة فرويد ودوركايم أنّ الإنسان يخضع لحتميات في حياته اليومية: فالحتمية الطبيعية تجعله يعيش في وسط فيه قوانين كالجاذبية والحرارة وتعاقب الليل والنهار فيسري عليه ما يسري على الأجسام. والحتمية الاجتماعية يؤكّدها دوركايم بأنّ أفكار الفرد وثقافته وعاداته ولغته ودينه مكتسبة من الوسط الاجتماعي، ويقول: «إذا تكلّم الضمير فينا فإنّ المجتمع هو الذي يتكلّم». والحتمية النفسية يؤكّدها فرويد بأنّ سلوك الإنسان يخضع لدوافع وميول لاشعورية مكبوتة تؤثّر فيه دون أن يعي ذلك. والحتمية البيولوجية يؤكّدها علماء الوراثة بأنّ الإنسان يولد حاملاً لصفات موروثة لم يخترها. ويشهد للواقع أنّ المدمن يريد الإقلاع ولا يستطيع، وأنّ طفلين يولدان في اليوم نفسه في وسطين مختلفين فلا تكون فرص أحدهما فرص الآخر.

نقده: صحيح ما أدلى به أنصار الجبرية والحتميات، لكنّهم بالغوا كثيراً عندما نفوا حرّية الإنسان نفياً مطلقاً، فالاعتقاد بالقيد المطلق إنكار مجحف لحرّية الإنسان، ويتناقض مع التكاليف الشرعية المبنية على الوعي والحرية، فالإنسان المكلَّف شرعاً هو الواعي الحرّ العاقل. كما أنّ الإيمان بالجبر يؤدّي إلى الاستسلام والكسل والركون إلى القضاء والقدر، فإذا كان ما يحدث يحدث بالضرورة فما الفائدة من بذل الجهد؟

ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي

إنّ القول بالحتمية لا يعني تكبيل الإنسان، لأنّه بعقله استطاع أن يتحرّر من مختلف الحتميات، فالحتمية تفيد القيد النسبي لا المطلق، بدليل أنّ الإنسان المعاصر تمكّن بواسطة العلم والتقنية من اكتشاف القوانين التي تتحكّم في الظواهر الطبيعية والبيولوجية والإنسانية، ولهذا يقول إنجلز: «كلّ خطوة خطاها الإنسان في سبيل الحضارة لم تكن سوى مرحلة من مراحل تحرّره». كما ترى الأشاعرة بزعامة أبي الحسن الأشعري أنّ أفعال الإنسان لله خلقاً وإبداعاً وللإنسان كسباً ووقوعاً، فالفعل يُنسب إلى فاعلين: لله الخلق والاستطاعة، وللعبد الإرادة التي تختار فعلاً من أفعال ممكنة، وبالتالي فالحرية موجودة لكن ضمن شروط. والذي أراه أنّ الحتمية ليست ضدّ الحرية بل شرطها، فلو كان العالم فوضى لا قانون فيه لما استطاع الإنسان أن يخطّط لفعل ولا أن يتوقّع نتيجته، ولصار كلّ اختيار عبثاً. وأساس هذا الترجيح أنّ الطبيب لا يشفي إلّا لأنّه يعرف قانون المرض، والمهندس لا يبني إلّا لأنّه يعرف قانون المادة، فمعرفة القانون هي أوّل خطوة في التحرّر منه.

حلّ المشكلة

ختاماً وممّا سبق يمكننا القول إنّ الحرية تبقى من أعقد المشكلات الفلسفية، لأنّ القول بأنّها مطلقة مبالغ فيه، فهي نسبية ما دام الفرد كلّما تحرّر من حتمية وجد نفسه أمام حتمية أخرى، كما أنّ التسليم بأنّها وهم نفي للوجود الفردي ولكلّ معنى للتكليف والمسؤولية. فالإنسان ليس مخيَّراً في كلّ شيء ولا مسيَّراً في كلّ شيء، بل هو كائن يتحرّر: يولد مقيَّداً بما لم يختره، ويقضي حياته في توسيع دائرة ما يستطيع اختياره.

---

تحويل المقالة إلى استقصاء بالوضع

نصّ السؤال المحتمل: «قيل إنّ الحتمية أساس الحرية» أثبت بالبرهان صحّة هذه الأطروحة.

| ما عندك في الدرس | ما تفعل به | | :--- | :--- | | التركيب الأوّل وقول إنجلز | الأطروحة: معرفة القانون شرط التحرّر | | حجج الحتمية عند الموقف الثاني | تُوظَّف داخل الأطروحة لبيان أنّ القانون موجود | | القول بالحرية المطلقة | منطق الخصوم مختصراً | | نقد الموقف الأوّل | يُوسَّع: الحرية المطلقة وهم، والشعور يخدع | | أمثلة الطائرة واللقاح والسدّ | حججك الشخصية | | الخاتمة | تُبدَّل: الأطروحة صحيحة، فالحتمية أساس الحرية |

ومقدّمة الوضع:

> شاع بين بعض المفكّرين أنّ الحتمية نقيض الحرية وأنّ وجود القوانين يلغي الاختيار، في حين هناك فكرة مناقضة ترى أنّ الحتمية أساس الحرية. وإذا سلّمنا بصحّة هذه الأطروحة، فكيف يمكننا إثباتها والدفاع عنها؟ — قالب مقدّمة الوضع

ماذا تحفظ؟

  • **جدول الحتميات الأربع** ومثال لكلّ واحدة.
  • **ثلاثة أسماء لكلّ موقف**: المعتزلة وبرغسون وكانط، والجهمية وفرويد ودوركايم.
  • **أربعة أقوال**: كانط، وسبينوزا، ودوركايم، وإنجلز، وآية واحدة لكلّ موقف.
  • **مثالان**: المدمن الذي يريد ولا يستطيع، والقانون الذي يعاقب على العمد.
  • **جملة التركيب**: الحتمية قيد نسبي لا مطلق، ومعرفة القانون أوّل التحرّر.

الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.

تمرّن على هذا الدرس

تمارين درس الحرية: هل الإنسان مخيَّر أم مسيَّر؟ (50 تمريناً) — تمارين مصحّحة، أوّلها مفتوح للجميع.

مواضيع بكالوريا الفلسفة

كل مواضيع بكالوريا الفلسفة

دروس أخرى في الفلسفة