الظاهرة النفسية: هل تقبل الدراسة العلمية؟

مقالة جدلية في إمكان تطبيق المنهج التجريبي على الحادثة النفسية، بخصائصها ومناهج علم النفس وأقواله وأمثلته.

يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: تأطير المشكلة وخصائص الحادثة النفسية، الموقف الأوّل: الحادثة النفسية لا تقبل التجريب، الموقف الثاني: الحادثة النفسية تقبل الدراسة العلمية، التركيب والرأي الشخصي، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.

تأطير المشكلة وخصائص الحادثة النفسية

تأطير المشكلة وخصائص الحادثة النفسية

1. عائلة الأسئلة

  • هل يمكن دراسة الظاهرة النفسية دراسة علمية موضوعية؟
  • هل يمكن تطبيق المنهج التجريبي في مجال الدراسات النفسية؟
  • هل يصلح الحادث النفسي لأن يكون موضوعاً للمعرفة العلمية؟
  • هل علم النفس علم؟

2. المفاهيم الأساسية

| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | علم النفس | العلم الذي يدرس الإنسان في بعده النفسي: كيف يفكّر ويحسّ ويتذكّر وينفعل. | | الحادثة النفسية | كلّ ما يجري في الباطن من إحساس وإدراك وذاكرة وانفعال وإرادة. | | الاستبطان | تأمّل الذات لأحوالها الباطنة بواسطة الشعور. | | اللاشعور | ما يجري في النفس دون أن يبلغ الوعي، وهو مفهوم فرويد الأساسي. | | المنعكس الشرطي | استجابة مكتسبة تنشأ بربط مثير محايد بمثير طبيعي. | | الزمن النفسي | زمن الحياة الباطنة الذي لا يُقاس ولا يرجع على نفسه، بخلاف الزمن الفيزيائي. |

3. جذر المشكلة

الحادثة النفسية موضوع خصب لعلم النفس. غير أنّها تتميّز بخصائص تباعد بينها وبين الظواهر الفيزيائية، فنشأ اختلاف بين الفلاسفة والعلماء في إمكان دراستها تجريبياً.

وأصل المشكلة في طبيعة العلاقة بين الذات الدارسة وموضوع الدراسة: فإذا كانت العلاقة منفصلة، أي الذات مستقلّة عن الموضوع كما في العلوم الطبيعية، كانت الموضوعية ممكنة. وإذا كانت متّصلة، أي الذات مندمجة في الموضوع وجزءاً منه كما في الدراسات النفسية، تعذّرت الموضوعية.

4. خصائص الحادثة النفسية

| الخاصّية | بيانها | العائق الذي تُحدثه | | :--- | :--- | :--- | | التغيّر | لا تعرف السكون، سيل لا ينقطع | كيف تُلاحظ ظاهرة تتبدّل كلّما نُظر إليها؟ | | اللاامتداد | لا تشغل حيّزاً مكانياً، فلا مكان للانتباه ولا حجم للتذكّر | لا تُقاس بأدوات المكان | | التداخل | الإدراك يتداخل مع الإحساس، والذكاء مع الخيال، والانتباه مع الإرادة | يتعذّر عزل العامل | | الفرادة | تجري في الزمن النفسي الذي لا يرجع على نفسه | لا تكرار ولا تعميم | | الكيفية | العواطف والأفراح والأحزان كيف لا كمّ | ما لا يُقاس ليس فيه من العلم شيء | | الباطنية | لا يدركها مباشرة سوى صاحبها | لا ملاحظة خارجية | | الشخصية | تتعلّق بالذات التي تعانيها لا بغيرها | النتائج ذاتية لا تُعمَّم |

5. صيغة جاهزة للمقدّمة

> إنّ أبسط تعريف لعلم النفس أنّه العلم الذي يدرس الإنسان في بعده النفسي: كيف يفكّر؟ وكيف يتمّ إحساسه بالأشياء؟ وما طبيعة العواطف التي تثور في نفسه؟ ومعنى ذلك أنّ الحادث النفسي يشكّل موضوعاً خصباً لهذا العلم. ونظراً لما تتميّز به الظاهرة النفسية من خصائص تميّزها عن غيرها، خاصّة الفيزيائية منها، نشأ اختلاف بين الفلاسفة والعلماء في إمكان دراستها تجريبياً، فظهر اتجاهان: أحدهما ينفي إمكان الدراسة التجريبية للحادث النفسي، والآخر يؤكّدها. ومن هنا نتساءل: هل يمكن تطبيق المنهج التجريبي في مجال الدراسات النفسية؟ وهل يصلح الحادث النفسي لأن يكون موضوعاً للمعرفة العلمية؟ — قالب المقدّمة

6. خريطة المواقف

| | الموقف الأوّل | الموقف الثاني | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | الحادثة النفسية لا تقبل الدراسة التجريبية | تقبلها كغيرها من الظواهر | | المسلّمة | الموضوعية تتطلّب انفصال الذات عن الموضوع، وهو متعذّر هنا | تطوّر المناهج مكّن من دراسة موضوعية ملائمة | | ممثّلوه | أوغست كونت، برغسون | فونت، بافلوف، واطسن | | الحلّ عنده | لا علم بالحادثة النفسية بالمعنى التجريبي | نقل الدراسة من الشعور الباطن إلى السلوك الظاهر |

الموقف الأوّل: الحادثة النفسية لا تقبل التجريب

الموقف الأوّل: الحادثة النفسية لا تقبل التجريب

1. ضبط الموقف

يرى عدد من المفكّرين والفلاسفة، أمثال أوغست كونت الذي أنكر أن يكون الاستبطان منهجاً علمياً، و هنري برغسون الذي ميّز الكيف النفسي من الكمّ المكاني، أنّه لا يمكن أن تكون الحوادث النفسية موضوعاً للدراسة العلمية التجريبية.

ومسلّمتهم: أنّ الدراسة العلمية للظواهر ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة العلاقة بين الذات الدارسة وموضوع الدراسة. فإذا كانت منفصلة أمكنت الموضوعية، وإذا كانت متّصلة تعذّرت. وفي علم النفس الذات هي الموضوع.

2. الحجج والبراهين

الحجّة الأولى ــ ازدواج الذات. وهي حجّة أوغست كونت: في الاستبطان تكون الذات دارسة ومدروسة في آنٍ واحد، وهذا يُخلّ بشرط المسافة بين الباحث وموضوعه. فمن يتأمّل غضبه يكفّ عن أن يكون غاضباً، ومن يبقى غاضباً لا يستطيع أن يتأمّل.

الحجّة الثانية ــ الحادثة لا تعرف السكون. وقد وصف وليام جيمس الشعور بأنّه تيّار متدفّق، فهي متغيّرة، سيل لا ينقطع عن الحركة والديمومة، كثيرة التبدّل لا تثبت على حال. فلو طبّقنا عليها الدراسة التجريبية لقضينا على طبيعتها.

الحجّة الثالثة ــ لا امتداد لها في المكان. فلا مكان للشعور ولا للانتباه، ولا حجم للتذكّر ولا للحلم. والمنهج التجريبي وُضع لظواهر تشغل حيّزاً وتُقاس بأدوات المكان.

الحجّة الرابعة ــ التداخل والتشابك. فالإدراك يتداخل مع الإحساس، والذكاء مع الخيال، والانتباه مع الإرادة. ولا سبيل إلى عزل عامل واحد لدراسته.

الحجّة الخامسة ــ الفرادة وتعذّر التكرار. فالحادث النفسي يجري في الزمن النفسي الذي لا ينعكس على نفسه، بخلاف الزمن الفيزيائي. فالحزن الذي شعرت به أمس لا يعود اليوم كما كان.

الحجّة السادسة ــ الكيفية لا الكمّية. وهي حجّة برغسون الذي يرى الأحوال النفسية كيفيات تتداخل في ديمومة واحدة لا مقادير تُقاس: فالعواطف والأفراح والأحزان مشاعر تتميّز بالكيف ولا تقبل القياس، وما لا يُقاس ليس فيه من العلم شيء.

الحجّة السابعة ــ الباطنية والشخصية. فهي حادثة داخلية لا يدركها مباشرة سوى صاحبها، فلا يمكن الاطّلاع عليها بالملاحظة الخارجية التي يشترطها العلم، وهي شخصية تتعلّق بالذات التي تعانيها لا بغيرها.

3. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ وصف الألم: يسأل الطبيب مريضه أن يقدّر ألمه من عشرة، فيعطي كلّ مريض رقماً مختلفاً للألم نفسه. فالقياس هنا لفظي لا حقيقي.

المثال الثاني ــ الفرح: كيف تقيس فرح ناجح في البكالوريا؟ لا جهاز يزنه، ولا وحدة تقيسه، وكلّ ما نملكه وصفه بالألفاظ.

المثال الثالث ــ أثر الملاحظة: من يعلم أنّه مراقَب يغيّر سلوكه بلا قصد. فالموضوع يتغيّر بمجرّد ملاحظته، وهو ما لا يقع في المادة الجامدة.

المثال الرابع ــ الحلم: لا يستطيع أحد أن يشاهد حلم غيره، ولا أن يعيده ليدرسه، وكلّ ما يملكه رواية الحالم بعد يقظته، وهي رواية ناقصة.

4. نقد الموقف الأوّل

النقد الأوّل ــ في المضمون: رغم ما قدّمه هؤلاء من أدلّة، فإنّ أحكامهم تتّسم بالتشدّد، خاصّة إذا علمنا أنّهم أرادوا أن يقيسوا علمية علم النفس بمقياس وُضع أصلاً لقياس علمية العلوم الطبيعية.

النقد الثاني ــ في الشكل: بقي هؤلاء سجناء التصوّر الكلاسيكي للمنهج التجريبي وما يتّصل به من مفاهيم كالملاحظة والتجربة والقياس والحتمية. فهم يقيسون علماً جديداً بمعايير علم آخر، وهذا خطأ في المعيار لا في الموضوع.

النقد الثالث ــ من الواقع: الواقع يثبت أنّ عدداً من العلماء استطاعوا اقتحام بعض العوائق وتحقيق قدر من الموضوعية بتكييف المنهج مع طبيعة الظاهرة المدروسة.

5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> يرى عدد من المفكّرين أمثال أوغست كونت وبرغسون أنّه لا يمكن أن تكون الحوادث النفسية موضوعاً للدراسة العلمية التجريبية، ويؤسّسون موقفهم على مسلّمة مفادها أنّ الدراسة العلمية ترتبط بطبيعة العلاقة بين الذات الدارسة وموضوعها: فإن كانت منفصلة أمكنت الموضوعية، وإن كانت متّصلة تعذّرت، وفي علم النفس الذات هي الموضوع. وحججهم أنّ الحادثة النفسية لا تعرف السكون فهي سيل لا ينقطع، وأنّها لا تشغل حيّزاً مكانياً فلا مكان للشعور ولا حجم للتذكّر، وأنّها شديدة التداخل فالإدراك يتداخل مع الإحساس والانتباه مع الإرادة، وأنّها فريدة تجري في الزمن النفسي الذي لا ينعكس على نفسه، وأنّها كيفية لا تقبل القياس فالأفراح والأحزان لا تُوزن، وما لا يُقاس ليس فيه من العلم شيء، وأنّها باطنية لا يدركها سوى صاحبها فتمتنع الملاحظة الخارجية. ويشهد للواقع أنّ الطبيب حين يسأل مريضه أن يقدّر ألمه من عشرة يحصل على أرقام مختلفة للألم نفسه. ونقده: رغم ما قدّموه من أدلّة فإنّ أحكامهم متشدّدة، إذ أرادوا أن يقيسوا علمية علم النفس بمقياس وُضع لقياس علمية العلوم الطبيعية، وبقوا سجناء التصوّر الكلاسيكي للمنهج التجريبي، والواقع يثبت أنّ علماء استطاعوا تحقيق قدر من الموضوعية بتكييف المنهج. — قالب الموقف الأوّل ونقده

الموقف الثاني: الحادثة النفسية تقبل الدراسة العلمية

الموقف الثاني: الحادثة النفسية تقبل الدراسة العلمية

1. ضبط الموقف

يرى عدد آخر من المفكّرين والعلماء أنّه يمكن أن تكون الحوادث النفسية موضوعاً للدراسة التجريبية كغيرها من الظواهر.

ومسلّمتهم: أنّ التقدّم الذي أحرزه العلماء في الدراسات النفسية، ورغبتهم في الدقّة والموضوعية، مكّنهم من آليات منهجية أكثر ملاءمة لطبيعة الظاهرة النفسية.

2. الحجج والبراهين

الحجّة الأولى ــ تأسيس علم النفس التجريبي. يرجع الفضل إلى فيلهلم فونت الذي حاول وضع أسس علم النفس التجريبي، وأسّس أوّل مخبر لعلم النفس في ألمانيا سنة 1879. فصارت للظاهرة النفسية مخبر كما للفيزياء مخبرها.

الحجّة الثانية ــ الانتقال من الشعور إلى السلوك. اتّخذ علم النفس اتجاهاً جديداً بازدياد عدد العلماء الذين تخلّوا عن دراسة الخبرة الشعورية بالاستبطان إلى دراسة السلوك. وبهذا حُلَّ عائق الباطنية: فبدل أن ندرس ما لا يُرى، ندرس ما يظهر منه.

الحجّة الثالثة ــ تجارب بافلوف. بدأ الاهتمام الكبير بالدراسة الموضوعية للسلوك بتجارب الفيزيولوجي بافلوف الذي اكتشف ظاهرة المنعكس الشرطي. فأثبت أنّ السلوك يُكتسب وفق قانون يمكن ضبطه والتنبّؤ به.

الحجّة الرابعة ــ المدرسة السلوكية. أسّس جون واطسن المدرسة السلوكية، وأكّد أنّ كلّ دراسة للسلوك الإنساني ينبغي أن تلاحقه في مظاهره الخارجية التي تظهر في صورة مثير واستجابة، فتُتتبَّع الاستجابات التي يردّ بها الإنسان على كلّ مؤثّر، ومن ثمّ يُوصل إلى قوانين تحدّد السلوك وإلى حتمية تتيح التنبّؤ.

> «إنّ علم النفس كما يراه السلوكي فرع موضوعي وتجريبي محض من فروع العلوم الطبيعية، هدفه النظري التنبّؤ بالسلوك وضبطه، ويبدو أنّ الوقت قد حان ليتخلّص علم النفس من كلّ إشارة إلى الشعور» — جون واطسن

الحجّة الخامسة ــ إدخال القياس. أدخل العلماء القياس إلى الدراسات النفسية: كقياس بعض القدرات العقلية أو المهارات الحركية، باستعمال أجهزة وأدوات تضمن الدقّة. مثال ذلك قياس قوّة التحمّل، وسرعة التعب، ومهارة الأصابع، ونسبة الذكاء.

الحجّة السادسة ــ التحليل النفسي. فتح فرويد باباً ثالثاً بمنهج التداعي الحرّ، فبيّن أنّ ما يبدو عشوائياً في السلوك له سبب في اللاشعور، فأدخل الحتمية إلى مجال كان يُعدّ مجال المصادفة.

3. أمثلة واقعية

المثال الأوّل ــ تجربة الكلب عند بافلوف: قرن صوت الجرس بتقديم الطعام مرّات، فصار الكلب يسيل لعابه لمجرّد سماع الجرس. تجربة مضبوطة قابلة للتكرار والقياس على ظاهرة نفسية.

المثال الثاني ــ اختبارات الذكاء: تُجرى على ملايين التلاميذ في العالم، ونتائجها تُقارن وتُعالَج إحصائياً وتُبنى عليها قرارات التوجيه.

المثال الثالث ــ العلاج السلوكي للرهاب: يُعالَج الخوف المرضي بالتعريض التدريجي، وهو تطبيق مباشر لقوانين التعلّم الشرطي، ونجاحه يُقاس بنسب.

المثال الرابع ــ علم النفس المدرسي في الجزائر: مستشار التوجيه يستعمل اختبارات الميول والقدرات، ويبني عليها نصيحة الشعبة. فالظاهرة النفسية تُقاس في المؤسّسة التربوية نفسها.

المثال الخامس ــ زمن الاستجابة: يُقاس بالأجزاء من الثانية في مخابر علم النفس، ويُستعمل في تقييم الانتباه والتعب عند السائقين والطيّارين.

4. نقد الموقف الثاني

النقد الأوّل ــ في المضمون: رغم الأعمال الكبيرة التي قام بها علماء النفس ومساهمتها في انفصال هذا العلم عن الفلسفة، فلا غنى للباحث الموضوعي عن التعرّف على الوجه الباطني للحادثة النفسية إذا أراد إكمال معرفته، لأنّ الحادثة النفسية في أساسها باطنية.

النقد الثاني: أعمال التجريبيين والسلوكيين لا تعني بحال أنّ علم النفس تجاوز كلّ العوائق. فلا ينبغي المبالغة في اعتبار الحوادث النفسية موضوعاً لمعرفة علمية بصورة مطلقة، لأنّ ذلك يؤدّي إلى إزالة طبيعتها الإنسانية.

النقد الثالث ــ في الشكل: الاقتصار على السلوك الظاهر يفسّر الإنسان بما يشترك فيه مع الحيوان، ويُسقط ما يميّزه وهو المعنى الذي يعطيه لفعله. فتجربة ناجحة على كلب لا تُعمَّم على إنسان بلا تحفّظ، لأنّ الإنسان يفسّر المثير قبل أن يستجيب له.

5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء

> في المقابل يرى عدد آخر من العلماء أنّه يمكن أن تكون الحوادث النفسية موضوعاً للدراسة التجريبية كغيرها من الظواهر، معتمدين على مسلّمة مفادها أنّ التقدّم في الدراسات النفسية مكّن من آليات منهجية أكثر ملاءمة لطبيعة الظاهرة. فيرجع الفضل إلى فونت الذي وضع أسس علم النفس التجريبي وأسّس أوّل مخبر لعلم النفس في ألمانيا. ثمّ اتّخذ هذا العلم اتجاهاً جديداً بتخلّي العلماء عن دراسة الخبرة الشعورية بالاستبطان إلى دراسة السلوك، وبدأ ذلك بتجارب بافلوف الذي اكتشف المنعكس الشرطي، وأسّس واطسن المدرسة السلوكية مؤكّداً أنّ دراسة السلوك ينبغي أن تلاحقه في مظاهره الخارجية في صورة مثير واستجابة، للوصول إلى قوانين تتيح التنبّؤ، ولهذا يقول: «إنّ علم النفس كما يراه السلوكي فرع موضوعي وتجريبي محض من فروع العلوم الطبيعية، هدفه التنبّؤ بالسلوك وضبطه». وقد أدخل العلماء القياس إلى هذا المجال، كقياس قوّة التحمّل وسرعة التعب ونسبة الذكاء. ويشهد للواقع أنّ اختبارات الذكاء تُجرى على ملايين التلاميذ وتُبنى عليها قرارات التوجيه. ونقده: لكن لا غنى للباحث عن التعرّف على الوجه الباطني للحادثة النفسية، لأنّها في أساسها باطنية، وأعمال السلوكيين لا تعني أنّ علم النفس تجاوز كلّ العوائق، والمبالغة في عدّ الحوادث النفسية موضوعاً لمعرفة علمية مطلقة تؤدّي إلى إزالة طبيعتها الإنسانية. — قالب الموقف الثاني ونقده

التركيب والرأي الشخصي

التركيب والرأي الشخصي

1. التركيب: علم على منواله

يمكن القول، تجاوزاً للانتقادات الموجّهة إلى الاتجاهين، إنّه يمكن أن تكون الحوادث النفسية موضوعاً للدراسة العلمية مع مراعاة خصوصيتها، وبالتالي نعدّ علم النفس علماً على منواله.

فالمبالغتان مرفوضتان: القول بأنّ علم النفس لا يمكن أن يتأسّس كعلم بدعوى أنّه يدرس ظواهر تفتقر إلى شروط العلم أمر مبالغ فيه، والقول بأنّه يمكن أن يكون علماً دقيقاً في نتائجه كدقّة علوم المادة الجامدة لا يخلو من المغالاة.

والحوادث النفسية من طبيعة خاصّة، عناصرها متشابكة متشعّبة، وهذا ما يفسّر تعدّد المدارس في علم النفس وتعدّد المناهج: الاستبطان، والتحليل النفسي، والسلوكية. فتعدّد المناهج هنا ليس ضعفاً بل أثر من آثار تعقّد الموضوع.

2. وجه ثانٍ للتركيب: تكامل المناهج الثلاثة

| المنهج | ما يصلح له | ما يعجز عنه | | :--- | :--- | :--- | | الاستبطان | إدراك المعنى الذي يعيشه الشخص | لا يُعمَّم ولا يُتحقّق منه من الخارج | | السلوكي | القياس والتنبّؤ وضبط الشروط | يُهمل الباطن والمعنى | | التحليل النفسي | تفسير ما لا يفسّره الشعور | فروضه يصعب اختبارها |

فالمناهج الثلاثة يكمّل بعضها بعضاً: الأوّل يعطي المعنى، والثاني يعطي القياس، والثالث يعطي العمق. ومن اقتصر على واحد منها وصف جانباً وأهمل جانبين.

3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً

الصيغة الأولى ــ علم على منواله

> والذي أراه أنّ علم النفس علم على منواله، لا يُقاس بمقياس الفيزياء ولا يُنكر لأجل ذلك. وأساس هذا الترجيح أنّ معيار العلمية ليس التجربة المخبرية وحدها، بل قابلية النتيجة للمراجعة والتكذيب، وهذا متحقّق في علم النفس: فنظرياته تُراجع وتُهجَر حين تُكذَّب، كما هُجرت نظريات كثيرة في القرن الماضي. — قالب الرأي الأوّل

الصيغة الثانية ــ تكامل المناهج

> وأرجّح أنّ الخطأ في هذه المسألة هو طلب منهج واحد لموضوع متعدّد الوجوه. فالإنسان سلوك يُلاحَظ وشعور يُعاش ولا شعور يُستنتج، ولكلّ وجه منهجه. ويشهد لذلك أنّ العلاج النفسي الناجح اليوم يجمع بين الأساليب السلوكية والحوار مع المريض، أي بين القياس والمعنى. — قالب الرأي الثاني

الصيغة الثالثة ــ حدّ الموضوعية

> وأميل إلى أنّ الموضوعية في علم النفس ممكنة في السلوك متعذّرة في المعنى. فبإمكاننا أن نقيس زمن استجابة سائق للضوء الأحمر بدقّة، ولا نستطيع أن نقيس ما يعنيه له انتظار الإشارة. ومن طلب من هذا العلم أن يقيس المعنى طلب منه ما ليس من شأنه. — قالب الرأي الثالث

4. صيغ جاهزة للخاتمة

الصيغة الأولى

> ختاماً وممّا سبق، وكمخرج للمشكلة، يمكننا القول إنّ الحادثة النفسية، بالرغم من أنّها ذات طبيعة خاصّة تميّزها عن غيرها، فإنّها قابلة للدراسة العلمية، وبذلك يمكن القول إنّ علم النفس علم على منواله: لا هو فرع من الفيزياء ولا هو باب من الأدب. — قالب الخاتمة الأولى

الصيغة الثانية

> وصفوة القول إنّ ما يميّز علم النفس ليس نقصاً فيه بل خصوصية في موضوعه. فهو العلم الوحيد الذي يكون فيه الدارس من جنس المدروس، وهذا ما جعله يتعدّد مناهجه ويتجدّد باستمرار. فهو علم لأنّه منهجي ومراجَع، وهو خاصّ لأنّ موضوعه هو الإنسان في باطنه. — قالب الخاتمة الثانية

5. تنبيه في التنقيط

بند «توظيف الأمثلة» منقّط في المراحل الأربع، وهذا الدرس أغنى الدروس بالأمثلة. فاحفظ تجربة بافلوف واختبارات الذكاء، وقد كفاك المثالان في المقالة كلّها.

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء

نصّ السؤال: هل يمكن دراسة الظاهرة النفسية دراسة علمية موضوعية؟

طرح المشكلة

إنّ أبسط تعريف لعلم النفس أنّه العلم الذي يدرس الإنسان في بعده النفسي: كيف يفكّر؟ وكيف يتمّ إحساسه بالأشياء؟ وما طبيعة العواطف التي تثور في نفسه؟ وكيف تنطلق ذكرياته؟ ومعنى ذلك أنّ الحادث النفسي يشكّل موضوعاً خصباً لعلم النفس. ونظراً لما تتميّز به الظاهرة النفسية من خصائص تميّزها عن غيرها من الظواهر، خاصّة الفيزيائية منها، نشأ اختلاف بين الفلاسفة والعلماء في نظرتهم إلى موضوع هذه الظاهرة وإمكان دراستها تجريبياً، وظهر بذلك اتجاهان: أحدهما ينفي إمكان الدراسة التجريبية للحادث النفسي، والآخر يؤكّد إمكان دراسته علمياً. ومن هنا نتساءل: هل يمكن تطبيق المنهج التجريبي في مجال الدراسات النفسية؟ وهل يصلح الحادث النفسي لأن يكون موضوعاً للمعرفة العلمية؟

محاولة حلّ المشكلة

أوّلاً: الموقف الأوّل ــ الحادثة النفسية لا تقبل الدراسة التجريبية

يرى عدد من المفكّرين والفلاسفة أمثال أوغست كونت وبرغسون أنّه لا يمكن أن تكون الحوادث النفسية موضوعاً للدراسة العلمية التجريبية. ويؤسّس أنصار هذا الطرح موقفهم على مسلّمة مفادها أنّ الدراسة العلمية التجريبية للظواهر ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة العلاقة القائمة بين الذات الدارسة وموضوع الدراسة: فإذا كانت هذه العلاقة منفصلة، حيث تكون الذات مستقلّة عن الموضوع كما في العلوم الطبيعية، كانت الموضوعية ممكنة؛ أمّا إذا كانت متّصلة، حيث تكون الذات مندمجة في الموضوع وجزءاً منه كما في الدراسات النفسية، فإنّ الموضوعية تكون متعذّرة. وقد دعموا موقفهم بأدلّة: منها أنّ الحادثة النفسية موضوع لا يعرف السكون، فهي متغيّرة وسيل لا ينقطع عن الحركة والديمومة، ولو طبّقنا عليها الدراسة التجريبية لقضينا على طبيعتها. ومنها أنّها لا تشغل حيّزاً مكانياً، فلا مكان للشعور أو الانتباه ولا حجم للتذكّر أو الحلم. ومنها أنّها شديدة التداخل والتشابك، فالإدراك يتداخل مع الإحساس والذكاء مع الخيال والانتباه مع الإرادة. ومنها أنّها فريدة لا تقبل التكرار، لأنّها تجري في الزمن النفسي الذي لا ينعكس على نفسه عكس الزمن الفيزيائي. ومنها أنّها كيفية يمكن وصفها باللغة ولا يمكن قياسها، فالأفراح والأحزان تتميّز بالكيف، وما لا يُقاس ليس فيه من العلم شيء. ومنها أنّها باطنية لا يدركها مباشرة سوى صاحبها، فلا يمكن الاطّلاع عليها بالملاحظة الخارجية. ويشهد للواقع أنّ الطبيب حين يطلب من مريضه أن يقدّر ألمه من عشرة يحصل على أرقام مختلفة للألم نفسه.

نقده: لكن رغم ما قدّمه هؤلاء من أدلّة، فإنّ الأحكام التي أصدروها تتميّز بالتشدّد، خاصّة إذا علمنا أنّهم أرادوا أن يقيسوا علمية علم النفس بمقياس وُضع أصلاً لقياس علمية العلوم الطبيعية. بالإضافة إلى ذلك، بقي هؤلاء سجناء التصوّر الكلاسيكي عن المنهج التجريبي وما يتّصل به من مفاهيم كالملاحظة والتجربة والقياس والحتمية. كما أنّ الواقع يثبت أنّ عدداً من العلماء استطاعوا اقتحام بعض العوائق وتحقيق قدر من الموضوعية بتكييف المنهج التجريبي مع طبيعة الظاهرة المدروسة.

ثانياً: الموقف الثاني ــ الحادثة النفسية تقبل الدراسة العلمية

في المقابل يرى عدد آخر من المفكّرين والعلماء أنّه يمكن أن تكون الحوادث النفسية موضوعاً للدراسة التجريبية كغيرها من الظواهر. ومن المسلّمات التي اعتمدوا عليها أنّ التقدّم الذي أحرزه العلماء في مجال الدراسات النفسية، ورغبة الباحثين في تحقيق الدقّة والموضوعية، قد مكّن علماء النفس من آليات منهجية أكثر ملاءمة لطبيعة الظاهرة. ولعلّ أبرز من مهّد لذلك فونت الذي حاول وضع أسس علم النفس التجريبي، وهو الذي أسّس أوّل مخبر لعلم النفس في ألمانيا. ثمّ اتّخذ علم النفس اتجاهاً جديداً بازدياد عدد العلماء الذين تخلّوا عن دراسة الخبرة الشعورية بواسطة الاستبطان إلى دراسة السلوك، وقد بدأ الاهتمام الكبير بالدراسة الموضوعية للسلوك بتجارب الفيزيولوجي بافلوف الذي اكتشف ظاهرة المنعكس الشرطي. وفي السياق نفسه أسّس جون واطسن المدرسة السلوكية، وأكّد أنّ كلّ دراسة للسلوك الإنساني ينبغي أن تلاحقه في مظاهره الخارجية التي تظهر في صورة مثير واستجابة، ومن ثمّ الوصول إلى قوانين تحدّد السلوك وإلى حتمية تتيح إمكان التنبّؤ، ولهذا يقول واطسن: «إنّ علم النفس كما يراه السلوكي فرع موضوعي وتجريبي محض من فروع العلوم الطبيعية، هدفه النظري التنبّؤ بالسلوك وضبطه». بالإضافة إلى ذلك أدخل العلماء القياس إلى مجال الدراسات النفسية، كقياس بعض القدرات العقلية أو المهارات الحركية باستخدام أجهزة وأدوات خاصّة، مثل قياس قوّة التحمّل وسرعة التعب ومهارة الأصابع ونسبة الذكاء. ويشهد للواقع أنّ اختبارات الذكاء تُجرى على ملايين التلاميذ وتُعالَج نتائجها إحصائياً وتُبنى عليها قرارات التوجيه.

نقده: لكن رغم الأعمال الكبيرة التي قام بها علماء النفس ومساهمتها في تطوّر هذا العلم وانفصاله عن الفلسفة تدريجياً، فلا غنى للباحث الموضوعي عن التعرّف على الوجه الباطني للحادثة النفسية إذا أراد إكمال معرفته، لأنّ الحادثة النفسية في أساسها باطنية. كما أنّ أعمال التجريبيين والسلوكيين لا تعني بأيّ حال أنّ علم النفس تجاوز كلّ العوائق، فلا ينبغي المبالغة في اعتبار الحوادث النفسية موضوعاً لمعرفة علمية بصورة مطلقة، لأنّ ذلك يؤدّي إلى إزالة طبيعتها الإنسانية.

ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي

يمكننا القول إذن، وتجاوزاً للانتقادات الموجّهة إلى كلا الاتجاهين، إنّه يمكن أن تكون الحوادث النفسية موضوعاً للدراسة العلمية مع مراعاة خصوصيتها، وبالتالي نعتبر علم النفس علماً على منواله. فالقول بأنّ علم النفس لا يمكن أن يتأسّس كعلم بدعوى أنّه يدرس ظواهر تفتقر إلى الشروط الأساسية للعلم أمر مبالغ فيه، كما أنّ القول بأنّه يمكن أن يكون علماً دقيقاً في نتائجه كدقّة علوم المادة الجامدة لا يخلو من المغالاة. فالحوادث النفسية من طبيعة خاصّة تختلف جوهرياً عن موضوعات العلوم الأخرى، وعناصرها متشابكة متشعّبة، وهو ما يفسّر تعدّد المدارس في علم النفس وتعدّد المناهج. والذي أراه أنّ الخطأ في هذه المسألة هو طلب منهج واحد لموضوع متعدّد الوجوه: فالإنسان سلوك يُلاحَظ، وشعور يُعاش، ولا شعور يُستنتج، ولكلّ وجه منهجه. وأساس هذا الترجيح أنّ العلاج النفسي الناجح اليوم يجمع بين الأساليب السلوكية القابلة للقياس والحوار مع المريض الذي يكشف المعنى، أي بين القياس والفهم معاً.

حلّ المشكلة

ختاماً وممّا سبق، وكمخرج للمشكلة، يمكننا القول إنّ الحادثة النفسية، بالرغم من أنّها ذات طبيعة خاصّة تميّزها عن غيرها من الظواهر، فإنّها قابلة للدراسة العلمية. وبذلك يمكن القول إنّ علم النفس علم على منواله: ليس فرعاً من الفيزياء فيُقاس بمقياسها، وليس باباً من الأدب فيُترك للانطباع. فهو علم لأنّه منهجي وقابل للمراجعة، وهو خاصّ لأنّ موضوعه هو الإنسان في باطنه.

---

تحويل المقالة إلى استقصاء

بالوضع: «إنّ الظاهرة النفسية تقبل الدراسة العلمية» دافع عن هذه الأطروحة.

| ما عندك | ما تفعل به | | :--- | :--- | | الموقف الثاني بمناهجه وقول واطسن | الأطروحة مفصّلة | | نقد الموقف الثاني | يُحذف | | خصائص الحادثة النفسية السبع | منطق الخصوم مختصراً | | نقد الموقف الأوّل | يُوسَّع: مقياس موضوع لعلم آخر | | أمثلة بافلوف والاختبارات والعلاج السلوكي | حججك الشخصية |

بالرفع: «إنّ الحادثة النفسية باطنية لا تقبل الملاحظة، فلا علم بها». أبطل هذه الأطروحة.

فتعرض الأطروحة من حجج الموقف الأوّل، ثمّ تنقدها بنقده موسّعاً، ثمّ ترفعها بمناهج الموقف الثاني.

ماذا تحفظ؟

  • **خصائص الحادثة النفسية**: أربع منها تكفي.
  • **ثلاثة أسماء**: فونت والمخبر، وبافلوف والمنعكس الشرطي، وواطسن والسلوكية.
  • **قول واطسن** وحده يكفي في هذا الدرس.
  • **مثالان**: تجربة الكلب، واختبارات الذكاء.
  • **جملة التركيب**: علم النفس علم على منواله.

الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.

تمرّن على هذا الدرس

تمارين درس الظاهرة النفسية: هل تقبل الدراسة العلمية؟ (50 تمريناً) — تمارين مصحّحة، أوّلها مفتوح للجميع.

مواضيع بكالوريا الفلسفة

كل مواضيع بكالوريا الفلسفة

دروس أخرى في الفلسفة