المنهج التجريبي والعلوم الإنسانية
مقالة جدلية في إمكان تطبيق المنهج التجريبي على الظاهرة الإنسانية، بعوائق التاريخ والاجتماع والنفس وسبل تجاوزها.
يتكوّن الدرس من 6 أجزاء: تأطير المشكلة والعوائق الإبستمولوجية، الموقف الأوّل: العوائق تمنع الدراسة العلمية، الموقف الثاني: العلوم الإنسانية شقّت مناهجها، التركيب والرأي الشخصي، الذاتية والموضوعية والتمييز بين العلوم الإنسانية والمعيارية، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.
تأطير المشكلة والعوائق الإبستمولوجية
تأطير المشكلة والعوائق الإبستمولوجية
1. عائلة الأسئلة
- هل يمكن للعلوم الإنسانية أن تكون موضوعاً للدراسة العلمية؟
- هل يمكن تطبيق المنهج التجريبي على الظاهرة الإنسانية؟
- ما العوائق التي تعترض التجربة في هذه العلوم؟ وكيف نتجاوزها؟
- «إنّ الظاهرة الإنسانية قابلة للدراسة العلمية» دافع عن هذه الأطروحة.
2. المفاهيم الأساسية
| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | العلوم الإنسانية | العلوم التي تتّخذ الإنسان موضوعاً لها: التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم النفس. | | العائق الإبستمولوجي | صعوبة تتعلّق ببنية المعرفة نفسها تحول دون تطبيق المنهج. | | الموضوعية | تجرّد الباحث من ميوله وأحكامه المسبقة. | | الذاتية | تدخّل ميول الباحث وقيمه في بحثه. | | التكميم | التعبير عن الظاهرة بلغة العدد والقياس. | | الظاهرة الاجتماعية | فعل جماعي خارج عن الأفراد يمارس عليهم قهراً. |
3. جذر المشكلة
نجح المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية، فأراد الباحثون نقله إلى الإنسان. غير أنّ الإنسان ليس ظاهرة كسائر الظواهر: فهو ذات تدرس ذاتها، وهو حرّ يتغيّر سلوكه إذا علم أنّه مراقَب، وهو فرد لا يتكرّر.
فانقسم الباحثون: فريق يرى أنّ العوائق تمنع قيام علم بالإنسان، وفريق يرى أنّ العلوم الإنسانية شقّت لنفسها مناهج خاصّة حقّقت بها نتائج معتبرة.
4. العوائق مصنّفة في جدول
| العلم | العائق الأساسي | بيانه | | :--- | :--- | :--- | | التاريخ | فرادة الحادثة | الحادثة تجري في زمن ومكان معيّنين فلا تتكرّر، فلا تجربة ولا تنبّؤ | | التاريخ | بُعد الموضوع | المؤرّخ يدرس ماضياً لا يشهده، فيعتمد على وثائق قد تُزيَّف | | علم الاجتماع | تعقّد الظاهرة | الظاهرة الاجتماعية ليست خالصة، تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية وتاريخية | | علم الاجتماع | ذاتية الباحث | الباحث جزء من المجتمع الذي يدرسه فيصعب تجرّده | | علم النفس | تغيّر الحادثة | الحادثة النفسية لا تعرف السكون ولا تبقى على حالها | | علم النفس | تداخل الوظائف | لا يُفصل الإدراك عن الإحساس والذاكرة والانتباه والإرادة |
5. صيغة جاهزة للمقدّمة
> لقد أدّى التحوّل في المجتمعات الحديثة إلى جعل الإنسان ظاهرة قابلة للدراسة العلمية الموضوعية، إلّا أنّ تميّز الإنسان واختلافه عن الظواهر الطبيعية جعل العلوم الإنسانية تعرف مشكلات إبستمولوجية من نوع خاصّ. ومن ثمّ بدأ الباحثون يتساءلون عن مدى قدرة هذه العلوم على بلوغ دقّة العلوم الطبيعية، فمنهم من أقرّ بإمكان التجريب على الظاهرة الإنسانية، ومنهم من نفى ذلك بدعوى أنّ لهذه العلوم منوالاً خاصّاً بها. ومن هنا نتساءل: هل يمكن تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية؟ وما العوائق التي تعترضه؟ وكيف السبيل إلى تجاوزها؟ — قالب المقدّمة
6. خريطة المواقف
| | الموقف الأوّل | الموقف الثاني | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على الإنسان | يمكن ذلك، والعوائق يمكن تجاوزها | | المسلّمة | الإنسان ذات حرّة لا ظاهرة | الإنسان ظاهرة كسائر الظواهر تقبل الملاحظة | | الدليل الحاسم | فرادة الحادثة وتعذّر تكرارها | نتائج هذه العلوم نفسها ومناهجها الخاصّة | | من يمثّله | جون ستيوارت مل، وأنصار الفهم كدلتاي | ابن خلدون، دوركايم، فرويد، بافلوف، واطسن |
الموقف الأوّل: العوائق تمنع الدراسة العلمية
الموقف الأوّل: العوائق تمنع الدراسة العلمية
1. ضبط الموقف
يرى جملة من الفلاسفة أنّه لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية، لوجود عوائق إبستمولوجية تحول دون ذلك. وبما أنّ العلوم الإنسانية ثلاثة أنواع، فيجب بيان العائق في كلّ واحد منها على حدة.
2. عوائق التاريخ
الأوّل: الحادثة التاريخية فريدة لا تتكرّر. فهي تجري في زمن معيّن ومكان معيّن، وما مضى لا يعود. واستحالة التكرار تعني استحالة التجربة، واستحالة التجربة تعني استحالة القانون.
الثاني: تعذّر التجريب. فالمؤرّخ لا يستطيع أن يتحقّق من فرضه بالتجربة: لا يستطيع أن يُحدث حرباً تجريبية ليثبت فرضيته عن أسباب الحروب.
الثالث: تعذّر التنبّؤ. فإذا استحال القانون استحال التنبّؤ بما سيقع.
الرابع: صعوبة تحديد البدايات. فمتى بدأت الثورة؟ ومتى بدأ الانحطاط؟ حدود الحوادث غامضة، ممّا يجعلها عرضة للتأويل والتزييف.
3. عوائق علم الاجتماع
الأوّل: الظاهرة الاجتماعية ليست خالصة. فهي تنطوي على خصائص بيولوجية وأخرى نفسية وأخرى تاريخية، وكلّ ما هو متّصل بغيره يصعب عزله وإخضاعه للتجريب.
مثالها الطلاق: ظاهرة اجتماعية تتداخل في إحداثها أسباب اقتصادية ونفسية وثقافية ودينية، بحيث يصعب الفصل بين هذه الأسباب لمعرفة أثر كلّ واحد منها.
الثاني: صعوبة الموضوعية. فعالم الاجتماع جزء من المجتمع الذي يدرسه، يحمل قيمه وأحكامه المسبقة، فلا يستطيع أن يتجرّد منها.
الثالث: صعوبة التكميم. فالظواهر الاجتماعية ظواهر كيفية لا كمّية: كيف تقيس التضامن؟ وكيف توزن الكرامة؟
> «إنّ الظواهر المعقّدة والنتائج التي ترجع إلى علل وأسباب متداخلة لا تصلح أن تكون موضوعاً حقيقياً للاستقراء العلمي المبنيّ على الملاحظة والتجربة» — جون ستيوارت مل
4. عوائق علم النفس
الأوّل: الحادثة النفسية لا تعرف السكون. فهي في تغيّر دائم ولا تبقى على حالها، فكيف تُلاحَظ ظاهرة تتبدّل كلّما نُظر إليها؟
الثاني: تداخل الوظائف. فدراسة الإدراك بوصفه ظاهرة عقلية يصعب فصلها عن الإحساس والذكاء والذاكرة والخيال والانتباه والإرادة.
الثالث: الفرادة وتعذّر التعميم. فالحادثة النفسية فريدة، ولا تقبل التكرار، والنتائج المستخلصة ذاتية لا تُعمّم.
الرابع: ازدواج الذات. ففي الاستبطان تكون الذات دارسة ومدروسة في آنٍ واحد، وهذا يخلّ بشرط المسافة بين الباحث وموضوعه.
5. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ أثر المراقبة: التلميذ الذي يعلم أنّ الأستاذ يراقب سلوكه يغيّر سلوكه. فالموضوع هنا يتغيّر بمجرّد ملاحظته، وهو ما لا يقع في الحجر ولا في النبتة.
المثال الثاني ــ استطلاعات الرأي: تتنبّأ بنتائج الانتخابات فتخطئ أحياناً خطأ فادحاً، لأنّ الناس يغيّرون آراءهم أو يخفونها.
المثال الثالث ــ تفسير حادثة تاريخية واحدة: المؤرّخ الجزائري والمؤرّخ الفرنسي يكتبان عن الفترة الاستعمارية نفسها فيختلفان في التسمية قبل أن يختلفا في التفسير. فالوثائق واحدة والقراءة مختلفة.
المثال الرابع ــ أسباب البطالة: يعزوها الاقتصادي إلى بنية الإنتاج، والاجتماعي إلى التعليم، والنفساني إلى الدافعية. فالظاهرة واحدة والأسباب متشابكة لا تُعزل.
6. نقد الموقف الأوّل
النقد الأوّل ــ في المضمون: هذه العوائق ترجع إلى طبيعة الموضوع، وبالتالي يمكن تكييف المنهج العلمي ليوافق خصائص الظاهرة الإنسانية بدل أن يُنفى العلم أصلاً.
النقد الثاني ــ من النتائج: هذه العلوم حقّقت فعلاً نتائج معتبرة: فالتاريخ مكّن من دراسة الماضي ومعرفة سياسة الأمم وديانتها، وعلم الاجتماع كشف أنّ الإنسان مدنيّ بطبعه ووسّع مفهوم النسبية، وعلم النفس حرّر دراسة النفس من الخرافة والاعتبارات الميتافيزيقية وصار علماً قائماً على الملاحظة والتحليل.
النقد الثالث ــ في الشكل: الاستدلال باستحالة التكرار مبنيّ على تصوّر ضيّق للعلم. فعلم الفلك لا يكرّر النجوم ولا يجرّب عليها، ومع ذلك هو علم. فالتجريب ليس شرطاً في كلّ علم، بل الشرط هو المنهج والدقّة وقابلية النتيجة للمراجعة.
7. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> يرى جملة من الفلاسفة أنّه لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية لوجود عوائق إبستمولوجية. ففي التاريخ، الحادثة فريدة تجري في زمن ومكان معيّنين فلا تتكرّر، والمؤرّخ لا يستطيع أن يُحدث حرباً تجريبية ليتحقّق من فرضه، واستحالة التجربة تعني استحالة القانون والتنبّؤ. وفي علم الاجتماع، الظاهرة ليست خالصة بل تنطوي على خصائص بيولوجية ونفسية وتاريخية، فظاهرة الطلاق مثلاً تتداخل في إحداثها أسباب يصعب الفصل بينها، ثمّ إنّ الباحث جزء من المجتمع الذي يدرسه فتتعذّر موضوعيته، والظواهر كيفية يصعب تكميمها، ولهذا يقول جون ستيوارت مل: «إنّ الظواهر المعقّدة والنتائج التي ترجع إلى علل وأسباب متداخلة لا تصلح أن تكون موضوعاً حقيقياً للاستقراء العلمي». وفي علم النفس، الحادثة لا تعرف السكون وتتداخل فيها الوظائف، فلا يُفصل الإدراك عن الذاكرة والانتباه، ثمّ إنّ الذات في الاستبطان دارسة ومدروسة معاً. ونقده: لكنّ هذه العوائق ترجع إلى طبيعة الموضوع، ويمكن تكييف المنهج ليوافقها، والدليل أنّ هذه العلوم حقّقت نتائج معتبرة: فالتاريخ كشف ماضي الأمم، وعلم النفس تحرّر من الخرافة وصار علماً قائماً على الملاحظة والتحليل. — قالب الموقف الأوّل ونقده
الموقف الثاني: العلوم الإنسانية شقّت مناهجها
الموقف الثاني: العلوم الإنسانية شقّت مناهجها
1. ضبط الموقف
يرى فريق آخر أنّه يمكن دراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية، لأنّ العوائق الإبستمولوجية لم تقف حائلاً أمام اجتهاد العلماء، بل توصّلوا إلى طرائق في البحث ومفاهيم منهجية أعطت هذه العلوم قيمتها.
2. في التاريخ: المنهج النقدي
ما توصّل إليه ابن خلدون ومن تلاه من المؤرّخين في القرن التاسع عشر من إعطاء التاريخ طابع العلمية، وذلك بمنهجية خاصّة تقوم على ثلاث خطوات:
- **جمع الآثار والوثائق**: مصادر إرادية كالمذكّرات وكتب التاريخ التي كُتبت لتكون شاهدة، ومصادر غير إرادية كالنقود والأدوات والعمارة التي لم تُترك عمداً فهي أصدق.
- **نقد الوثائق**، وهو نوعان: **نقد خارجي** يتناول شكل الوثيقة ومادّتها ونوع الورق والحبر والخطّ للتأكّد من أنّها ليست مزوّرة؛ و**نقد داخلي** يتناول مضمونها ودلالتها، ويكشف الظروف النفسية والسياسية والدينية التي أحاطت بكتابتها.
- **إعادة بناء الحادثة** وترتيبها وتفسيرها.
وابن خلدون سبق الأوروبيين إلى وضع قواعد لنقد الأخبار، فردّ الأخبار المخالفة لطبائع العمران، وجعل العمران البشري موضوع علم قائم بذاته.
3. في علم الاجتماع: قاعدة دوركايم
أعطى إميل دوركايم الحادثة الاجتماعية مصداقيتها العلمية، إذ عدّها ظاهرة خارجة عن الأفراد قاهرة لهم، وطالب بمعاملتها معاملة الأشياء، أي بالتخلّص من الأحكام المسبقة والاكتفاء بما يُلاحَظ من الخارج.
> «يجب أن نعالج الظواهر الاجتماعية على أنّها أشياء» — إميل دوركايم
وظهور علم الإحصاء مكّن من التعبير عن الظواهر الاجتماعية بلغة الأرقام: نسب الزواج والطلاق والجريمة والهجرة، وربطها بمتغيّراتها.
4. في علم النفس: ثلاثة مناهج
| المنهج | صاحبه | مبدؤه | | :--- | :--- | :--- | | التأمّل الباطني أو الاستبطان | ديكارت وبرغسون | استخراج أحوال الذات بواسطة الشعور، فتكون الذات دارسة ومدروسة | | التحليل النفسي | سيغموند فرويد | التداعي الحرّ واكتشاف اللاشعور، وردّ الحياة النفسية إلى الغرائز | | المنهج السلوكي | بافلوف وواطسن | دراسة السلوك الظاهر والمنعكس الشرطي بدل الشعور الباطن |
وبهذه المناهج تمكّن العلماء من دراسة السلوك دراسة موضوعية، إذ نقلوا موضوع الدراسة من الباطن الذي لا يُقاس إلى الظاهر الذي يُقاس.
5. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ تجربة بافلوف على الكلب: قرن صوت الجرس بتقديم الطعام، فصار الكلب يسيل لعابه لمجرّد سماع الجرس. تجربة مضبوطة قابلة للتكرار على موضوع حيّ سلوكي، وهي أساس نظرية التعلّم الشرطي التي تُطبَّق اليوم في التربية.
المثال الثاني ــ الإحصاء السكّاني: كلّ دولة تُجري إحصاء عامّاً تبني عليه سياستها في التعليم والصحّة والسكن. فالظاهرة الاجتماعية تُقاس فعلاً وتُبنى عليها قرارات.
المثال الثالث ــ نقد الوثائق في تاريخ الجزائر: المؤرّخون يعتمدون على الأرشيف والصور والشهادات الشفوية ويقارنون بينها، فيكشفون الصحيح من المزيّف بالمنهج النقدي نفسه.
المثال الرابع ــ علم النفس المدرسي: اختبارات الذكاء والميول تُجرى على التلاميذ في المؤسّسات، وتُبنى عليها نصائح التوجيه. فالظاهرة النفسية تُقاس بأدوات مقنّنة.
المثال الخامس ــ الوقاية من الأوبئة: دراسات علم الاجتماع الصحّي تفسّر لماذا يلتزم فريق من الناس بالإجراءات ويخالفها آخرون، وتُبنى عليها حملات التوعية.
6. نقد الموقف الثاني
النقد الأوّل ــ في التاريخ: لم يعد المؤرّخ يرى في الموضوعية بمفهومها التقليدي غاية قابلة للتحقّق، لأنّ التجرّد من العواطف في دراسة التاريخ أمر صعب المنال، والمؤرّخ قبل كلّ شيء إنسان له انتماء.
النقد الثاني ــ في علم الاجتماع: القائلون بعلميته لم يميّزوا بين الظواهر الفيزيائية والظواهر الاجتماعية، ولا بين الأشياء الخالية من الشعور والأشياء التي تنطوي على شعور. فمعاملة الإنسان كشيء تفقده ما يميّزه.
النقد الثالث ــ في علم النفس: القوانين التي توصّل إليها السلوكيون ليست دساتير بل مجرّد تعميمات. فالحادثة النفسية ليست سلوكاً آلياً يجمع المنبّه بالاستجابة، بل هي شعور قبل أن تكون سلوكاً، وقد أهمل بافلوف وواطسن هذا الجانب.
7. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> في حين يرى فريق آخر أنّه يمكن تطبيق المنهج العلمي على الظاهرة الإنسانية، لأنّ العوائق لم تقف أمام اجتهاد العلماء، فتوصّلوا إلى طرائق أعطت هذه العلوم قيمتها. ففي التاريخ وضع ابن خلدون ومن تلاه منهجاً نقدياً يقوم على جمع الوثائق ونقدها نقداً خارجياً يتناول شكل الوثيقة ومادّتها، ونقداً داخلياً يتناول مضمونها والظروف التي أحاطت بكتابتها، ثمّ إعادة بناء الحادثة. وفي علم الاجتماع أعطى دوركايم الظاهرة مصداقيتها إذ عدّها ظاهرة عامّة خارجة عن الأفراد، وقال: «يجب أن نعالج الظواهر الاجتماعية على أنّها أشياء»، وظهر علم الإحصاء فمكّن من تكميمها. وفي علم النفس ظهرت ثلاثة مناهج: الاستبطان عند ديكارت وبرغسون، والتحليل النفسي عند فرويد القائم على التداعي الحرّ واكتشاف اللاشعور، والمنهج السلوكي عند بافلوف وواطسن الذي نقل الدراسة من الشعور الباطن إلى السلوك الظاهر. ويشهد لذلك أنّ تجربة بافلوف على الكلب تجربة مضبوطة قابلة للتكرار، وأنّ الإحصاء السكّاني تُبنى عليه سياسات الدول. ونقده: لكنّ التجرّد من العواطف في التاريخ صعب المنال لأنّ المؤرّخ إنسان، ومعاملة الظاهرة الاجتماعية كشيء تُهمل أنّها تنطوي على شعور، وقوانين السلوكيين مجرّد تعميمات، فالحادثة النفسية شعور قبل أن تكون سلوكاً. — قالب الموقف الثاني ونقده
التركيب والرأي الشخصي
التركيب والرأي الشخصي
1. التركيب: منهج يليق بالموضوع
نقرّ، رغم وجود بعض العوائق، أنّ الباحثين في هذا المجال تجاوزوا كثيراً من العراقيل بفضل أمانتهم العلمية. وما يمكن استنتاجه هو أنّ العلوم الإنسانية استطاعت أن تسلك لنفسها منهجاً يليق بها، وهو ما مكّنها من تجاوز العوائق.
فالخطأ كان في السؤال نفسه: إذ افترض أنّ العلم شيء واحد هو المنهج التجريبي، والصواب أنّ المنهج يتبع الموضوع لا العكس.
ويشهد لذلك عمل مؤرّخ العلوم جورج سارتون، الذي أفرد في تأريخه للعلم مكاناً واسعاً لإسهام العلماء المسلمين وأنصفهم.
وهذا شاهد على أنّ المؤرّخ الغربي استطاع أن ينصف حضارة غير حضارته، وهو دليل عملي على إمكان الموضوعية التاريخية.
2. وجه ثانٍ للتركيب: درجات الموضوعية
الموضوعية ليست كلّاً أو لا شيء، بل درجات. فالمؤرّخ لا يبلغ تجرّد الفيزيائي، ولكنّه يبلغ درجة منها حين يصرّح بمصادره ويعرض الوثائق المخالفة ويقبل مراجعة غيره.
فالضامن للموضوعية في العلوم الإنسانية ليس تجرّد الفرد بل نقد الجماعة العلمية: فالبحث يُنشر ويُراجع ويُردّ عليه، فتُصحَّح ذاتية كلّ باحث بذاتية غيره.
3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً
الصيغة الأولى ــ المنهج يتبع الموضوع
> والذي أراه أنّ الخطأ في هذه المسألة منهجي قبل أن يكون معرفياً: فقد جُعل المنهج التجريبي معياراً للعلمية كلّها، والصواب أنّه منهج مكيَّف مع موضوعه هو المادة الجامدة. وأساس هذا الترجيح أنّ علم الفلك لا يجرّب على النجوم ولا يعيدها، ولم يقل أحد إنّه ليس علماً. فالعلمية في المنهج المضبوط لا في التجربة المخبرية وحدها. — قالب الرأي الأوّل
الصيغة الثانية ــ الموضوعية درجات
> وأرجّح أنّ الموضوعية في العلوم الإنسانية ممكنة بدرجة، لا بمعنى تجرّد الباحث تجرّداً تامّاً، بل بمعنى خضوع بحثه لقواعد تكشف تحيّزه: كتصريحه بمصادره، وعرضه للأدلّة المخالفة، وقبوله المراجعة. ويشهد لذلك أنّ أخطاء البحوث الاجتماعية تُكتشف عادةً بباحثين آخرين لا بالباحث نفسه، فالضامن هو الجماعة العلمية لا ضمير الفرد. — قالب الرأي الثاني
الصيغة الثالثة ــ التفسير والفهم
> وأميل إلى أنّ للعلوم الإنسانية طريقين لا طريقاً واحداً: التفسير الذي يبحث عن الأسباب كما تفعل العلوم الطبيعية، والفهم الذي يبحث عن المعنى الذي يعطيه الفاعل لفعله. فمن درس الانتحار بالإحصاء فسّره، ومن درس رسالة المنتحر فهمه، ولا يستغني أحدهما عن الآخر. — قالب الرأي الثالث
4. صيغ جاهزة للخاتمة
الصيغة الأولى
> وأخيراً يمكننا القول إنّ العلوم الطبيعية ساعدت العلوم الإنسانية على التطوّر والبحث عن مناهج تتميّز عن المنهج التجريبي وتكون مكيَّفة حسب خصوصيات كلّ ظاهرة. وهكذا تظلّ الإشكاليات مطروحة، لا تشكيكاً في القيمة العلمية، بل نقاشاً إبستمولوجياً من شأنه أن يغني هذه العلوم ويدفعها إلى مزيد من الدقّة. فالدراسات الإنسانية دراسة خاصّة لأنّها تدرس الإنسان. — قالب الخاتمة الأولى
الصيغة الثانية
> وصفوة القول إنّ الظاهرة الإنسانية قابلة للدراسة العلمية، لا بنقل منهج الطبيعة إليها، بل بمنهج يليق بها يجمع بين التفسير والفهم. وما بقي من صعوبات ليس دليلاً على استحالة العلم، بل على أنّ موضوعه هو أعقد ما في الوجود: الإنسان. — قالب الخاتمة الثانية
5. تنبيه
لا تخلط بين العلوم الثلاثة في العرض. سلّم التنقيط يقدّر التنظيم، والطريقة المثلى أن تعرض العوائق مصنّفة: عوائق التاريخ، ثمّ عوائق الاجتماع، ثمّ عوائق النفس. وكذلك في الموقف الثاني: منهج التاريخ، ثمّ منهج الاجتماع، ثمّ مناهج النفس. فالتصنيف وحده يُظهر أنّك تسيطر على المادة.
الذاتية والموضوعية والتمييز بين العلوم الإنسانية والمعيارية
الذاتية والموضوعية والتمييز بين العلوم الإنسانية والمعيارية
1. موقع هذا الجزء من الدرس
يطلب البرنامج في هذه الوحدة ضبط ثلاثة مفاهيم: العلوم الإنسانية، والذاتية، والموضوعية، ويطلب خصائص الحادثة الإنسانية، ويضع في التقويم سؤالاً صريحاً: «التمييز بين العلوم الإنسانية والمعيارية». وهذا الجزء يجمع هذه العناصر، ويعطيك مادّة مقالة مقارنة كاملة، كما يغني بند الموضوعية في المقالة الجدلية.
2. ضبط المفاهيم
| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | الذات | الإنسان من حيث هو واعٍ يعرف ويحكم، أي الباحث في مقام المعرفة. | | الموضوع | ما تتّجه إليه المعرفة وتدرسه، كالظاهرة الطبيعية أو الحادثة الإنسانية. | | الذاتية | تدخّل ميول الباحث وعواطفه وقيمه وانتمائه في حكمه على الموضوع، فيصف الشيء كما يراه هو لا كما هو. | | الموضوعية | دراسة الظاهرة كما هي في الواقع، بتجرّد الباحث من أحكامه المسبقة وخضوعه لما تشهد به الوقائع، بحيث يصل غيره إلى النتيجة نفسها إذا اتّبع الطريق نفسه. | | الحكم التقريري أو حكم الواقع | حكم يصف ما هو كائن، كقولنا: نسبة الطلاق ارتفعت في هذه المدينة. | | الحكم التقويمي أو حكم القيمة | حكم يقرّر ما ينبغي أن يكون، كقولنا: يجب الوفاء بالوعد. | | العلوم الإنسانية | علوم تدرس الإنسان دراسة وصفية تفسيرية كما هو كائن: التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم النفس. | | العلوم المعيارية | علوم تضع القواعد التي ينبغي أن يكون عليها الفكر والسلوك والذوق: المنطق، والأخلاق، وعلم الجمال. |
3. خصائص الحادثة الإنسانية
| الخاصّية | بيانها | أثرها في الدراسة | | :--- | :--- | :--- | | واعية | تصدر عن كائن يعي ما يفعل | الباحث والمبحوث من طبيعة واحدة | | قصدية ذات معنى | لكلّ فعل معنى يعطيه صاحبه له | لا يكفي وصفها من الخارج بل يجب فهم معناها | | إرادية | تتدخّل فيها الإرادة والاختيار | يصعب التنبّؤ بها تنبّؤاً دقيقاً | | فريدة تاريخية | تقع في زمن ومكان لا يتكرّران | يتعذّر تكرارها في المخبر | | معقّدة | تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية | يصعب عزل العامل الواحد | | تتأثّر بالملاحظة | يتغيّر سلوك الإنسان إذا علم أنّه مراقَب | الملاحظة نفسها تغيّر الموضوع | | قيمية | تتعلّق بقيم يؤمن بها الفاعل والدارس معاً | يتسلّل حكم القيمة إلى حكم الواقع |
4. الذاتية والموضوعية في العلوم الإنسانية
أ. من أين تأتي الذاتية؟
- **من الانتماء**: الباحث جزء من المجتمع أو التاريخ الذي يدرسه.
- **من القيم**: ما يراه الباحث خيراً أو شرّاً يتسلّل إلى وصفه.
- **من اختيار الموضوع والمفاهيم**: فاختيار ما يُدرس، والألفاظ التي يُسمّى بها، موقف قبل أن يكون وصفاً.
ب. كيف تُطلب الموضوعية؟
- **استبعاد الأفكار المسبقة**: جعل دوركايم في كتابه «قواعد المنهج في علم الاجتماع» سنة 1895 أولى القواعد أن يتحرّر الباحث من المفاهيم الشائعة التي كوّنها قبل البحث، وأن يعرّف موضوعه بخصائصه الخارجية الملاحَظة.
- **الحياد القيمي**: ميّز ماكس فيبر بين أن تتدخّل القيم في **اختيار** الموضوع، وهذا لا مفرّ منه، وأن تتدخّل في **تحليل** النتائج، وهذا ما يجب على العالم أن يمتنع عنه.
- **التكميم والمقارنة**: الإحصاء يحوّل الانطباع إلى رقم يمكن فحصه، والمقارنة بين المجتمعات والعصور تكشف ما يظنّه الباحث طبيعياً وهو عادة محلّية.
- **النقد الجماعي**: البحث المنشور يراجعه غير صاحبه، فتُصحَّح ذاتية الباحث بذاتية غيره.
ج. التفسير والفهم
يرى الفيلسوف الألماني دلتاي أنّ علوم الإنسان لا تكتفي بردّ الظاهرة إلى أسبابها كما تفعل علوم الطبيعة، بل تطلب فهم المعنى الذي يعيشه الإنسان من الداخل:
> «الطبيعة نفسّرها، والحياة النفسية نفهمها» — دلتاي
فالموضوعية في العلوم الإنسانية ليست موضوعية الفيزيائي نفسها، بل موضوعية من نوع خاصّ تجمع بين ضبط الأسباب وفهم المعاني.
5. التمييز بين العلوم الإنسانية والعلوم المعيارية
العلوم المعيارية ثلاثة، ولكلّ منها قيمة تجعلها معياراً:
| العلم المعياري | القيمة التي يدور حولها | ما يقرّره | | :--- | :--- | :--- | | المنطق | الحقّ | القواعد التي ينبغي أن يلتزمها الفكر ليكون صحيحاً | | الأخلاق | الخير | القواعد التي ينبغي أن يلتزمها السلوك ليكون خيّراً | | علم الجمال | الجمال | المعايير التي يُحكم بها على الأثر الفنّي بالجمال |
أ. أوجه الاختلاف
| وجه المقارنة | العلوم الإنسانية | العلوم المعيارية | | :--- | :--- | :--- | | السؤال | ما الذي هو كائن؟ ولماذا؟ | ما الذي ينبغي أن يكون؟ | | نوع الأحكام | أحكام تقريرية تصف الواقع | أحكام تقويمية تقرّر قواعد | | الغاية | الوصف والتفسير والفهم | التوجيه والتقويم | | المنهج | الملاحظة والإحصاء والمقارنة ونقد الوثائق | التأمّل العقلي والاستدلال | | معيار الصدق | مطابقة الحكم للوقائع | انسجام القاعدة مع القيمة التي تخدمها | | مثالها | علم الاجتماع يحصي حالات الكذب في مجتمع | الأخلاق تقرّر أنّ الكذب لا ينبغي |
وأصل هذا التمييز ما نبّه إليه دافيد هيوم في كتابه «رسالة في الطبيعة البشرية»: أنّ كثيراً من المؤلّفين ينتقلون دون تنبيه من القضايا التي رابطتها «هو كائن» إلى قضايا رابطتها «ينبغي»، مع أنّ الثانية لا تُستخرج من الأولى بمجرّد الوصف.
ب. أوجه الاتّفاق
- **كلاهما يتّخذ الإنسان موضوعاً**: فكره وسلوكه وذوقه.
- **كلاهما يطلب الدقّة والاتّساق** ويرفض الحكم المتسرّع.
- **كلاهما انفصل عن الفلسفة** أو نشأ في أحضانها، وما زال يحتاج إليها في ضبط مفاهيمه.
ج. أوجه التداخل
- **العلوم الإنسانية تدرس المعايير بوصفها وقائع**: فعلم الاجتماع يدرس الأخلاق السائدة في مجتمع كما يدرس الزواج والهجرة، وقد دعا ليفي بريل في كتابه «الأخلاق وعلم العادات» سنة 1903 إلى علم وصفي للعادات الأخلاقية. **لكنّه يصف ما يعتقده الناس خيراً، ولا يقرّر ما هو الخير**.
- **علم النفس يدرس كيف نستدلّ فعلاً، والمنطق يقرّر كيف ينبغي أن نستدلّ**: فالأوّل يكشف الأخطاء الشائعة في التفكير، والثاني يضع القاعدة التي تُقاس بها تلك الأخطاء.
- **فالتمييز تمييز في زاوية النظر أكثر منه تمييز في الموضوع**: الموضوع الواحد، كالكذب، يدرسه عالم الاجتماع واقعةً ويحكم عليه الأخلاقي قيمةً.
6. صيغة جاهزة لمقالة المقارنة
نصّ السؤال المحتمل: قارن بين العلوم الإنسانية والعلوم المعيارية.
> يتّخذ الإنسان موضوعاً لنوعين من المعرفة: علوم إنسانية كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس تدرسه كما هو كائن، وعلوم معيارية كالمنطق والأخلاق وعلم الجمال تضع له ما ينبغي أن يكون عليه فكره وسلوكه وذوقه. ولمّا كان الموضوع واحداً والزاوية مختلفة، حقّ لنا أن نتساءل: ما أوجه الاختلاف والاتّفاق بين العلوم الإنسانية والعلوم المعيارية؟ وأين تتداخلان؟ — قالب مقدّمة المقارنة
وفي الخاتمة: العلوم الإنسانية تصف ما هو كائن، والعلوم المعيارية تقرّر ما ينبغي أن يكون، والإنسان يحتاج إليهما معاً: فالوصف بلا معيار لا يوجّه، والمعيار بلا وصف لا يعرف الواقع الذي يريد تقويمه.
7. ماذا تحفظ من هذا الجزء؟
- **تعريف الذاتية والموضوعية** والفرق بين حكم الواقع وحكم القيمة.
- **خصائص الحادثة الإنسانية** بأثر كلّ واحدة.
- **العلوم المعيارية الثلاثة** وقيمها: الحقّ والخير والجمال.
- **جدول أوجه الاختلاف** وقول دلتاي في التفسير والفهم.
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
نصّ السؤال: هل يمكن للعلوم الإنسانية أن تكون موضوعاً للدراسة العلمية؟
طرح المشكلة
لقد أدّى التحوّل في المجتمعات الحديثة إلى جعل الإنسان ظاهرة قابلة للدراسة العلمية الموضوعية، إلّا أنّ تميّز الإنسان واختلافه عن الظواهر الطبيعية جعل العلوم الإنسانية تعرف مشكلات إبستمولوجية من نوع خاصّ. ومن ثمّ بدأ العلماء يتساءلون عن مدى قدرة هذه العلوم على بلوغ دقّة العلوم الطبيعية، فمنهم من أقرّ بإمكان التجريب على الظاهرة الإنسانية، ومنهم من نفى ذلك بدعوى أنّ لهذه العلوم منوالاً خاصّاً بها. ومن هنا نتساءل: هل يمكن تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية؟ وما العوائق التي تعترضه؟ وكيف السبيل إلى تجاوزها؟
محاولة حلّ المشكلة
أوّلاً: الموقف الأوّل ــ العوائق تمنع الدراسة العلمية
يرى جملة من الفلاسفة أنّه لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية، لوجود عوائق إبستمولوجية تحول دون ذلك. وبما أنّ العلوم الإنسانية ثلاثة أنواع، فيجب بيان العائق في كلّ واحد منها. ففي التاريخ، الحادثة فريدة من نوعها تجري في زمن معيّن ومكان معيّن وبالتالي لا تتكرّر، فالتاريخ غير قابل للتكميم، والمؤرّخ لا يمكنه التأكّد من صحّة افتراضه بالتجربة، إذ لا يستطيع أن يُحدث حرباً تجريبية ليثبت فرضه، واستحالة التجربة تعني استحالة القانون وصعوبة التنبّؤ، يُضاف إلى ذلك صعوبة تحديد بدايات الحوادث ممّا يجعلها عرضة للتزييف. وفي علم الاجتماع، الظاهرة ليست خالصة، فهي تنطوي على خصائص بيولوجية ونفسية وتاريخية، وكلّ ما هو متّصل بغيره يصعب إخضاعه للتجريب، فظاهرة الطلاق مثلاً تتداخل في إحداثها أسباب مختلفة يصعب الفصل بينها، ثمّ إنّ عالم الاجتماع لا يستطيع أن يكون موضوعياً لأنّه جزء ممّا يدرس، والظواهر كيفية يصعب تكميمها، ولهذا يقول جون ستيوارت مل: «إنّ الظواهر المعقّدة والنتائج التي ترجع إلى علل وأسباب متداخلة لا تصلح أن تكون موضوعاً حقيقياً للاستقراء العلمي المبنيّ على الملاحظة والتجربة». أمّا في علم النفس فالحادثة النفسية لا تعرف السكون ولا تبقى على حالها، وتتداخل في تكوينها أحوال وانفعالات، فدراسة الإدراك يصعب فصلها عن الإحساس والذاكرة والانتباه والإرادة، ثمّ إنّ الذات في الاستبطان دارسة ومدروسة في الوقت نفسه.
نقده: من الملاحظ أنّ هذه العوائق ترجع إلى طبيعة الموضوع، وبالتالي يمكن تكييف المنهج العلمي بما يوافق خصائص الظاهرة الإنسانية بدل نفي العلم أصلاً. والدليل أنّ هذه العلوم حقّقت نتائج معتبرة: فالتاريخ ساعد على دراسة الماضي ومعرفة سياسة الأمم وديانتها، وعلم الاجتماع كشف نسبية العادات والقيم بين المجتمعات، وعلم النفس حرّر الدراسة من الاعتبارات الميتافيزيقية وصار علماً قائماً على الملاحظة والتحليل. ثمّ إنّ الاستدلال باستحالة التكرار مبنيّ على تصوّر ضيّق للعلم، فعلم الفلك لا يجرّب على النجوم وهو علم.
ثانياً: الموقف الثاني ــ العلوم الإنسانية شقّت لنفسها مناهج
في حين يرى فريق آخر أنّه يمكن تطبيق المنهج على الظاهرة الإنسانية، لأنّ هذه العوائق لم تقف أمام اجتهاد العلماء، حيث توصّلوا إلى طرائق في البحث ومفاهيم منهجية أعطت هذه العلوم قيمتها. ففي التاريخ، ما توصّل إليه ابن خلدون ومن تلاه من المؤرّخين في القرن التاسع عشر من إعطاء التاريخ طابع العلمية بمنهجية خاصّة تقوم على جمع الآثار والوثائق، إرادية كالمذكّرات وغير إرادية كالنقود والعمارة، ثمّ نقدها نقداً خارجياً يتناول شكل الوثيقة ومادّتها ونوع الورق والحبر، ونقداً داخلياً يتناول مضمونها والظروف النفسية والسياسية والدينية التي أدّت إلى كتابتها، ثمّ إعادة بناء الحادثة وترتيبها. وفي علم الاجتماع، أعطى دوركايم الحادثة الاجتماعية مصداقيتها العلمية، إذ عدّها ظاهرة عامّة خارجة عن الأفراد قاهرة لهم، ووضع أسلوباً يقوم على الملاحظة ووضع الفروض، وقال: «يجب أن نعالج الظواهر الاجتماعية على أنّها أشياء»، والدليل على مصداقية هذا العلم ظهور علم الإحصاء. أمّا في علم النفس فقد ظهرت مناهج عدّة: المنهج التأمّلي الاستبطاني عند ديكارت وبرغسون، ومنهج التحليل النفسي عند فرويد القائم على التداعي الحرّ واكتشاف اللاشعور، والمنهج السلوكي عند بافلوف وواطسن الذي نقل الدراسة إلى السلوك الظاهر والمنعكس الشرطي. ويشهد للواقع أنّ تجربة بافلوف على الكلب تجربة مضبوطة قابلة للتكرار، وأنّ الدول تبني سياساتها في التعليم والصحّة على نتائج الإحصاء السكّاني.
نقده: غير أنّ القائلين بعلمية التاريخ يُردّ عليهم بأنّ المؤرّخ لم يعد يرى في الموضوعية بمفهومها التقليدي غاية قابلة للتحقيق، لأنّ التجرّد من العواطف صعب المنال والمؤرّخ قبل كلّ شيء إنسان. والقائلون بعلمية علم الاجتماع لم يميّزوا بين الظواهر الفيزيائية والظواهر الاجتماعية، ولا بين الأشياء الخالية من الشعور والأشياء التي تنطوي عليه. أمّا القوانين التي توصّل إليها أنصار علم النفس فليست دساتير بل مجرّد تعميمات، إذ الحادثة النفسية ليست سلوكاً آلياً يجمع المنبّه بالاستجابة، بل هي شعور قبل أن تكون سلوكاً.
ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي
وعموماً فإنّنا نقرّ، على الرغم من وجود بعض العوائق، بأنّ الباحثين في هذا المجال تجاوزوا كثيراً من العراقيل بفضل أمانتهم العلمية، ويشهد لذلك أنّ مؤرّخ العلوم جورج سارتون أنصف في تأريخه للعلم إسهام العلماء المسلمين، فاستطاع المؤرّخ أن ينصف حضارة غير حضارته. وما يمكن استنتاجه هو أنّ العلوم الإنسانية استطاعت أن تسلك لنفسها منهجاً يليق بها، وهو ما مكّنها من تجاوز العوائق. والذي أراه أنّ الخطأ في هذه المسألة منهجي قبل أن يكون معرفياً: فقد جُعل المنهج التجريبي معياراً للعلمية كلّها، والصواب أنّه منهج مكيَّف مع موضوعه هو المادة الجامدة. وأساس هذا الترجيح أنّ علم الفلك لا يجرّب على النجوم ولم يقل أحد إنّه ليس علماً، فالعلمية في ضبط المنهج لا في التجربة المخبرية وحدها. ويُضاف إلى ذلك أنّ الموضوعية في هذه العلوم درجات لا كلّ أو لا شيء، وضامنها نقد الجماعة العلمية لا تجرّد الفرد.
حلّ المشكلة
وأخيراً يمكننا القول إنّ العلوم الطبيعية ساعدت العلوم الإنسانية على التطوّر وعلى البحث عن مناهج تتميّز عن المنهج التجريبي وتكون مكيَّفة حسب خصوصيات كلّ ظاهرة. وهكذا تظلّ الإشكاليات مطروحة، لا تشكيكاً في القيمة العلمية، بل باعتبارها نقاشاً إبستمولوجياً من شأنه أن يغني هذه العلوم ويدفعها إلى توخّي مزيد من الدقّة، لأنّ جميع الصعوبات ترجع إلى طبيعة الظاهرة الإنسانية باعتبارها ظاهرة معقّدة. فالدراسات الإنسانية دراسة خاصّة، لأنّها تدرس الإنسان، ذلك الكائن الذي كلّما عُرف منه جانب انكشف منه جانب آخر.
---
تحويل المقالة إلى استقصاء بالوضع
نصّ السؤال المحتمل: «إنّ الظاهرة الإنسانية قابلة للدراسة العلمية» دافع عن هذه الأطروحة.
| ما عندك في الدرس | ما تفعل به | | :--- | :--- | | الموقف الثاني بمناهجه الثلاثة | الأطروحة، مفصّلة: منهج التاريخ، ومنهج الاجتماع، ومناهج النفس | | نقد الموقف الثاني | يُحذف | | عوائق الموقف الأوّل | منطق الخصوم، مختصرة في ثلاثة عوائق | | نقد الموقف الأوّل | يُوسَّع: العوائق ترجع إلى الموضوع فيُكيَّف المنهج | | أمثلة بافلوف والإحصاء ونقد الوثائق | حججك الشخصية | | الخاتمة | تُبدَّل: الأطروحة صحيحة ويمكن الأخذ بها |
ماذا تحفظ؟
- **جدول العوائق** في الجزء الأوّل: عائقان لكلّ علم.
- **خطوات المنهج التاريخي الثلاث**: الجمع، والنقد الخارجي والداخلي، وإعادة البناء.
- **مناهج علم النفس الثلاثة** بأصحابها.
- **قولان وشاهد**: قول مل، وقول دوركايم، وشاهد سارتون في إنصاف العلماء المسلمين.
- **مثالان**: تجربة بافلوف، والإحصاء السكّاني.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.