الحرية والمسؤولية: هل تتنافيان؟
مقالة جدلية في علاقة الحرية بالمسؤولية، بين من يراهما متعارضتين ومن يرى المسؤولية مشروطة بالحرية، مع شروط المسؤولية ومراحل الفعل الإرادي.
يتكوّن الدرس من 7 أجزاء: تأطير المشكلة وشروط المسؤولية، الموقف الأوّل: المسؤولية تتنافى والحرية، الموقف الثاني: المسؤولية تشترط الحرية، التركيب والرأي الشخصي، المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية، هل تُلغي الحتمية مسؤولية الفرد؟، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.
تأطير المشكلة وشروط المسؤولية
تأطير المشكلة وشروط المسؤولية
1. عائلة الأسئلة
- هل الحرية تتنافى والمسؤولية؟
- هل يمكن إثبات المسؤولية في ظلّ غياب الحرية؟
- هل الإنسان حرّ لأنّه مسؤول، أم مسؤول لأنّه حرّ؟
- الحرية والمسؤولية: أيّهما شرط للآخر؟
- هل الجزاء العقابي غرضه أخلاقي أم اجتماعي؟
2. المفاهيم الأساسية
| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | الحرية | شعور الفرد بقدرته على الاختيار بين عدّة ممكنات وباستقلاليته في قراره. | | المسؤولية | إلحاق الفعل بصاحبه من حيث هو فاعله، وتحمّله نتائجه. | | المسؤولية الأخلاقية | مسؤولية الفرد أمام ضميره عن نيّته وفعله، وجزاؤها داخلي: الرضا أو تأنيب الضمير. | | المسؤولية الاجتماعية | مسؤولية الفرد أمام المجتمع والقانون عن فعله الظاهر، وجزاؤها خارجي: اللوم أو العقوبة. | | الحتمية | خضوع الظواهر، ومنها سلوك الإنسان، لأسباب تحدّدها بالضرورة. | | الإلزام | ما يُفرض على الفرد من خارجه: قانوناً أو عرفاً. | | الالتزام | ما يفرضه الفرد على نفسه من داخله بضميره. | | الجزاء | ما يترتّب على الفعل من ثواب أو عقاب. | | الكبت | دفع الرغبة المرفوضة اجتماعياً إلى اللاشعور. |
3. جذر المشكلة
كلّ شخص يعبّر عن نفسه بلفظ أنا، وهذا التعبير يحمل وعياً بمعالمه الداخلية، أي شعوراً بما يحمله من رغبات وميول تظهر في شكل سلوك يُسمّى سلوكاً حرّاً.
وهنا يقع التوتّر الظاهر: فالمسؤولية تأخذ طابع الإلزام والالتزام، والحرية تحرّر من كلّ إلزام. فهل يسمح لنا هذا بأن نعتبر أنّ المسؤولية تتنافى والحرية؟ أم أنّ هذا التعارض غير حقيقي فلا يمنع توحّدهما؟
4. شروط المسؤولية الثلاثة
احفظ هذه الشروط، فهي مفتاح التركيب في هذا الدرس:
| الشرط | معناه | ما يترتّب على غيابه | | :--- | :--- | :--- | | الوعي | أن يعلم الفاعل ما يفعل | من فعل نائماً أو غافلاً لا يُسأل | | العقل والتمييز | أن يميّز بين الخير والشرّ | المجنون والصبي لا يُسألان | | الحرية | ألّا يكون مكرَهاً | المكرَه لا يُسأل، وهذا مبدأ في كلّ القوانين |
فالشرط الثالث هو موضوع هذا الدرس: إن سقطت الحرية سقطت المسؤولية.
5. مراحل الفعل الإرادي
| المرحلة | بيانها | | :--- | :--- | | الشعور بالرغبة | تظهر الرغبة في النفس فتدفع إلى الفعل | | المداولة الذهنية | يوازن العقل بين الممكنات وعواقبها | | اتّخاذ القرار | تثبيت النية والقصد إلى الفعل | | التنفيذ | الفعل الخارجي |
والقصد إلى الفعل شرط من شروط المسؤولية، ولهذا يفرّق القانون بين القتل العمد والقتل الخطأ.
6. صيغة جاهزة للمقدّمة
> من المتعارف عليه أنّ كلّ شخص يعبّر عن نفسه بلفظ «أنا»، وهذا التعبير يحمل وعياً بمعالمه الداخلية، أي شعور هذه الذات بما تحمله من رغبات وميول تظهر في شكل سلوك يُسمّى سلوكاً حرّاً. وتُعرَّف الحرية بأنّها شعور الفرد بقدرته على الاختيار بين عدّة ممكنات وباستقلاليته في قراراته، في حين تُعرَّف المسؤولية بأنّها إلحاق الفعل بصاحبه من حيث هو صاحبه. وعليه نتساءل: إذا كانت المسؤولية تأخذ طابع الإلزام والالتزام، والحرية تحرّر من كلّ إلزام، فهل يسمح لنا ذلك بأن نعتبر أنّ المسؤولية تتنافى والحرية؟ أم أنّ هذا التعارض بينهما غير حقيقي لا يُحدث تنافراً ولا يمنع توحّدهما؟ — قالب المقدّمة
الموقف الأوّل: المسؤولية تتنافى والحرية
الموقف الأوّل: المسؤولية تتنافى والحرية
1. ضبط الموقف
يرى أنصار المدرسة الاجتماعية بزعامة دوركايم وفيري، وأنصار المدرسة النفسية بزعامة فرويد، أنّ المسؤولية تتنافى مع الحرية.
ومسلّماتهم: أنّ الإنسان ابن بيئته خاضع لحتمية اجتماعية تفرض عليه أن يتحمّل المسؤولية وإن لم يكن حرّاً، وأنّ الطفل يتعرّض لعملية كبت لرغباته فيصير سلوكه ردود أفعال غير واعية.
2. حجّة المدرسة الاجتماعية
يعتقد دوركايم أنّ المجتمع هو الذي يحدّد نمط سلوكنا، لأنّنا نولد ضعفاء ونجد المجتمع منظّماً تنظيماً صارماً في قوانينه ونظمه وأعرافه، التي تُنقل إلينا عن طريق الأسرة بالتربية والتلقين.
فإذا بلغنا سنّ الرشد كان سلوكنا اجتراراً لما تلقّيناه من قيم، ونحن نعتقد أنّنا نأتي بسلوكنا من أنفسنا، في حين أنّه يعبّر عمّا يرغب فيه المجتمع.
والخروج عن القيم الاجتماعية يحمّل الفرد مسؤوليته، فالمجتمع يعاقبه معنوياً بالعرف ومادّياً بالقانون. فالمسؤولية هنا إلزام خارجي مفروض، لا نتيجة اختيار حرّ.
3. حجّة المدرسة النفسية
يقسّم فرويد الجهاز النفسي ثلاثة أقسام:
| القسم | مضمونه | | :--- | :--- | | الهو | مستودع الرغبات الذاتية والميول والغرائز | | الأنا | الذات الواعية التي تشعر بعالمها الداخلي وتوازن بين الطرفين | | الأنا الأعلى | القيم الأخلاقية والمعايير الاجتماعية وكلّ ما يؤمن به المجتمع |
وآلية الصراع: تصعد الرغبة من الهو إلى الأنا، وفي الوقت نفسه تتلقّى الأنا من الأنا الأعلى قيماً اجتماعية. فإذا تعارضا حدث الصراع داخل الأنا، وانتهى غالباً بحكم الأنا الأعلى أي المجتمع، فتعمل الأنا على دفع الرغبة إلى اللاشعور حيث تُكبَت.
ومعنى ذلك أنّ المسؤولية الاجتماعية تتنافى والحرية الفردية، لأنّ ما نسمّيه اختيارنا ليس إلّا انتصار المجتمع داخلنا.
4. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ اختيار الشعبة: كثير من التلاميذ يختارون شعبة بعينها لا لميلهم إليها، بل لأنّ العائلة والمحيط يقدّرانها. ثمّ يُحاسَبون على نتيجة لم يخترها في الحقيقة أحد.
المثال الثاني ــ زلّات اللسان: يقول المرء ما لم يقصده فيُحاسَب عليه. والقول صدر من لا شعوره لا من إرادته.
المثال الثالث ــ جانح في وسط منحرف: طفل نشأ في محيط تسوده الجريمة، ثمّ يُحاسَب بالقانون نفسه الذي يُحاسَب به من نشأ في بيت آمن. فهل تساوت حرّيتهما حتى تتساوى مسؤوليتهما؟
المثال الرابع ــ العادات الغذائية واللباس: تظنّ أنّك تختار ما تأكل وتلبس، والحقيقة أنّ الذوق الذي تختار به صنعه المجتمع فيك.
5. نقد الموقف الأوّل
النقد الأوّل ــ في الشكل، وهو أقوى نقد في هذا الدرس: دوركايم نفسه اعتبر أنّ خروج الفرد عن القوانين الاجتماعية يعرّضه للعقاب لأنّه يتحمّل مسؤولية هذا الخروج. وهذا يؤكّد الحرية ولا ينفيها بأيّ شكل، لأنّ الخروج عن القانون هو الاختيار، والاختيار هو الحرية بعينها. فمن أمكنه أن يخرج كان حرّاً.
النقد الثاني: المجتمع لا يُملي على الفرد القوانين كما لو كانت دستوراً ثابتاً، فهناك أفراد تحرّروا من ضغط المجتمع وأبدعوا. فالمصلحون والعلماء انتهجوا طريقاً فردياً، وقد خالف كثير منهم إجماع عصرهم.
النقد الثالث: لو كان الفرد مسيَّراً بلا شعوره لسقطت المسؤولية كلّها، ولانهار القانون والأخلاق. فالموقف ينتهي إلى نتيجة لا يقبلها أصحابه أنفسهم، إذ لا يقبل دوركايم أن يُترك المجرم بلا عقاب.
6. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> يرى أنصار المدرسة الاجتماعية بزعامة دوركايم، وأنصار المدرسة النفسية بزعامة فرويد، أنّ المسؤولية تتنافى مع الحرية، معتمدين على مسلّمة مفادها أنّ الإنسان ابن بيئته خاضع لحتمية اجتماعية تفرض عليه تحمّل المسؤولية. فيعتقد دوركايم أنّ المجتمع هو الذي يحدّد نمط سلوكنا، لأنّنا نولد ضعفاء ونجد المجتمع منظّماً تنظيماً صارماً في قوانينه وأعرافه التي تُنقل إلينا بالتربية والتلقين، فإذا بلغنا سنّ الرشد كان سلوكنا اجتراراً لما تلقّيناه، ونحن نظنّ أنّنا نأتي به من أنفسنا. ويقسّم فرويد الجهاز النفسي إلى الهو حيث الرغبات، والأنا وهي الذات الواعية، والأنا الأعلى وهو القيم والمعايير الاجتماعية، فإذا تعارضت الرغبة مع القيم حدث الصراع داخل الأنا وانتهى بحكم الأنا الأعلى، فتُكبَت الرغبة في اللاشعور، ممّا يعني أنّ المسؤولية الاجتماعية تتنافى والحرية الفردية. ويشهد للواقع أنّ كثيراً من التلاميذ يختارون شعبة لا لميلهم إليها بل لتقدير المحيط لها. ونقده: لكن دوركايم نفسه اعتبر أنّ خروج الفرد عن القوانين يعرّضه للعقاب لأنّه يتحمّل مسؤولية هذا الخروج، وهذا يؤكّد الحرية ولا ينفيها، لأنّ الخروج عن القانون هو الاختيار والاختيار هو الحرية بعينها. كما أنّ المجتمع لا يُملي القوانين كدستور ثابت، فهناك أفراد تحرّروا من ضغطه وأبدعوا، والمصلحون والعلماء انتهجوا الطريق الفردي. — قالب الموقف الأوّل ونقده
الموقف الثاني: المسؤولية تشترط الحرية
الموقف الثاني: المسؤولية تشترط الحرية
1. ضبط الموقف
يرى أنصار المدرسة العقلية بزعامة أفلاطون، والمعتزلة في الفكر الإسلامي، والمدرسة الوجودية بزعامة سارتر، وكذلك كانط، أنّ المسؤولية تشترط الحرية وتتوحّد معها.
ومسلّماتهم: أنّه لا يكون الإنسان مسؤولاً إلّا إذا كان حرّاً، وأنّه إذا سقطت الحرية سقطت المسؤولية، وأنّ الحرية إذا كانت حقّاً طبيعياً يولد به الإنسان فهو يولد مسؤولاً أيضاً.
2. الحجج والبراهين
عند سارتر: الحرية سابقة على كلّ شيء في الإنسان، وهي التي تفرض عليه الاختيار، وفي الاختيار تتحدّد مسؤوليته.
> «إنّ الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرّاً: محكوم عليه لأنّه لم يخلق نفسه، وهو مع ذلك حرّ لأنّه متى أُلقي به في العالم صار مسؤولاً عن كلّ ما يفعل» — جان بول سارتر
عند المعتزلة: الإنسان يولد حرّاً ويملك القدرة على التمييز بين الخير والشرّ، فإذا اختار الشرّ فهو مسؤول عن اختياره. ولهذا كان التكليف الشرعي مبنيّاً على العقل والحرية.
عند كانط: الاستطاعة تعني القدرة على الاختيار بين القيام بالفعل والتخلّي عنه، ممّا يعني أنّ الواجب الأخلاقي الذي مصدره الضمير يجعلنا مسؤولين عن اختياراتنا.
> «إذا كان يجب عليك فأنت إذن تستطيع» — إيمانويل كانط
عند أفلاطون: يؤكّد ذلك من خلال أسطورة الجندي آر الذي مات في ساحة القتال ثمّ عاد إلى الحياة، فروى ما رآه: أنّ النفوس تُدعى إلى أن تختار بمحض إرادتها حياتها القادمة، وقد أُعلن لها قبل الاختيار: «التبعة على من يختار، والله بريء». فاختار أوّلها حياة طاغية متعجّلاً، فلمّا تبيّن ما فيها من شقاء راح يلوم الحظّ والآلهة وكلّ شيء إلّا نفسه. ثمّ شربت النفوس من نهر النسيان وعادت إلى الأرض وقد نسيت أنّها هي التي اختارت مصيرها.
ومغزى الأسطورة عميق: كثير ممّا نعدّه قدراً مفروضاً علينا هو في الحقيقة نتيجة اختيارات نسيناها.
3. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ القانون الجزائي: يفرّق بين القتل العمد والقتل الخطأ، ويسقط العقوبة عن المجنون والمكرَه والصبي غير المميّز. فالقانون نفسه يجعل الحرية شرطاً للمسؤولية، وهذا أقوى دليل عملي في هذا الدرس.
المثال الثاني ــ الغشّ في الامتحان: لا يُعاقَب التلميذ إلّا إذا ثبت أنّه غشّ قاصداً. فلو سقطت ورقة زميله أمامه بلا فعل منه لم يُعاقَب.
المثال الثالث ــ عقد البيع: يُبطَل إذا ثبت أنّ أحد الطرفين وقّع تحت الإكراه. فالالتزام لا ينعقد إلّا بإرادة حرّة.
المثال الرابع ــ الاعتذار: لا معنى للاعتذار عن فعل لم يكن في وسعك تركه. فوجود الاعتذار في كلّ الثقافات دليل على الاعتراف العامّ بالحرية.
المثال الخامس ــ التوجيه المدرسي: يُطلب من التلميذ أن يختار شعبته ويُوقّع على اختياره، ثمّ يُحاسَب على نتائجه. فالمؤسّسة التربوية تربط المسؤولية بالاختيار.
4. نقد الموقف الثاني
النقد الأوّل ــ في المضمون: هؤلاء يتكلّمون عن حرّية إنسانية مسبقة مطلقة، في حين أنّ الإنسان في الواقع يواجه مجموعة من الحتميات والعوائق. فإذا كان حرّاً فحرّيته محدودة، ممّا يجعل تحميله المسؤولية كاملةً فيه إجحاف أحياناً.
النقد الثاني ــ في الشكل: أسطورة آر عند أفلاطون حجّة أسطورية لا برهانية، فلا تصلح دليلاً في مقام الاستدلال العقلي، وإنّما تصلح صورة موضّحة.
النقد الثالث ــ شرعي: إذا كان هذا المخلوق المكلَّف مسؤولاً عن كلّ ما يصدر عنه، فكيف نفسّر المشيئة الإلهية التي سبقت مشيئته؟
> ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ — سورة التكوير، الآية 29
5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> في مقابل الموقف السابق يرى أنصار المدرسة العقلية بزعامة أفلاطون والمعتزلة في الفكر الإسلامي، وكذا المدرسة الوجودية بزعامة سارتر وكانط، أنّ المسؤولية تشترط الحرية وتتوحّد معها، معتمدين على مسلّمة مفادها أنّه لا يكون الإنسان مسؤولاً إلّا إذا كان حرّاً، وإذا سقطت الحرية سقطت عنه المسؤولية. فيقول سارتر: «إنّ الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرّاً: محكوم عليه لأنّه لم يخلق نفسه، وهو مع ذلك حرّ لأنّه متى أُلقي به في العالم صار مسؤولاً عن كلّ ما يفعل». وترى المعتزلة أنّ الإنسان يولد حرّاً يملك القدرة على التمييز بين الخير والشرّ، فإذا اختار الشرّ فهو مسؤول عن اختياره. ويقول كانط: «إذا كان يجب عليك فأنت إذن تستطيع»، فالاستطاعة تعني القدرة على الاختيار، والواجب الأخلاقي الذي مصدره الضمير يجعلنا مسؤولين. أمّا أفلاطون فيؤكّد ذلك بأسطورة الجندي آر الذي عاد من الموت ليروي أنّ النفوس تختار حياتها القادمة بنفسها، فمن أساء الاختيار لام الحظّ والآلهة ولم يلم نفسه، مع أنّه أُعلن لها: «التبعة على من يختار، والله بريء». ويشهد للواقع أنّ القانون الجزائي يفرّق بين العمد والخطأ ويسقط العقوبة عن المكرَه والمجنون، فالحرية شرط المسؤولية في كلّ التشريعات. ونقده: لكنّ هؤلاء يتكلّمون عن حرّية مسبقة مطلقة، في حين أنّ الإنسان يواجه في الواقع حتميات وعوائق، فحرّيته محدودة، وأسطورة آر حجّة أسطورية لا برهانية. — قالب الموقف الثاني ونقده
التركيب والرأي الشخصي
التركيب والرأي الشخصي
1. التركيب: الحرية إرادة مقاومة
إذا كان الإنسان بطبيعته حرّاً، وفي المقابل توجد حتميات نفسية وفيزيولوجية واجتماعية، فإنّ الحرية قائمة على الإرادة: أي أنّ الإنسان يملك القدرة على مقاومة الحتميات ومواجهة الصعاب.
فإذا استسلم ولم يقاوم فهذا خطأ منه، ولا يُلغي عنه المسؤولية بل تبقى قائمة.
ومثاله الذي يعرفه كلّ تلميذ: الطالب الذي يعلم أنّه متوجّه إلى الامتحان ولا يسلّح نفسه بالاجتهاد، ويستسلم لحتمية حبّ الراحة، فإنّ ذلك لا يُلغي عنه مسؤوليته في الفشل. فالحتمية كانت قائمة، والمقاومة كانت ممكنة، والاختيار وقع.
2. وجه ثانٍ للتركيب: المسؤولية بقدر الحرية
الحرية درجات، والمسؤولية تتدرّج معها. وهذا ما تعمل به كلّ التشريعات:
| الحالة | درجة الحرية | درجة المسؤولية | | :--- | :--- | :--- | | فاعل بالغ عاقل قاصد | تامّة | تامّة | | فاعل تحت ضغط أو تهديد | ناقصة | مخفّفة | | مجنون أو مكرَه إكراهاً تامّاً | منعدمة | منعدمة | | قاصر | ناقصة | مخفّفة أو منتقلة إلى وليّه |
فالتعارض الذي بُني عليه السؤال تعارض ظاهري: لأنّ الطرفين لا يتكلّمان عن الدرجة نفسها من الحرية.
3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً
الصيغة الأولى ــ التلازم
> والذي أراه أنّ الحرية والمسؤولية متلازمتان لا متنافيتان، وأنّ التعارض بينهما لفظي لا حقيقي: فالحرية تشير إلى عدم التقيّد والمسؤولية تشير إلى التقيّد، غير أنّ القيد الثاني ثمرة الأوّل لا نقيضه. وأساس هذا الترجيح أنّ إسقاط المسؤولية عن الإنسان ليس تكريماً لحرّيته بل إلغاء لها، إذ لا يُسأل إلّا من يُعتدّ بفعله، ومن لا يُسأل يُعامَل معاملة الأشياء. — قالب الرأي الأوّل
الصيغة الثانية ــ المسؤولية بقدر الحرية
> وأرجّح أنّ المسؤولية تكون بقدر الحرية لا أكثر ولا أقلّ. وأساس ذلك أنّ العدالة نفسها تقوم على هذا المبدأ: فالقاضي يخفّف العقوبة إذا ثبت الإكراه أو نقص التمييز، ويشدّدها إذا ثبت سبق الإصرار. فالمجتمع لا يسأل الإنسان عمّا لم يكن في وسعه، ولكنّه لا يعفيه ممّا كان في وسعه. — قالب الرأي الثاني
الصيغة الثالثة ــ المسؤولية تصنع الحرية
> وأميل إلى أنّ العلاقة بينهما ذات اتّجاهين: فالحرية تؤسّس المسؤولية، والمسؤولية بدورها تربّي الحرية. فالطفل الذي يُحمَّل مسؤولية صغيرة يتعلّم كيف يختار، والشعب الذي يُمنَع من تحمّل مسؤولياته يبقى قاصراً وإن رُفعت عنه القيود. فمن أراد أن يُحرّر إنساناً فليحمّله مسؤولية. — قالب الرأي الثالث
4. صيغ جاهزة للخاتمة
الصيغة الأولى
> وعموماً نستنتج أنّ الفعل الإرادي يمرّ بمراحل هي: شعور الفرد برغبته، ثمّ المداولة الذهنية، ثمّ اتّخاذ القرار وهو ما يُسمّى تثبيت النية، وهو شرط من شروط المسؤولية. أمّا شروط المسؤولية فهي الوعي والعقل والحرية، ممّا يعني أنّ الفرد لا يكون مسؤولاً إلّا إذا كان سلوكه حرّاً. ومنه فالحرية تشترط المسؤولية في القصد إلى الفعل، والمسؤولية تشترط الحرية، فهما يتوحّدان رغم أنّ الحرية تشير إلى عدم التقيّد والمسؤولية تشير إلى التقيّد. — قالب الخاتمة الأولى
الصيغة الثانية
> وصفوة القول إنّ الحرية والمسؤولية وجهان لحقيقة واحدة هي كون الإنسان فاعلاً لا مفعولاً به. فمن أنكر حرّيته أنكر إنسانيته، ومن رفض مسؤوليته رفض أن يُعتدّ بفعله. ولهذا كانت المسؤولية شرفاً لا عبئاً، لأنّها اعتراف بأنّ ما فعلتَه كان فعلك أنت. — قالب الخاتمة الثانية
5. تنبيه إلى سؤال فرعي
قد يأتي السؤال: «هل الجزاء العقابي غرضه أخلاقي أم اجتماعي؟»
وجوابه من مادّة هذا الدرس: من رأى العقاب أخلاقياً جعل غرضه إصلاح الفاعل وردّ اعتباره لضميره، وهو موقف من يشترط الحرية. ومن رأى العقاب اجتماعياً جعل غرضه حماية الجماعة وردع غيره، وهو موقف المدرسة الاجتماعية. والتركيب أنّ للعقاب غرضين معاً: يصلح الفرد ويحمي الجماعة، ومن أهمل أحدهما صار العقاب إمّا انتقاماً وإمّا قسوة بلا فائدة.
المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية
المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية
1. لماذا نميّز بينهما؟
يطلب البرنامج ضبط مفهوم المسؤولية في وجهيه: الأخلاقي والاجتماعي. فالسؤال «هل أنا مسؤول؟» يحتمل معنيين: مسؤول أمام من؟ أمام ضميري، أم أمام المجتمع وقوانينه؟
والخلط بينهما يُفسد الجواب عن مشكلة الحرية والمسؤولية، لأنّ شروط الأولى ليست تماماً شروط الثانية: فقد يكون المرء مسؤولاً أمام ضميره عن فعل لا يعاقب عليه القانون، وقد يتحمّل أمام القانون نتائج فعل لم يقصده.
2. المقارنة
| وجه المقارنة | المسؤولية الأخلاقية | المسؤولية الاجتماعية | | :--- | :--- | :--- | | أمام من؟ | أمام الضمير، وعند المؤمن أمام الله | أمام المجتمع والقانون | | موضوعها | النيّة والقصد والفعل معاً | الفعل الظاهر ونتائجه | | جزاؤها | داخلي: راحة الضمير أو تأنيبه | خارجي: لوم أو تعويض أو عقوبة | | مجالها | أوسع: تشمل ما لا يعاقب عليه القانون كالكذب والحسد | أضيق: ما يضرّ بالغير أو بالنظام العامّ | | من يتحمّلها | الفاعل وحده، فلا تنتقل إلى غيره | قد تقع على غير الفاعل، كالوليّ عن القاصر |
وجه الاتّفاق: كلتاهما إسناد الفعل إلى صاحبه وتحمّل نتائجه، وكلتاهما تفترض فاعلاً عاقلاً يمكن أن يُسأل.
وجه التداخل: المسؤولية الاجتماعية العادلة تستمدّ مشروعيتها من الأخلاقية، ولهذا يسأل القاضي عن النيّة والقصد، ويفرّق بين العمد والخطأ. والمسؤولية الأخلاقية تجد في الاجتماعية سنداً لها، لأنّ الضمير نفسه يتكوّن في الجماعة.
3. المسؤولية الأخلاقية عند كانط
يرى كانط أنّ قيمة الفعل الأخلاقي في النيّة الطيّبة لا في نتائجه، ولهذا افتتح «أسس ميتافيزيقا الأخلاق» بقوله:
> «لا يمكن أن نتصوّر شيئاً في العالم، بل ولا خارجه، يُعَدّ خيراً بلا قيد إلّا الإرادة الطيّبة» — إيمانويل كانط
والإنسان عنده مسؤول أخلاقياً لأنّه كائن عاقل يشرّع لنفسه القانون الأخلاقي ويخضع له بإرادته، وهذا ما يسمّيه استقلال الإرادة. فالمسؤولية الأخلاقية عنده ثمرة الحرية: لا معنى للواجب إلّا لمن يستطيع أن يفعله أو يتركه.
4. المسؤولية الاجتماعية عند المدرسة الاجتماعية والمدرسة الوضعية
عند دوركايم: المجتمع مصدر القيم، والجزاء ردّ فعل الجماعة على ما يخرق قواعدها. فالمسؤولية هنا تُقاس بالضرر الواقع على الجماعة أكثر ممّا تُقاس بنيّة الفاعل.
عند المدرسة الوضعية في علم الإجرام: رأى لومبروزو أنّ بعض المجرمين يولدون مهيّئين للجريمة بتكوينهم العضوي، ورأى فيري أنّ الجريمة ثمرة عوامل عضوية ونفسية واجتماعية. فأسقطا المسؤولية الأخلاقية القائمة على حرية الاختيار، وأحلّا محلّها مسؤولية اجتماعية تقوم على خطورة الفاعل: فالمجتمع لا يعاقب المجرم لأنّه أخطأ مختاراً، بل يدافع عن نفسه منه بالعلاج أو العزل أو الوقاية.
ونقده: إذا كانت المسؤولية الاجتماعية لا تقوم على الحرية صار العقاب تدبيراً تقنياً لا عدلاً، ولم يبق فرق بين معاقبة الإنسان وترويض الحيوان. ثمّ إنّ القوانين الحديثة، وإن أخذت ببعض أفكار هذه المدرسة كإعفاء المريض العقلي من العقوبة وإخضاعه للعلاج، بقيت تسأل عن القصد والتمييز، أي بقيت تفترض الحرية.
5. أمثلة واقعية
- **الكذب على صديق**: لا يعاقب عليه القانون، **لكنّ الكاذب مسؤول أخلاقياً** ويؤنّبه ضميره.
- **ضرر يحدثه قاصر**: يتحمّل الوليّ تعويض الضرر، فالمسؤولية الاجتماعية **قد تقع على غير الفاعل**، أمّا الأخلاقية فلا تنتقل.
- **السائق الذي يصدم شخصاً بلا قصد**: لا يُعاقب كما يُعاقب القاتل عمداً، لكنّه يتحمّل التعويض، **فالاجتماعية تراعي الضرر والأخلاقية تراعي النيّة**.
- **الغشّ في الامتحان**: عقوبته الإدارية مسؤولية اجتماعية، وشعور التلميذ بأنّه خان ثقة أستاذه ونفسه مسؤولية أخلاقية.
6. صيغة جاهزة
> تنقسم المسؤولية إلى أخلاقية يُسأل فيها الإنسان أمام ضميره عن نيّته وفعله وجزاؤها داخلي، واجتماعية يُسأل فيها أمام المجتمع والقانون عن فعله الظاهر وجزاؤها خارجي. وإذا كان كانط يجعل المسؤولية الأخلاقية ثمرة استقلال الإرادة، فإنّ المدرسة الوضعية مع لومبروزو وفيري أحلّت محلّها مسؤولية اجتماعية تقوم على خطورة الفاعل لا على حرّيته. غير أنّ العقاب الذي لا يقوم على الحرية يصير تدبيراً تقنياً لا عدلاً، ولهذا تبقى المسؤولية الاجتماعية العادلة مستمدّة من الأخلاقية. — قالب المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية
هل تُلغي الحتمية مسؤولية الفرد؟
هل تُلغي الحتمية مسؤولية الفرد؟
1. تأطير المسألة
هذا السؤال من السير المنهجي في البرنامج، ويقابل البند: مشروعية المسؤولية في مقابل الاعتقاد بالجبر والحتمية (الجهمية، سبينوزا، الحتميات).
فإذا كانت أفعال الإنسان مقدّرة سلفاً، أو محدّدة بأسباب طبيعية ونفسية واجتماعية، فبأيّ حقّ نحاسبه عليها؟ وإذا لم نحاسبه، فكيف تقوم الأخلاق والقانون؟
2. الموقف الأوّل: الجبر والحتمية يُسقطان المسؤولية أو يغيّران معناها
الجبر عند الجهمية: يرى جهم بن صفوان أنّ الله هو الفاعل الحقيقي لأفعال العباد، وأنّ الإنسان لا قدرة له ولا اختيار، وتُنسب إليه الأفعال على المجاز كما تُنسب إلى الجمادات. فالمسؤولية بمعناها الحقيقي تسقط، ويصير الثواب والعقاب قضاءً محضاً لا جزاءً على اختيار.
الحتمية عند سبينوزا: كلّ ما يحدث يحدث بضرورة الطبيعة، والإرادة الحرّة وهم ينشأ من وعينا بأفعالنا وجهلنا بأسبابها. لكنّ سبينوزا لا يلغي الجزاء: ففي إحدى رسائله يقرّر أنّ من أصابه داء الكلب من عضّة كلب معذور، ومع ذلك يحقّ للناس أن يتّقوا خطره ولو بإهلاكه. فالجزاء عنده لا يقوم على الاستحقاق الأخلاقي، بل على حماية الجماعة.
الحتميات العلمية:
| الحتمية | مضمونها | أثرها في المسؤولية | | :--- | :--- | :--- | | البيولوجية | الوراثة والتكوين العضوي، ومنها فكرة لومبروزو في المجرم المهيّأ بتكوينه | المجرم مريض يُعالَج لا مذنب يُعاقَب | | النفسية | دوافع لاشعورية مكبوتة لا يعيها صاحبها كما يرى فرويد | الفاعل لا يعرف لماذا فعل | | الاجتماعية | قيم الفرد وأحكامه يتلقّاها من جماعته كما يرى دوركايم | المجتمع شريك في كلّ جريمة |
فإذا صحّت هذه الحتميات صار المجرم ضحية أسباب لم يخترها، وصار العقاب إمّا ظلماً وإمّا علاجاً.
3. الموقف الثاني: المسؤولية مشروعة رغم الحتمية
ردّ المعتزلة على الجبرية: لو كان الله خالق أفعال العباد ثمّ عاقبهم عليها لكان ظالماً، والله منزّه عن الظلم، ولبطل التكليف وإرسال الرسل. فالقول بالعدل الإلهي يستلزم أنّ الإنسان قادر على أفعاله مسؤول عنها.
الحتمية نسبية لا مطلقة: الحتميات تؤثّر في السلوك ولا تحدّده تحديداً كاملاً، بدليل أنّ من نشؤوا في الوسط نفسه لا يسلكون السلوك نفسه. وما بين التأثّر والتحدّد مساحة اختيار هي موضوع المسؤولية.
معرفة الحتمية طريق التحرّر: كلّما عرف الإنسان الأسباب التي تتحكّم فيه استطاع أن يتصرّف فيها: فمن عرف ميله إلى الغضب تجنّب مواقفه، ومن عرف أثر الرفقة السيّئة غيّرها. فالحتمية المعروفة لا تُسقط المسؤولية بل توسّعها، وهو ما يلتقي فيه سبينوزا نفسه حين يجعل الحرية فهماً للضرورة.
المسؤولية نفسها سبب من الأسباب: حتى لو كان السلوك محدّداً بأسبابه، فإنّ المحاسبة والجزاء من جملة هذه الأسباب: فمن يعلم أنّه سيُسأل يتروّى قبل أن يفعل. فالحتمية لا تُبطل المسؤولية، بل تجعلها جزءاً من الأسباب التي تصنع السلوك.
4. التركيب: المسؤولية بقدر ما يبقى من اختيار
الحتمية تخفّف المسؤولية ولا تلغيها: فهي تفسّر لماذا يُخفَّف العقاب عن المريض النفسي والمكرَه والقاصر، لكنّها لا تعفي الراشد العاقل الذي كان في وسعه أن يقاوم. فالقانون يعدّل الجزاء بحسب درجة الحرية، كما رأينا في جدول درجات المسؤولية.
والقول بالجبر المطلق يهدم الأخلاق والقانون معاً، والقول بحرية لا تعرف قيداً يتجاهل ما كشفه العلم.
| الدعوى | نتيجتها في الجزاء | | :--- | :--- | | جبر مطلق | لا مسؤولية حقيقية: الجزاء قضاء أو مجرّد دفاع عن الجماعة | | حتمية نسبية | مسؤولية مخفّفة بقدر ما ضاق الاختيار | | حرية مع وعي بالحتميات | مسؤولية كاملة عمّا كان في الوسع |
5. أمثلة واقعية
- **المدمن**: تُخفَّف مسؤوليته عن أفعال الإدمان، **لكنّه مسؤول عن الخطوة الأولى** التي اختارها، وعن طلب العلاج إن أمكنه.
- **المريض العقلي**: لا يُسأل جزائياً، ويُعالَج بدل أن يُعاقَب، وهذا اعتراف بأنّ **المسؤولية تسقط حيث يسقط التمييز**.
- **الشابّ في حيّ تكثر فيه الجريمة**: الوسط يرفع احتمال انحرافه، **لكنّ أغلب شباب الحيّ لا ينحرفون**، فالوسط مؤثّر لا محدّد.
6. صيغة جاهزة
> قد يُظنّ أنّ الاعتقاد بالجبر والحتمية يُسقط المسؤولية: فقد رأى جهم بن صفوان أنّ الإنسان لا قدرة له ولا اختيار وأنّ أفعاله تُنسب إليه على المجاز، ورأى سبينوزا أنّ الإرادة الحرّة وهم ينشأ من جهلنا بالأسباب، وكشفت الحتميات البيولوجية والنفسية والاجتماعية عن أسباب لم يخترها الفاعل. غير أنّ سبينوزا نفسه لم يُلغِ الجزاء، والمعتزلة بيّنوا أنّ عقاب المجبَر ظلم ينزّه الله عنه. والحقّ أنّ الحتمية نسبية تؤثّر ولا تحدّد، وأنّ معرفتها طريق التحرّر منها، وأنّ المحاسبة نفسها سبب يصنع السلوك، فالحتمية تخفّف المسؤولية ولا تلغيها. — قالب مشروعية المسؤولية
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
نصّ السؤال: هل الحرية تتنافى والمسؤولية؟
طرح المشكلة
من المتعارف عليه أنّ كلّ شخص يعبّر عن نفسه بلفظ «أنا»، وهذا التعبير يحمل وعياً بمعالمه الداخلية، أي شعور هذه الذات بما تحمله من رغبات وميول تظهر في شكل سلوك يُسمّى سلوكاً حرّاً. وتُعرَّف الحرية بأنّها شعور الفرد بقدرته على الاختيار بين عدّة ممكنات وبقدرته على الاستقلالية في قراراته وسلوكياته، في حين تُعرَّف المسؤولية بأنّها إلحاق الفعل بصاحبه من حيث هو صاحب الفعل. وعليه يمكننا أن نتساءل: إذا كانت المسؤولية تأخذ طابع الإلزام والالتزام، والحرية تحرّر من كلّ إلزام، فهل يسمح لنا ذلك بأن نعتبر أنّ المسؤولية تتنافى والحرية؟ أم أنّ هذا التعارض بينهما غير حقيقي لا يُحدث تنافراً بينهما ولا يمنع توحّدهما؟
محاولة حلّ المشكلة
أوّلاً: الموقف الأوّل ــ المسؤولية تتنافى والحرية
يرى أنصار المدرسة الاجتماعية بزعامة دوركايم وفيري، بالإضافة إلى أنصار المدرسة النفسية بزعامة فرويد، أنّ المسؤولية تتنافى مع الحرية، ويعتمدون على مسلّمات منها أنّ الإنسان ابن بيئته خاضع لحتمية اجتماعية تفرض عليه أن يتحمّل المسؤولية، وأنّ الطفل يتعرّض لعملية كبت لرغباته الداخلية فيصبح سلوكه عبارة عن ردود أفعال غير واعية. فيعتقد دوركايم أنّ المجتمع هو الذي يحدّد نمط سلوكنا، لأنّنا نولد ضعفاء ونجد المجتمع منظّماً تنظيماً صارماً في قوانينه ونظمه وأعرافه التي تُنقل إلينا عن طريق الأسرة بالتربية والتلقين، وعندما نبلغ سنّ الرشد يكون سلوكنا مجرّد اجترار لما تلقّيناه من قيم، فنعتقد أنّنا نأتي بسلوكنا من أنفسنا في حين أنّه يعبّر عمّا يرغب فيه المجتمع، والخروج عن القيم الاجتماعية يحمّل الفرد مسؤوليته فيعاقبه المجتمع معنوياً بالعرف ومادّياً بالقانون. كما يقسّم فرويد الجهاز النفسي إلى الهو حيث توجد الرغبات الذاتية والميول، والأنا وهي الذات الواعية، والأنا الأعلى وهو القيم الأخلاقية والمعايير الاجتماعية. فتصعد الرغبة من الهو إلى الأنا، وفي الوقت نفسه تتلقّى الأنا من الأنا الأعلى قيماً اجتماعية، وإذا حدث تعارض بينهما نشأ الصراع داخل الأنا وانتهى بحكم الأنا الأعلى أي المجتمع، فتعمل الأنا على نقل الرغبة إلى اللاشعور حيث تُكبَت، ممّا يعني أنّ المسؤولية الاجتماعية تتنافى والحرية الفردية. ويشهد للواقع أنّ كثيراً من التلاميذ يختارون شعبة لا لميلهم إليها بل لأنّ المحيط يقدّرها، ثمّ يُحاسَبون على نتيجة اختيار لم يكن اختيارهم.
نقده: لكنّنا نلاحظ أنّ دوركايم اعتبر خروج الفرد عن القوانين الاجتماعية يعرّضه للعقاب لأنّه يتحمّل مسؤولية هذا الخروج، وهذا يؤكّد الحرية ولا ينفيها بأيّ شكل من الأشكال، لأنّ الخروج عن القوانين هو الاختيار، والاختيار هو الحرية بعينها. كما أنّ المجتمع لا يُملي على الفرد القوانين كما لو كانت دستوراً ثابتاً، فهناك أفراد تحرّروا من ضغط المجتمع وأبدعوا، فالمصلحون والعلماء انتهجوا الطريق الفردي وخالفوا إجماع عصرهم.
ثانياً: الموقف الثاني ــ المسؤولية تشترط الحرية وتتوحّد معها
في مقابل ذلك يرى أنصار المدرسة العقلية بزعامة أفلاطون، والمعتزلة في الفكر الإسلامي، وكذا المدرسة الوجودية بزعامة سارتر وكانط، أنّ المسؤولية تشترط الحرية وتتوحّد معها، معتمدين على مسلّمات منها أنّه لا يكون الإنسان مسؤولاً إلّا إذا كان حرّاً، وأنّه إذا سقطت الحرية سقطت عنه المسؤولية، وأنّ الحرية إذا كانت حقّاً طبيعياً يولد به الإنسان فهو يولد مسؤولاً أيضاً. يقول سارتر: «إنّ الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرّاً: محكوم عليه لأنّه لم يخلق نفسه، وهو مع ذلك حرّ لأنّه متى أُلقي به في العالم صار مسؤولاً عن كلّ ما يفعل». وترى المعتزلة أنّ الإنسان يولد حرّاً ويملك القدرة على التمييز بين الخير والشرّ، فإذا اختار الشرّ فهو مسؤول عن اختياره. ويقول كانط: «إذا كان يجب عليك فأنت إذن تستطيع»، فالاستطاعة تعني القدرة على الاختيار بين القيام بالفعل والتخلّي عنه، ممّا يعني أنّ الواجب الأخلاقي الذي مصدره الضمير يجعلنا مسؤولين عن اختياراتنا. أمّا أفلاطون فقد أكّد ذلك من خلال أسطورة الجندي آر الذي مات في ساحة القتال ثمّ عاد إلى الحياة فروى أنّ النفوس تُدعى إلى أن تختار بمحض إرادتها حياتها القادمة، وقد أُعلن لها: «التبعة على من يختار، والله بريء»، فمن أساء الاختيار راح يلوم الحظّ والآلهة وكلّ شيء إلّا نفسه، ثمّ شربت النفوس من نهر النسيان وعادت إلى الأرض وقد نسيت أنّها هي التي اختارت مصيرها. ويشهد للواقع أنّ القانون الجزائي يفرّق بين القتل العمد والقتل الخطأ، ويسقط العقوبة عن المجنون والمكرَه والصبي غير المميّز، فالحرية شرط المسؤولية في كلّ التشريعات.
نقده: من الملاحظ أنّ هؤلاء يتكلّمون عن حرّية إنسانية مسبقة مطلقة، في حين أنّنا نجد الإنسان في الواقع يواجه مجموعة من الحتميات والعوائق وإن كان قد يتغلّب عليها، ممّا يعني أنّ حرّيته محدودة، فيُحمَّل أحياناً مسؤولية تفوق ما كان في وسعه. ثمّ إنّ أسطورة آر حجّة أسطورية لا برهانية، وإذا كان هذا المخلوق المكلَّف مسؤولاً عن كلّ ما يصدر عنه، فكيف نفسّر المشيئة الإلهية التي سبقت مشيئته في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟
ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي
إذا كان الإنسان بطبيعته حرّاً، وفي المقابل توجد حتميات نفسية وفيزيولوجية واجتماعية، فإنّ الحرية قائمة على الإرادة، أي أنّ الإنسان يملك القدرة على مقاومة الحتميات ومواجهة الصعاب. فإذا استسلم ولم يقاوم فهذا خطأ منه ولا يُلغي عنه المسؤولية بل تبقى قائمة. فالطالب الذي يعلم أنّه متوجّه إلى الامتحان ولا يسلّح نفسه بالاجتهاد ويستسلم لحتمية حبّ الراحة، لا تسقط عنه مسؤوليته في الفشل. والذي أراه أنّ المسؤولية تكون بقدر الحرية لا أكثر ولا أقلّ، وأساس هذا الترجيح أنّ العدالة نفسها تقوم على هذا المبدأ: فالقاضي يخفّف العقوبة إذا ثبت الإكراه أو نقص التمييز، ويشدّدها إذا ثبت سبق الإصرار. فالمجتمع لا يسأل الإنسان عمّا لم يكن في وسعه، ولكنّه لا يعفيه ممّا كان في وسعه. ومنه فإنّ إسقاط المسؤولية عن الإنسان ليس تكريماً لحرّيته بل إلغاء لها، إذ لا يُسأل إلّا من يُعتدّ بفعله.
حلّ المشكلة
وعموماً نستنتج أنّ الفعل الإرادي يمرّ بمراحل: شعور الفرد برغبته، ثمّ المداولة الذهنية، ثمّ اتّخاذ القرار وهو ما يُسمّى تثبيت النية أو القصد إلى الفعل، وهو شرط من شروط المسؤولية. أمّا شروط المسؤولية فهي الوعي والعقل والحرية، ممّا يعني أنّ الفرد لا يكون مسؤولاً إلّا إذا كان سلوكه حرّاً. ومنه فالحرية تشترط المسؤولية في القصد إلى الفعل، والمسؤولية تشترط الحرية، فهما يتوحّدان رغم أنّ الحرية تشير إلى عدم التقيّد بينما المسؤولية تشير إلى التقيّد. فهما وجهان لحقيقة واحدة هي كون الإنسان فاعلاً لا مفعولاً به.
---
تحويل المقالة إلى استقصاء
بالوضع: «لا مسؤولية بلا حرية» دافع عن صحّة هذه الأطروحة.
| ما عندك | ما تفعل به | | :--- | :--- | | الموقف الثاني وأقواله | الأطروحة مفصّلة: سارتر، وكانط، والمعتزلة | | نقد الموقف الثاني | يُحذف | | الموقف الأوّل | منطق الخصوم مختصراً: دوركايم وفرويد | | نقد الموقف الأوّل | يُوسَّع: الخروج عن القانون اختيار، والاختيار حرية | | أمثلة القانون الجزائي وعقد البيع والاعتذار | حججك الشخصية |
بالرفع: «المسؤولية تتنافى والحرية» أبطل هذه الأطروحة.
فتعرض الأطروحة من حجج الموقف الأوّل بأمانة، ثمّ تنقد منطق مناصريها، ثمّ ترفعها بمادة الموقف الثاني.
ماذا تحفظ؟
- **شروط المسؤولية الثلاثة** و**مراحل الفعل الإرادي الأربع**.
- **أقسام الجهاز النفسي الثلاثة** عند فرويد.
- **أربعة أقوال**: سارتر، وكانط، وأفلاطون («التبعة على من يختار، والله بريء»)، وآية التكوير.
- **مثالان**: تفريق القانون بين العمد والخطأ، والطالب الذي لم يراجع.
- **جملة التركيب**: المسؤولية بقدر الحرية.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.