اليقين الرياضي: مطلق أم نسبي؟
مقالة جدلية في قيمة النتائج الرياضية بين المطلقية والنسبية، مع مقارنة الرياضيات الكلاسيكية بالمعاصرة، والأقوال والأمثلة وطريقة التحويل إلى استقصاء.
يتكوّن الدرس من 6 أجزاء: تأطير المشكلة والرياضيات الكلاسيكية والمعاصرة، الموقف الأوّل: اليقين الرياضي مطلق، الموقف الثاني: اليقين الرياضي نسبي، التركيب والرأي الشخصي، الهندسة الإقليدية والهندسات اللاإقليدية: من البداهة إلى النسق الأكسيومي، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.
تأطير المشكلة والرياضيات الكلاسيكية والمعاصرة
تأطير المشكلة والرياضيات الكلاسيكية والمعاصرة
1. عائلة الأسئلة
- هل اليقين الرياضي مطلق أم نسبي؟
- هل الرياضيات صناعة صحيحة في كلّ الأحوال؟
- هل معيار الحقيقة في الرياضيات يكمن في البداهة والوضوح أم في اتّساق النتائج مع المقدّمات؟
- قارن بين الرياضيات الكلاسيكية والرياضيات المعاصرة.
- «إنّ أزمة اليقين في الرياضيات وتعدّد أنساقها لا يفقدها قيمتها» دافع عن هذه الأطروحة.
فالثلاثة الأولى جدلية، والرابع مقارنة، والأخير استقصاء بالوضع، ومادّتها كلّها في هذا الدرس.
2. المفاهيم الأساسية
| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | البداهة | وضوح القضية في ذاتها بحيث تُقبل بلا برهان. | | المسلّمة أو الأكسيوم | قضية تُفترض صحّتها ويُبنى عليها النسق بلا برهان. | | النسق الأكسيومي | بناء رياضي يقوم على مسلّمات مختارة بحرّية، ويُشترط فيه الاتّساق لا البداهة. | | مصادرة إقليدس الخامسة | من نقطة خارج مستقيم لا يمرّ إلّا موازٍ واحد له. | | الهندسة اللاإقليدية | هندسة تُبنى على إنكار المصادرة الخامسة، كهندسة لوباتشيفسكي وريمان. | | اليقين | إذعان العقل للقضية بلا تردّد. |
3. مقارنة الرياضيات الكلاسيكية بالمعاصرة
هذا الجدول يجيب وحده عن سؤال المقارنة، وهو في الوقت نفسه أساس الموقفين في المقالة الجدلية.
| وجه المقارنة | الرياضيات الكلاسيكية | الرياضيات المعاصرة | | :--- | :--- | :--- | | المنطلقات | بديهيات ومسلّمات واضحة بذاتها | فروض ومسلّمات تُختار بحرّية | | معيار الصدق | البداهة والوضوح | الاتّساق وعدم التناقض داخل النسق | | المكان | مستوٍ واحد هو المكان الإقليدي | مكان مقعّر عند لوباتشيفسكي وكرويّ عند ريمان | | النسق | نسق واحد | أنساق متعدّدة | | الصلة بالواقع | مرتبطة بالحدس الحسّي والمكان المرئي | مستقلّة عن الواقع، مبنية على رموز | | اليقين | مطلق شامل | يقين داخلي محصور في النسق | | ممثّلوها | إقليدس، ديكارت، كانط | ريمان، لوباتشيفسكي، هلبرت، راسل |
وأوجه الاتفاق بينهما: كلتاهما تعتمد المنهج الاستنباطي، وكلتاهما تبحث عن الاتّساق المنطقي، وكلتاهما تصل إلى نتائج ضرورية، وكلتاهما تستعمل لغة رمزية.
4. جذر المشكلة
كانت الرياضيات ألفي سنة نموذج اليقين: مبادئها بديهية ونتائجها ضرورية. حتى إذا جاء القرن التاسع عشر جرّب علماء إنكار المصادرة الخامسة لإقليدس، فبنى لوباتشيفسكي هندسة على فرض أنّ من نقطة خارج مستقيم تمرّ عدّة موازيات، وبنى ريمان هندسة على فرض أنّه لا يمرّ منها موازٍ واحد.
والمفاجأة أنّ النسقين لم يتناقضا داخلياً. فإذا كان بناءان متعارضان في مبدئهما متّسقين في ذاتيهما، فأين الحقيقة المطلقة؟ ومن هنا وُلدت أزمة اليقين في الرياضيات.
5. صيغة جاهزة للمقدّمة
> تُعتبر الرياضيات من أقدم العلوم التي عرفها الإنسان، وهي العلم الكمّي الذي يدرس المقادير القابلة للقياس، كمّاً متّصلاً تعنى به الهندسة وكمّاً منفصلاً يعنى به الجبر والحساب. ويُعدّ موضوع نتائجها وقيمتها من أبرز ما ناقشه الفلاسفة والرياضيون قديماً وحديثاً، غير أنّهم لم يتّفقوا وانقسموا اتجاهين: اتجاه يرى أنّ الرياضيات النموذج الأرقى للدقّة والمطلقية واليقين، واتجاه يرى أنّ نتائجها نسبية احتمالية. ورفعاً لهذا التعارض نتساءل: هل اليقين الرياضي مطلق أم نسبي؟ — قالب المقدّمة
6. خريطة المواقف
| | موقف المطلقية | موقف النسبية | | :--- | :--- | :--- | | الدعوى | نتائج الرياضيات مطلقة يقينية ثابتة | نتائجها نسبية احتمالية تقريبية | | ممثّلوه | ديكارت، سبينوزا، كانط، باسكال | راسل، بوليغان، ريمان، لوباتشيفسكي، بلانشي | | المسلّمة | المنطلقات بديهية وأساليب البرهنة لا تقبل الشكّ | تطوّر العلم حطّم فكرة البداهة، وتعدّد الأنساق يعني النسبية | | المعيار | البداهة والوضوح | الاتّساق داخل النسق |
الموقف الأوّل: اليقين الرياضي مطلق
الموقف الأوّل: اليقين الرياضي مطلق
1. ضبط الموقف
يرى أنصار هذا الاتجاه، وهم أنصار الرياضيات الكلاسيكية، أنّ نتائج الرياضيات مطلقة يقينية ثابتة لا تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان.
ومن ممثّليه: ديكارت، وسبينوزا، وكانط، وباسكال.
ومسلّمتهم: أنّ المنطلقات التي يعتمدها الرياضي تتميّز بالبداهة والوضوح، وأنّ أساليب البرهنة فيها لا تقبل الشكّ.
2. الحجج والبراهين
الحجّة الأولى ــ معيار البداهة والوضوح. المطلقية ترجع إلى اعتماد الرياضيات على ما هو واضح بذاته. وقد أسّس ديكارت منهجه كلّه على هذا المعيار.
> «لا أقبل شيئاً على أنّه صحيح إلّا إذا كان بديهياً» — رينيه ديكارت
> «الحقّ معيار نفسه ومعيار الباطل» — باروخ سبينوزا
فالفكرة الصادقة عند سبينوزا تحمل يقينها في وضوحها ولا تحتاج إلى معيار خارجها، كما يُظهر النور نفسه ويُظهر الظلمة.
الحجّة الثانية ــ التعريفات المنطقية. تقوم الرياضيات على تعريفات شارحة دقيقة، كتعريف المثلّث بأنّه الشكل الناتج عن تقاطع ثلاثة مستقيمات. ولا أحد استطاع إبطال تعريف من تعريفات إقليدس، وهذا دليل صدقها.
الحجّة الثالثة ــ أساليب البرهنة. البرهان الرياضي يراعي الانسجام المنطقي للعقل، فيضمن توافق النتائج مع المقدّمات. وهو يقوم على مبادئ العقل الثلاثة: مبدأ الهوية، ومبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع.
ويرى كانط أنّ قضايا الرياضيات أحكام تركيبية قبلية، أي ضرورية كلّية لا تستمدّ صدقها من التجربة، فلا تستطيع تجربة أن تكذّبها.
الحجّة الرابعة ــ المنهج الاستنباطي. الرياضيات تعتمد الاستنباط الذي يعبّر عن انطباق الفكر مع نفسه، فلا يحتاج إلى تجربة خارجية ولا يتوقّف على شهادة الحسّ.
الحجّة الخامسة ــ الرياضيات لغة العلوم كلّها. فكلّ علم يسعى إلى التعبير عن نتائجه بصيغة رياضية لما تحمله الرياضيات من يقين. فلو كانت نسبية ما اتّخذتها العلوم معياراً لدقّتها.
ولهذا جعل أوغست كونت الرياضيات أساس تصنيفه للعلوم وأداة كلّ علم يطلب الدقّة.
الحجّة السادسة ــ النتائج معصومة. النتائج الحسابية تُلزم الدارس بقبولها: فمجموع واحد وواحد اثنان في كلّ زمان ومكان، ولا سبيل إلى الاختلاف فيه.
> «الهندسة وحدها من العلوم تنتج براهين معصومة من الخطأ» — بليز باسكال
3. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ نظرية فيثاغورس: بُرهن عليها قبل الميلاد بقرون، وما زالت تُدرَّس اليوم كما هي بلا تعديل حرف واحد. فأيّ نظرية علمية بقيت خمسة وعشرين قرناً بلا مراجعة؟
المثال الثاني ــ بناء الجسور والعمارات: يعتمد المهندسون في حساباتهم على الهندسة الإقليدية، ولو كانت نتائجها ظنّية لانهارت المنشآت. فالواقع العملي شاهد على يقينها.
المثال الثالث ــ البرهان على لانهائية الأعداد الأوّلية: برهن عليه إقليدس بطريقة الخلف، والبرهان نفسه صالح اليوم ولا يحتاج إلى حاسوب. فاليقين هنا في بنية الاستدلال لا في تجربة يمكن أن تتغيّر.
المثال الرابع ــ لغة العلوم: الفيزياء لا تعبّر عن قوانينها إلّا بمعادلات، والبيولوجيا والاقتصاد يسعيان إلى ذلك. فالكلّ يطلب اليقين من الرياضيات.
4. نقد الموقف الأوّل
النقد الأوّل ــ في المضمون: الرياضيات إبداع إنساني، ومن غير المعقول أن ينتج العقل النسبي مفاهيم مطلقة. فالعقل الذي يخطئ في غير الرياضيات ليس معصوماً فيها بطبيعته.
النقد الثاني: يقين الهندسة الإقليدية يقين منطقي فقط، أي صدق داخلي بين المقدّمات والنتائج. أمّا الواقع المتغيّر فقد كذّب بعض نتائجها: فالنسبية العامّة بيّنت أنّ المكان الكوني ليس إقليدياً.
النقد الثالث ــ في الشكل: معيار البداهة معيار نسبي يختلف من شخص إلى آخر ومن عصر إلى عصر. فما كان بديهياً عند إقليدس صار محلّ جدل عند علماء القرن التاسع عشر. فالاستدلال بالبداهة استدلال بما هو موضع النزاع نفسه.
5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> يرى أنصار الرياضيات الكلاسيكية، ومنهم ديكارت وسبينوزا وكانط وباسكال، أنّ نتائج الرياضيات مطلقة يقينية ثابتة لا تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، معتمدين على مسلّمة مفادها أنّ منطلقات الرياضي بديهية واضحة وأنّ أساليب البرهنة فيها لا تقبل الشكّ. وحججهم في ذلك أنّ الرياضيات تقوم على البداهة، ولهذا يقول ديكارت: «لا أقبل شيئاً على أنّه صحيح إلّا إذا كان بديهياً»، ويقول سبينوزا: «الحقّ معيار نفسه ومعيار الباطل». ثمّ إنّها تقوم على تعريفات منطقية لم يستطع أحد إبطال تعريف واحد منها عند إقليدس، وعلى برهنة تراعي مبادئ العقل من هوية وعدم تناقض وثالث مرفوع، ولهذا يرى كانط أنّ قضاياها أحكام تركيبية قبلية ضرورية لا تكذّبها التجربة. ويشهد للواقع أنّ نظرية فيثاغورس بُرهن عليها قبل خمسة وعشرين قرناً وما زالت تُدرَّس بلا تعديل. ونقده: رغم قوّة هذه الأدلّة، فإنّ الرياضيات إبداع إنساني ومن غير المعقول أن ينتج العقل النسبي مفاهيم مطلقة، ثمّ إنّ يقين الهندسة الإقليدية يقين منطقي فقط، ومعيار البداهة نفسه معيار نسبي يختلف من شخص إلى آخر. — قالب الموقف الأوّل ونقده
الموقف الثاني: اليقين الرياضي نسبي
الموقف الثاني: اليقين الرياضي نسبي
1. ضبط الموقف
يرى أنصار هذا الاتجاه، وهم أنصار النسبية والرياضيات المعاصرة، أنّ نتائج الرياضيات نسبية احتمالية تقريبية.
ومن ممثّليه: برتراند راسل، وبوليغان، وريمان، ولوباتشيفسكي، وروبير بلانشي.
ومسلّمتهم: أنّ تطوّر العلم حطّم فكرة البداهة والوضوح، خاصّة مع ظهور النسق الأكسيومي الذي أدّى إلى تعدّد الأنساق، والتعدّد يعني النسبية.
2. الحجج والبراهين
الحجّة الأولى ــ النزول إلى التطبيق يورث التقريب. الرياضيات حين تنزل إلى الواقع التجريبي تقع في النسبية: فقيمة النسبة الثابتة في حساب الدائرة عدد لا ينتهي، ويُؤخذ في التطبيق مقرّباً. فالنتيجة العملية تقريبية دائماً.
الحجّة الثانية ــ المنطلقات افتراضات لا بديهيات. العالم الرياضي يعتمد في استدلاله على مبادئ هي افتراضات وممكنات يسلّم بصحّتها دون أن يبرهن عليها. ومن هنا عبّر راسل بسخرية لاذعة عن هذا الطابع الافتراضي.
> «الرياضيات هي ذلك العلم الذي لا يعرف عمّا يتحدّث، ولا إذا كان ما يتحدّث عنه صحيحاً أم لا» — برتراند راسل
الحجّة الثالثة ــ تعدّد الأنساق. ظهور النسق الأكسيومي جعل الرياضيات متعدّدة الأنساق: فقد افترض لوباتشيفسكي أنّ المكان مقعّر، وافترض ريمان أنّه كرويّ، وبقيت هندسة إقليدس قائمة على المكان المستوي. وثلاثتها متّسقة داخلياً ومتعارضة في مبادئها.
> «إنّ تعدّد الأنظمة في الهندسة دليل على أنّ الرياضيات ليس فيها حقائق مطلقة» — بوليغان
الحجّة الرابعة ــ نقد فكرة البداهة. بيّن روبير بلانشي أنّ التعريفات في الهندسة لغوية لا صلة لها بالحقيقة الرياضية، وأنّه لا يمكن الحكم عليها بصدق ولا كذب، وانتقد فكرة البداهة نفسها.
فالمنطلقات عنده لم تعد تُعدّ مبادئ بديهية، بل افتراضات يختارها العقل الرياضي بحرّية ويشترط فيها الاتّساق.
الحجّة الخامسة ــ أزمة الأسس. أظهرت أبحاث القرن العشرين في أسس الرياضيات أنّ النسق الصوري لا يستطيع أن يبرهن على اتّساقه بأدواته وحدها، فاليقين الرياضي مشروط لا مطلق.
3. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ سطح الكرة الأرضية: مجموع زوايا المثلّث على سطح الكرة أكبر من قائمتين، لا يساويهما كما تقول هندسة إقليدس. فالنتيجة تتغيّر بتغيّر المكان الذي نرسم فيه.
المثال الثاني ــ خطوط الطول: كلّها عمودية على خطّ الاستواء، فهي متوازية بمقياس إقليدس، ومع ذلك تتقاطع عند القطبين. فالتوازي الإقليدي لا يصدق على سطح الأرض، وهو المكان الذي نعيش فيه فعلاً.
المثال الثالث ــ النسبية العامّة: بُنيت على هندسة ريمان لا على هندسة إقليدس، ونجحت في تفسير ما عجزت عنه فيزياء نيوتن. فالهندسة التي عُدّت خيالاً صارت وصفاً للكون.
المثال الرابع ــ الحاسوب: يشتغل بحساب ثنائي لا عشري، والنظام العشري الذي عُدّ بديهياً ليس إلّا اختياراً. فما ظنّه الناس ضرورة عقلية كان عادة تاريخية.
4. نقد الموقف الثاني
النقد الأوّل: إذا كان النسق الأكسيومي قد تجاوز النسق الإقليدي، فلماذا لا يزال الفكر الإنساني يعتمد الهندسة الإقليدية في البحث الحديث وفي الهندسة المدنية والمعمارية كلّها؟
النقد الثاني: تحطيم فكرة البداهة ليس تحطيماً لقيمة الرياضيات، وإنّما تجاهل لقيمة مبادئ العقل الفطرية التي بُني عليها النسق الأكسيومي نفسه. فالرياضي المعاصر حين يبرهن على اتّساق نسقه يستعمل مبدأ عدم التناقض.
النقد الثالث ــ في الشكل: تعدّد الأنساق لا يسيء إلى اليقين، لأنّ اليقين يبقى محقّقاً داخل كلّ نسق. فالخلط هنا بين «تعدّد الأنساق» و«تناقضها»: النسقان لا يتناقضان لأنّهما لا يتكلّمان عن الشيء نفسه، تماماً كما لا تتناقض قواعد لعبتين مختلفتين.
النقد الرابع: الهندسة الإقليدية هي اللبنة الأساسية التي قامت عليها الهندسات المعاصرة، فهي لم تُلغَ بل أُدرجت حالةً خاصّة في بناء أوسع.
5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> في مقابل الموقف السابق يرى أنصار النسبية، ومنهم راسل وبوليغان وريمان ولوباتشيفسكي، أنّ نتائج الرياضيات نسبية احتمالية تقريبية، معتمدين على مسلّمة مفادها أنّ تطوّر العلم حطّم فكرة البداهة، وأنّ ظهور النسق الأكسيومي أدّى إلى تعدّد الأنساق، والتعدّد يعني النسبية. وحججهم أنّ الرياضيات حين تنزل إلى التطبيق تقع في التقريب، وأنّ منطلقاتها افتراضات لا بديهيات، ولهذا يقول راسل ساخراً: «الرياضيات هي ذلك العلم الذي لا يعرف عمّا يتحدّث، ولا إذا كان ما يتحدّث عنه صحيحاً أم لا». ثمّ إنّ لوباتشيفسكي افترض مكاناً مقعّراً وريمان افترض مكاناً كروياً، فقامت هندستان صحيحتان تخالفان إقليدس، ولهذا يقول بوليغان: «إنّ تعدّد الأنظمة في الهندسة دليل على أنّ الرياضيات ليس فيها حقائق مطلقة». ويشهد لذلك أنّ مجموع زوايا المثلّث على سطح الكرة الأرضية أكبر من قائمتين. ونقده: لكن إذا كان النسق الأكسيومي قد تجاوز الإقليدي، فلماذا لا تزال الهندسة الإقليدية أساس الهندسة المدنية كلّها؟ ثمّ إنّ تعدّد الأنساق لا يسيء إلى اليقين، لأنّ اليقين يبقى محقّقاً داخل كلّ نسق. — قالب الموقف الثاني ونقده
التركيب والرأي الشخصي
التركيب والرأي الشخصي
1. التركيب: مطلقة في مبادئها نسبية في تطبيقاتها
نتيجة للانتقادات الموجّهة إلى الاتجاهين، يمكن التوفيق بينهما بالقول إنّ الرياضيات مطلقة يقينية من حيث المنهج وأساليب البرهنة، وهذا اليقين يفرضه الانسجام بين المقدّمات والنتائج، ونسبية من حيث النتائج حين تُطبَّق على الواقع.
وبعبارة أخرى: الرياضيات مطلقة إذا نظرنا إليها من زاوية النسق، نسبية إذا نظرنا إليها من زاوية تعدّد الأنساق وتطبيقها.
2. صيغة ثانية للتركيب: تغيّر معنى اليقين لا زواله
وثمّة وجه آخر للتركيب أعمق من الأوّل: ما تغيّر ليس وجود اليقين بل معياره. فقد كان معيار اليقين عند الكلاسيكيين البداهة، وصار عند المعاصرين الاتّساق وعدم التناقض. فالرياضيات لم تفقد يقينها، بل بدّلت أساسه من الوضوح الحدسي إلى الصرامة المنطقية، وهذا تقدّم لا تراجع.
والدليل أنّ البرهان الرياضي اليوم أشدّ صرامة ممّا كان عند إقليدس، وأنّ ما يُقبل اليوم من براهين أضيق ممّا كان يُقبل قديماً.
3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً
الصيغة الأولى ــ التوفيق
> والذي أراه أنّ الرياضيات مطلقة في مبادئها نسبية في تطبيقاتها. وأساس هذا الترجيح أنّ الخلاف بين الفريقين ناشئ عن الخلط بين مستويين: مستوى البناء الداخلي حيث النتيجة تلزم عن مقدّماتها لزوماً ضرورياً، ومستوى التطبيق على الواقع حيث تدخل التقريبات وشروط القياس. فالخطأ ليس في الرياضيات بل في من يطلب منها ما ليس من شأنها. — قالب الرأي الأوّل
الصيغة الثانية ــ تغيّر المعيار
> وأرجّح أنّ أزمة اليقين في الرياضيات لم تكن أزمة في العلم بل أزمة في تصوّرنا له. فما انهار هو معيار البداهة لا اليقين نفسه، وقد حلّ محلّه معيار أدقّ هو الاتّساق. ويشهد لذلك أنّ الرياضيات بعد هذه الأزمة لم تتراجع بل توسّعت توسّعاً لم تعرفه في تاريخها كلّه، وصارت لغة الفيزياء المعاصرة والإعلام الآلي. — قالب الرأي الثاني
الصيغة الثالثة ــ تغليب المطلقية داخل النسق
> وأميل إلى أنّ اليقين الرياضي يبقى قائماً، لأنّ تعدّد الأنساق لا يعني تناقضها: فهندسة إقليدس صادقة في المستوي وهندسة ريمان صادقة على الكرة، وكلّ واحدة منهما يقينية في مجالها. وقياس ذلك أنّ اختلاف قواعد لعبتين لا يجعل إحداهما كاذبة. — قالب الرأي الثالث
4. صيغ جاهزة للخاتمة
الصيغة الأولى
> ختاماً، ومن خلال ما سبق، ورغم الجدال الدائر بين رافع من شأن الرياضيات إلى حدّ المطلقية، وبين قائل بنسبيتها، نخلص إلى التوفيق بين الرأيين بالقول إنّ الرياضيات مطلقة في مبادئها نسبية في تطبيقاتها. — قالب الخاتمة الأولى
الصيغة الثانية
> وصفوة القول إنّ أزمة الأسس لم تُفقد الرياضيات قيمتها، بل نقلت يقينها من البداهة إلى الاتّساق. فبقيت الرياضيات نموذج الدقّة بين العلوم، وبقي اليقين فيها محقّقاً داخل كلّ نسق، وإن لم يبقَ نسق واحد يدّعي أنّه يصف العالم وحده. — قالب الخاتمة الثانية
5. تنبيه إلى سؤال متكرّر
قد يأتي السؤال بصيغة: «هل معيار الحقيقة في الرياضيات يكمن في البداهة والوضوح أم في اتّساق النتائج مع المقدّمات؟». وهو السؤال نفسه بصيغة أدقّ: فالموقف الأوّل هو البداهة، والموقف الثاني هو الاتّساق، والتركيب أنّ المعيار تطوّر من الأوّل إلى الثاني بلا أن يفقد العلم يقينه. فاستعمل المادّة نفسها وبدّل ألفاظ المقدّمة.
الهندسة الإقليدية والهندسات اللاإقليدية: من البداهة إلى النسق الأكسيومي
الهندسة الإقليدية والهندسات اللاإقليدية: من البداهة إلى النسق الأكسيومي
1. لماذا هذا الجزء؟
يضع البرنامج تحت مورد «اليقين الرياضي» عنصرين صريحين: الهندسة الإقليدية والهندسة اللاإقليدية، ويضع في التقويم سؤال «نسبية الحقائق الرياضية». والمقالة لا تُكتب بأسماء لوباتشيفسكي وريمان وحدها، بل بفهم ما الذي تغيّر بالضبط، ومتى، ولماذا لم يتناقض النسقان. وهذا ما يفصّله هذا الجزء.
2. هندسة إقليدس ومسلّمة التوازي
جمع إقليدس في كتاب «الأصول»، نحو سنة ثلاثمائة قبل الميلاد، هندسة اليونان في ثلاث عشرة مقالة، وبناها على تعريفات ومصادرات وبديهيات. وأربع من مصادراته بسيطة واضحة، كإمكان رسم مستقيم بين نقطتين. أمّا الخامسة فطويلة معقّدة، ونصّها عنده:
إذا قطع مستقيمٌ مستقيمين آخرين، فكانت الزاويتان الداخليتان في جهة واحدة أصغر من قائمتين، التقى المستقيمان إذا مُدّا في تلك الجهة.
وصيغتها المتداولة في الكتب المدرسية، وهي مكافئة لها: من نقطة خارج مستقيم لا يمرّ إلّا موازٍ واحد له.
ولماذا أثارت الشكّ؟ لأنّها تتحدّث عمّا يحدث حين يُمدّ المستقيم بلا نهاية، والعين لا تشهد اللانهاية. فبدت لكثير من الرياضيين مبرهنة تنتظر برهانها لا مصادرة واضحة بذاتها، فحاولوا قروناً أن يستنتجوها من المصادرات الأربع الأخرى.
3. من محاولات البرهنة إلى ميلاد الهندسات الجديدة
| الزمن | الحدث | | :--- | :--- | | نحو 300 ق.م | إقليدس يجمع «الأصول» ويضع مصادرة التوازي خامسة مصادراته | | القرون الوسطى | رياضيون مسلمون كابن الهيثم وعمر الخيام ونصير الدين الطوسي يحاولون البرهنة عليها | | 1733 | الإيطالي ساكيري يحاول إثباتها بالخلف، فينكرها منتظراً التناقض، فلا يبلغ تناقضاً حقيقياً | | 1829 | الروسي لوباتشيفسكي ينشر هندسة تقوم على أنّ من نقطة خارج مستقيم يمرّ أكثر من موازٍ واحد | | 1832 | المجري يانوش بولياي ينشر هندسة مماثلة مستقلّاً عنه، وكان غاوس قد بلغ أفكاراً قريبة ولم ينشرها | | 1854 | الألماني ريمان يلقي محاضرته في الفروض التي تقوم عليها الهندسة، فتفتح باب هندسة لا موازي فيها | | 1868 | الإيطالي بلترامي يبني نموذجاً يثبت أنّ هندسة لوباتشيفسكي متّسقة إذا كانت هندسة إقليدس متّسقة | | 1899 | هلبرت يصوغ الهندسة نسقاً أكسيومياً في كتابه «أسس الهندسة» | | 1915 | أينشتاين يبني النسبية العامّة على هندسة ريمانية لمكان وزمان منحنيين |
والدرس الذي يُستخلص من هذا الجدول: أنّ قروناً من محاولات البرهنة لم تُثبت المسلّمة الخامسة، لأنّها مستقلّة عن المسلّمات الأخرى. فإنكارها لا يُحدث تناقضاً، بل يُنشئ هندسة أخرى.
4. مقارنة الهندسات الثلاث
| وجه المقارنة | هندسة إقليدس | هندسة لوباتشيفسكي | هندسة ريمان | | :--- | :--- | :--- | :--- | | عدد الموازيات من نقطة خارج مستقيم | موازٍ واحد | أكثر من موازٍ واحد | لا موازي | | صورة المكان | مستوٍ | ذو انحناء سالب، تسمّيه الكتب المدرسية مقعّراً، ويقرّبه سطح السرج | ذو انحناء موجب، يقرّبه سطح الكرة | | مجموع زوايا المثلّث | قائمتان | أقلّ من قائمتين | أكثر من قائمتين | | المستقيم | يمتدّ بلا نهاية | يمتدّ بلا نهاية | منتهٍ غير محدود، كالدائرة الكبرى على الكرة | | مجال الصدق | المستوي، والمسافات الصغيرة في حياتنا | السطوح ذات الانحناء السالب | سطح الكرة، ومنها انطلقت الهندسة الريمانية العامّة |
مثال يقرّب ريمان: على سطح الكرة الأرضية تقوم الدوائر الكبرى مقام المستقيمات، وكلّ دائرتين كبريين تتقاطعان، فلا توازي. ومثلّث رؤوسه القطب الشمالي ونقطتان على خطّ الاستواء تفصل بينهما ربع دورة، زواياه الثلاث قوائم، فمجموعها ثلاث قوائم لا قائمتان.
5. ماذا غيّرت هذه الهندسات في معنى اليقين؟
أوّلاً ــ سقوط البداهة معياراً. كان كانط يرى أنّ قضايا الهندسة الإقليدية أحكام تركيبية قبلية، أي ضرورية كلّية سابقة على التجربة، فلا يمكن أن تُتصوّر هندسة غيرها. فجاءت الهندسات اللاإقليدية متّسقة، فثبت أنّ ما بدا ضرورة عقلية كان اختياراً من بين اختيارات ممكنة.
ثانياً ــ الاتّساق معياراً جديداً. لم يعد السؤال: هل المسلّمة صادقة في ذاتها؟ بل: هل النسق خالٍ من التناقض؟ وبهذا انتقلت الرياضيات من الحقيقة المطلقة إلى الصدق داخل النسق.
ثالثاً ــ رأي بوانكاريه: المسلّمات مواضعات. يرى بوانكاريه أنّ مسلّمات الهندسة ليست أحكاماً تركيبية قبلية ولا وقائع تجريبية، بل مواضعات نختارها لأنّها أيسر:
> «لا يمكن لهندسة أن تكون أصدق من هندسة أخرى، وإنّما يمكن أن تكون أكثر ملاءمة» — هنري بوانكاريه
رابعاً ــ أيّ هندسة تصف العالم؟ سؤال للفيزياء لا للرياضيات. فالرياضي يبني الأنساق، والفيزيائي يختار منها ما يطابق الواقع. وقد اعتمدت النسبية العامّة هندسة ريمانية عامّة يتغيّر فيها الانحناء بحسب توزّع الكتل، وبقيت هندسة إقليدس تقريباً ممتازاً حيث يكون الانحناء ضعيفاً، فالهندسة الإقليدية لم تُلغَ بل صارت حالة خاصّة انحناؤها منعدم.
6. «نسبية الحقائق الرياضية»: كيف تُوظَّف هذه المادّة؟
| صيغة السؤال | ما تأخذه من هذا الجزء | | :--- | :--- | | هل اليقين الرياضي مطلق أم نسبي؟ | حجّة تعدّد الأنساق للموقف الثاني، وحجّة الحالة الخاصّة في نقده | | قارن بين الرياضيات الكلاسيكية والمعاصرة | جدول الهندسات الثلاث، والانتقال من البداهة إلى الاتّساق | | «الحقائق الرياضية نسبية» دافع عن هذه الأطروحة | تاريخ المسلّمة الخامسة ونموذج بلترامي وقول بوانكاريه |
وحدّ الحجّة: النسبية هنا نسبية إلى المسلّمات لا نسبية إلى الأشخاص والأهواء. فداخل كلّ نسق تبقى المبرهنة ضرورية لا تقبل الشكّ، ومن خلط بين المعنيين أساء إلى الأطروحة التي يدافع عنها.
> لقد ظلّت هندسة إقليدس أكثر من عشرين قرناً نموذج الحقيقة المطلقة، حتى جاء القرن التاسع عشر فبنى لوباتشيفسكي سنة 1829 وريمان سنة 1854 هندستين تنكران مسلّمة التوازي ولا تقعان في تناقض، فتعدّدت الأنساق وصار صدق المبرهنة مرهوناً بالمسلّمات التي اختيرت لها. فهل يعني ذلك أنّ الحقائق الرياضية نسبية؟ وكيف ندافع عن هذه الأطروحة؟ — قالب مقدّمة الوضع
7. ماذا تحفظ من هذا الجزء؟
- **نصّ المسلّمة الخامسة** بصيغتيها، وسبب الشكّ فيها.
- **ثلاثة تواريخ**: لوباتشيفسكي 1829، وريمان 1854، وهلبرت 1899.
- **جدول المقارنة**: عدد الموازيات ومجموع زوايا المثلّث في كلّ هندسة.
- **قول بوانكاريه** في أنّ الهندسة لا تكون أصدق من غيرها بل أكثر ملاءمة.
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
نصّ السؤال: هل اليقين الرياضي مطلق أم نسبي؟
طرح المشكلة
تُعتبر الرياضيات من أقدم العلوم التي عرفها الإنسان، وهي العلم الكمّي الذي يهتمّ بدراسة المقادير القابلة للقياس بنوعيها: كمّ متّصل تعنى بدراسته الهندسة، وكمّ منفصل يعنى به الجبر والحساب. ويُعدّ موضوع نتائجها وقيمتها من أبرز المواضيع التي ناقشها الفلاسفة والرياضيون قديماً وحديثاً، غير أنّهم لم يتّفقوا وانقسموا إلى اتجاهين متعارضين: اتجاه يرى أنّ الرياضيات هي النموذج الأرقى للدقّة والمطلقية واليقين، واتجاه يرى أنّ نتائجها نسبية احتمالية. ومن هنا، ورفعاً للتعارض بين الموقفين، نتساءل: هل اليقين الرياضي مطلق أم نسبي؟
محاولة حلّ المشكلة
أوّلاً: الموقف الأوّل ــ اليقين الرياضي مطلق
يرى أنصار الرياضيات الكلاسيكية، ومنهم ديكارت وسبينوزا وكانط وباسكال، أنّ نتائج الرياضيات مطلقة يقينية ثابتة لا تتغيّر بتغيّر ظروف الزمان والمكان، معتمدين على مسلّمة مفادها أنّ المنطلقات التي يعتمدها الرياضي تتميّز بالبداهة والوضوح، وأنّ أساليب البرهنة فيها لا تقبل الشكّ. ومن أدلّتهم أنّ مطلقية الرياضيات تعود إلى اعتمادها معيار البداهة، وقد أسّس ديكارت منهجه عليه إذ يقول: «لا أقبل شيئاً على أنّه صحيح إلّا إذا كان بديهياً»، ويؤكّد سبينوزا أنّ الفكرة الواضحة تحمل يقينها في ذاتها فيقول: «الحقّ معيار نفسه ومعيار الباطل». ومنها أنّها تقوم على تعريفات منطقية دقيقة لم يستطع أحد إبطال واحد منها عند إقليدس، وعلى برهنة تراعي مبادئ العقل من هوية وعدم تناقض وثالث مرفوع، ولهذا يرى كانط أنّ قضاياها أحكام تركيبية قبلية ضرورية كلّية لا تكذّبها التجربة. ومنها أنّها صارت لغة العلوم كلّها لما تحمله من يقين، ولهذا جعلها أوغست كونت أساس تصنيفه للعلوم. ويشهد للواقع أنّ نظرية فيثاغورس بُرهن عليها قبل خمسة وعشرين قرناً وما زالت تُدرَّس بلا تعديل حرف واحد، وأنّ المهندسين يبنون الجسور على الهندسة الإقليدية فلا تنهار.
نقده: رغم ما قدّمه أنصار المطلقية من أدلّة، فإنّهم تعرّضوا لانتقادات: فالرياضيات إبداع إنساني، ومن غير المعقول أن ينتج العقل النسبي مفاهيم مطلقة. ثمّ إنّ الهندسة الإقليدية وإن بدت يقينية فإنّ يقينها منطقي فقط، والواقع المتغيّر يكذّب بعض نتائجها. كما أنّ معيار البداهة نفسه معيار نسبي يختلف من شخص إلى آخر ومن عصر إلى عصر، فالاستدلال به استدلال بما هو موضع النزاع.
ثانياً: الموقف الثاني ــ اليقين الرياضي نسبي
في مقابل ذلك يرى أنصار النسبية، ومنهم راسل وبوليغان وريمان ولوباتشيفسكي، أنّ نتائج الرياضيات نسبية احتمالية تقريبية، معتمدين على مسلّمة مفادها أنّ تطوّر العلم قد حطّم فكرة البداهة والوضوح، خاصّة مع ظهور النسق الأكسيومي الذي أدّى إلى تعدّد الأنساق، والتعدّد يعني النسبية. ومن أدلّتهم أنّ الرياضيات حين تنزل إلى الواقع التطبيقي تقع في التقريب، فقيمة النسبة الثابتة في حساب الدائرة عدد لا ينتهي يُؤخذ مقرّباً. ومنها أنّ الرياضي يعتمد على منطلقات هي افتراضات يسلّم بها بلا برهان، ولهذا يسخر راسل قائلاً: «الرياضيات هي ذلك العلم الذي لا يعرف عمّا يتحدّث، ولا إذا كان ما يتحدّث عنه صحيحاً أم لا». ومنها تعدّد الأنساق، فقد افترض لوباتشيفسكي أنّ المكان مقعّر وافترض ريمان أنّه كرويّ، ويقول بوليغان: «إنّ تعدّد الأنظمة في الهندسة دليل على أنّ الرياضيات ليس فيها حقائق مطلقة». وقد انتقد روبير بلانشي فكرة البداهة، مبيّناً أنّ المنطلقات لم تعد تُعدّ مبادئ بديهية بل افتراضات يختارها العقل الرياضي بحرّية. ويشهد لذلك أنّ مجموع زوايا المثلّث على سطح الكرة الأرضية أكبر من قائمتين، وأنّ خطوط الطول متوازية عند خطّ الاستواء وتتقاطع عند القطبين.
نقده: لكنّ أنصار النسبية لم يسلموا هم أيضاً من النقد: فإذا كان النسق الأكسيومي قد تجاوز النسق الإقليدي، فلماذا لا يزال الفكر الإنساني يعتمد الهندسة الإقليدية في البحث الحديث وفي الهندسة المدنية؟ ثمّ إنّ تحطيم فكرة البداهة ليس تحطيماً لقيمة الرياضيات وإنّما تجاهل لمبادئ العقل التي بُني عليها النسق الأكسيومي نفسه. كما أنّ تعدّد الأنساق لا يسيء إلى اليقين، لأنّ اليقين يبقى محقّقاً داخل كلّ نسق، والهندسة الإقليدية لم تُلغَ بل صارت حالة خاصّة في بناء أوسع.
ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي
نتيجة للانتقادات الموجّهة إلى كلا الاتجاهين، يمكننا التوفيق بينهما بالقول إنّ الرياضيات مطلقة يقينية من حيث المنهج وأساليب البرهنة، وهذا اليقين يفرضه الانسجام بين المقدّمات والنتائج، وهي نسبية من حيث تطبيقاتها على الواقع. وبعبارة أخرى: هي مطلقة إذا نظرنا إليها من زاوية البناء الداخلي للنسق، نسبية إذا نظرنا إليها من زاوية تعدّد الأنساق. والذي أراه أنّ أزمة اليقين في الرياضيات لم تكن أزمة في العلم بل في تصوّرنا له، فما انهار هو معيار البداهة لا اليقين نفسه، وقد حلّ محلّه معيار أدقّ هو الاتّساق وعدم التناقض. وأساس هذا الترجيح أنّ الرياضيات بعد هذه الأزمة لم تتراجع بل توسّعت توسّعاً لم تعرفه في تاريخها، وصارت لغة الفيزياء المعاصرة والإعلام الآلي، ولو كانت الأزمة أزمة حقيقية في قيمتها لتراجعت العلوم عن الاعتماد عليها.
حلّ المشكلة
ختاماً، ومن كلّ ما سبق، نستنتج كحلّ لهذه المشكلة المتعلّقة بقيمة الرياضيات ونتائجها أنّ الرياضيات مطلقة في مبادئها نسبية في تطبيقاتها. فتعدّد الأنساق لم يُفقدها يقينها، وإنّما نقل هذا اليقين من الوضوح الحدسي إلى الصرامة المنطقية، فبقيت نموذج الدقّة بين العلوم، وإن لم يبقَ نسق واحد يدّعي أنّه يصف العالم وحده.
---
تحويل المقالة إلى استقصاء بالوضع
نصّ السؤال المحتمل: «إنّ أزمة اليقين في الرياضيات وتعدّد أنساقها لا يفقدها قيمتها» دافع عن هذه الأطروحة.
| ما عندك في الدرس | ما تفعل به | | :--- | :--- | | التركيب ونقد الموقف الثاني | يصيران الأطروحة: الرياضيات تحتفظ بقيمتها رغم تعدّد الأنساق | | حجج الموقف الأوّل | تُوظَّف داخل الأطروحة لبيان أنّ اليقين المنهجي باقٍ | | حجج الموقف الثاني | منطق الخصوم، تعرضه مختصراً | | نقد الموقف الثاني | يُوسَّع: جزؤك الثاني كاملاً | | أمثلة الهندسة المدنية والنسبية العامّة | حججك الشخصية | | الخاتمة | تُبدَّل: الأطروحة صحيحة ويمكن الأخذ بها |
ومقدّمة الوضع:
> شاع بين بعض الباحثين أنّ تعدّد الأنساق الرياضية وأزمة الأسس قد أفقدا الرياضيات قيمتها ويقينها، في حين هناك فكرة مناقضة ترى أنّ هذه الأزمة لم تُفقدها قيمتها بل نقلت معيار يقينها. وإذا سلّمنا بصحّة هذه الأطروحة، فكيف يمكننا إثباتها والدفاع عنها؟ — قالب مقدّمة الوضع
ماذا تحفظ؟
- **جدول الرياضيات الكلاسيكية والمعاصرة** في الجزء الأوّل، فهو يجيب عن سؤال المقارنة وحده.
- **قولين من كلّ موقف**: ديكارت وباسكال في المطلقية، وراسل وبوليغان في النسبية.
- **مثالين**: نظرية فيثاغورس، ومجموع زوايا المثلّث على سطح الكرة.
- **جملة التركيب**: مطلقة في مبادئها نسبية في تطبيقاتها.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.