العنف والتسامح: بأيّهما تُحلّ النزاعات؟
مقالة جدلية في حلّ النزاعات بين دعاة التسامح ودعاة القوة، بأقوال راسل وغاندي وهوبز وميكيافلي وماكس فيبر، وأمثلة واقعية من الجزائر والعالم.
يتكوّن الدرس من 6 أجزاء: تأطير المشكلة والمفاهيم، الموقف الأوّل: دعاة التسامح واللاعنف، الموقف الثاني: دعاة القوّة، التركيب والرأي الشخصي، مقابلة العنف بالعنف والتسامح مبدأً إنسانياً: فولتير وغارودي، المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء.
تأطير المشكلة والمفاهيم
تأطير المشكلة والمفاهيم
1. عائلة الأسئلة
- هل يمكن حلّ النزاعات بالتسامح أم بالعنف؟
- هل التسامح فضيلة أم ضعف؟
- هل العنف ضرورة اجتماعية أم انحراف عن الإنسانية؟
- متى يكون العنف مشروعاً؟
- هل يمكن بناء السلم بين الأمم على القوّة؟
2. المفاهيم الأساسية
| المفهوم | تعريفه | | :--- | :--- | | العنف | استعمال القوّة المادّية أو المعنوية لقهر الخصم وإخضاعه، سواء أكان فرداً أم جماعة أم دولة. | | التسامح | قبول الاختلاف والتعايش مع المخالف، والعفو عن المسيء مع القدرة على معاقبته. | | اللاعنف | مذهب في المقاومة يرفض استعمال القوّة المادّية وسيلةً للتغيير. | | القوّة المشروعة | العنف الذي تحتكره الدولة بموجب القانون لحماية الجماعة. | | العدوان | العنف الذي يبدأ به المعتدي بلا حقّ. | | الصراع | التدافع بين إرادتين متعارضتين، وقد يُحلّ سلماً أو حرباً. |
تنبيه مهمّ في التمييز: ليس كلّ استعمال للقوّة عنفاً مذموماً. فالعقوبة القانونية قوّة منظّمة، والدفاع عن النفس قوّة مشروعة، أمّا العنف المذموم فهو القوّة الخارجة عن القانون والحقّ.
3. أشكال العنف
| الشكل | مثاله | | :--- | :--- | | عنف مادّي | الضرب، القتل، الحرب، تخريب الممتلكات | | عنف معنوي | السبّ، التحقير، الإقصاء، التنمّر | | عنف رمزي | فرض ثقافة وطمس أخرى، محو اللغة والهوية | | عنف اقتصادي | الحصار، التجويع، الاستغلال | | عنف مؤسّسي | قوانين جائرة تُميّز بين الناس |
4. جذر المشكلة
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، غير أنّ اجتماعه لا يخلو من نزاع، لأنّ المصالح تتعارض والأهواء تختلف. وقد اختلف الفلاسفة في الوسيلة التي تُحسم بها هذه النزاعات:
فمنهم من رأى أنّ التسامح وحده هو الطريق، لأنّ العنف يولّد العنف ولا ينتهي. ومنهم من رأى أنّ القوّة وحدها هي الفاصلة، لأنّ الإنسان لا يرتدع إلّا بها.
وعليه نتساءل: هل يمكن حلّ النزاعات القائمة بين الأفراد والجماعات بالتسامح، أم أنّ ذلك لا يتحقّق إلّا باستعمال القوّة؟
5. صيغة جاهزة للمقدّمة
> إنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، غير أنّ حياته في الجماعة لا تخلو من نزاعات تنشأ عن تعارض المصالح واختلاف الأهواء، فكان لا بدّ من وسيلة تُحسم بها هذه النزاعات. ويُعرَّف العنف بأنّه استعمال القوّة المادّية أو المعنوية لقهر الخصم وإخضاعه، في حين يُعرَّف التسامح بأنّه قبول الاختلاف والعفو عن المسيء مع القدرة على معاقبته. وقد اختلف الفلاسفة في هذه المسألة اختلافاً بيّناً، فمنهم من رأى أنّ التسامح وحده كفيل بحلّ النزاعات، ومنهم من رأى أنّ القوّة هي الفاصلة. وعليه نتساءل: هل يمكن حلّ النزاعات القائمة بين الأفراد والجماعات بالتسامح؟ أم أنّ ذلك لا يتحقّق إلّا باستعمال القوّة؟ — قالب المقدّمة
الموقف الأوّل: دعاة التسامح واللاعنف
الموقف الأوّل: دعاة التسامح واللاعنف
1. ضبط الموقف
يرى أنصار النزعة الإنسانية ومنهم برتراند راسل والمهاتما غاندي وجان جاك روسو، وكذلك دعاة الأديان السماوية، أنّ حلّ النزاعات لا يكون إلّا بالتسامح والحوار، وأنّ العنف وسيلة فاشلة مهما بدا ناجحاً في ظاهره.
ومسلّماتهم: أنّ الإنسان خيّر بطبعه وأنّ الشرّ عارض فيه، وأنّ العنف يولّد العنف فلا ينتهي دوره، وأنّ ما يُبنى بالقوّة ينهار بزوالها.
2. الحجج والبراهين
حجّة التعاون عند راسل: يرى أنّ خلاص البشرية لا يأتي من السلاح بل من التعاون، وأنّ التغيير يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الخارج.
> «إنّ الشيء الوحيد الذي يحرّر البشر هو التعاون، وأوّل خطوة فيه تتمّ في قلوب الأفراد» — برتراند راسل
حجّة اللاعنف عند غاندي: قاد حركة تحرير شعب كامل من دون إطلاق رصاصة، معتمداً على المقاومة السلمية والعصيان المدني.
> «اللاعنف أعظم قوّة في متناول البشرية، وهو أقوى من أشدّ أسلحة الدمار التي صنعتها براعة الإنسان» — المهاتما غاندي
تنبيه: العبارة الشائعة «العين بالعين تجعل العالم كلّه أعمى» تُنسب إلى غاندي كثيراً ولا توجد في كتاباته، فلا تنسبها إليه في الامتحان.
حجّة الطبيعة الخيّرة عند روسو: الإنسان خيّر بطبعه، والمجتمع هو الذي أفسده، فإذا أُصلح المجتمع عادت الطبيعة الخيّرة إلى الظهور، فلا حاجة للعنف.
> «كلّ شيء خيّر حين يخرج من يدي خالق الأشياء، وكلّ شيء يفسد بين يدي الإنسان» — جان جاك روسو
الحجّة الدينية: الأديان السماوية تدعو إلى العفو عند المقدرة. ومن أبلغ شواهد التاريخ فتح مكّة، إذ قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهلها بعد سنوات من الأذى: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فكان العفو أشدّ أثراً في قلوبهم من أيّ انتصار بالسلاح.
> ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ — سورة فصّلت، الآية 34
الحجّة العقلية: العنف يحسم النزاع ظاهرياً ولا يحلّه، لأنّه يترك في نفس المغلوب حقداً ينتظر فرصته. فهو تأجيل للنزاع لا إنهاء له.
3. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ المصالحة الوطنية في الجزائر: بعد العشرية السوداء اختارت الجزائر طريق الوئام المدني ثمّ المصالحة الوطنية، فأُوقف نزيف الدم بما عجزت عنه سنوات من المواجهة. وهذا أقرب مثال إلى التلميذ الجزائري وأقواه في الامتحان.
المثال الثاني ــ جنوب إفريقيا: بعد سقوط نظام الفصل العنصري، اختير طريق لجان الحقيقة والمصالحة بدل الانتقام، فحُقن دم بلد كان على حافّة حرب أهلية.
المثال الثالث ــ الوساطة العائلية: كثير من النزاعات بين العائلات في المجتمع الجزائري تُحلّ بتدخّل الأعيان والوجهاء، فيرضى الطرفان بما لم يكن القضاء ليحقّقه من صفاء.
المثال الرابع ــ العنف المدرسي: التلميذ الذي يُضرَب لا يُصلَح، بل يتعلّم أنّ الأقوى هو المحقّ، فينقل العنف إلى من هو أضعف منه.
المثال الخامس ــ الحروب المعاصرة: كلّ الحروب في العقود الأخيرة انتهت إلى طاولة تفاوض. فإذا كانت الطاولة هي النهاية حتماً، فلماذا لا تكون البداية؟
4. نقد الموقف الأوّل
النقد الأوّل: التسامح المطلق قد يتحوّل إلى ضعف يُغري المعتدي، فمن أمن العقوبة أساء الأدب. والدولة التي لا تعاقب المجرم تُشجّعه.
النقد الثاني: هناك نزاعات لا تُحلّ بالحوار، فالشعوب المستعمَرة لم تنل حرّيتها بالكلام، والجزائر نفسها لم تتحرّر إلّا بثورة مسلّحة بعد أن استُنفدت كلّ الطرق السلمية.
النقد الثالث: القول بأنّ الإنسان خيّر بطبعه دعوى لا يؤيّدها الواقع كلّه، فتاريخ البشرية حافل بالعدوان ابتداءً لا ردّاً.
5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> يرى أنصار النزعة الإنسانية ومنهم برتراند راسل والمهاتما غاندي وجان جاك روسو، وكذا دعاة الأديان السماوية، أنّ حلّ النزاعات لا يكون إلّا بالتسامح والحوار، معتمدين على مسلّمة مفادها أنّ الإنسان خيّر بطبعه وأنّ العنف يولّد العنف فلا ينتهي دوره. فيرى راسل أنّ خلاص البشرية لا يأتي من السلاح بل من التعاون، ويقول: «إنّ الشيء الوحيد الذي يحرّر البشر هو التعاون، وأوّل خطوة فيه تتمّ في قلوب الأفراد». وقد أثبت غاندي ذلك عملياً حين قاد حركة تحرير شعب كامل من دون إطلاق رصاصة، وقال: «اللاعنف أعظم قوّة في متناول البشرية، وهو أقوى من أشدّ أسلحة الدمار التي صنعتها براعة الإنسان». ويرى روسو أنّ الإنسان يولد خيّراً والمجتمع هو الذي أفسده، فإذا أُصلح المجتمع عادت الطبيعة الخيّرة. وتدعو الأديان إلى العفو عند المقدرة، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، وفي فتح مكّة قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهلها: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». ويشهد للواقع أنّ الجزائر بعد العشرية السوداء اختارت طريق المصالحة الوطنية فأوقفت نزيف الدم بما عجزت عنه سنوات المواجهة. ونقده: لكنّ التسامح المطلق قد يتحوّل إلى ضعف يُغري المعتدي، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، كما أنّ هناك نزاعات لا تُحلّ بالحوار، فالشعوب المستعمَرة لم تنل حرّيتها بالكلام. — قالب الموقف الأوّل ونقده
الموقف الثاني: دعاة القوّة
الموقف الثاني: دعاة القوّة
1. ضبط الموقف
يرى أنصار النزعة الواقعية ومنهم توماس هوبز وميكيافلي وماكس فيبر ونيتشه وهيجل، أنّ النزاعات لا تُحسم إلّا بالقوّة، وأنّ التسامح وحده وهم لا يصمد أمام طبيعة الإنسان.
ومسلّماتهم: أنّ الإنسان أنانيّ عدواني بطبعه، وأنّ القوّة هي التي تصنع النظام، وأنّ الدولة نفسها قامت على احتكار العنف.
2. الحجج والبراهين
حجّة الطبيعة العدوانية عند هوبز: الحالة الطبيعية للإنسان قبل الدولة كانت حرب الكلّ ضدّ الكلّ، ولم يخرج منها إلّا بأن تنازل للدولة عن حقّه في استعمال القوّة.
> «الإنسان ذئب لإنسان آخر» — توماس هوبز
حجّة السياسة عند ميكيافلي: الحاكم الذي يريد بقاء دولته لا يستطيع الالتزام بالفضيلة دائماً، لأنّ خصومه لا يلتزمون بها.
> «على الأمير الذي يريد أن يحفظ ملكه أن يتعلّم كيف يستطيع ألّا يكون خيّراً، وأن يستعمل ذلك أو لا يستعمله بحسب الضرورة» — نيكولا ميكيافلي
حجّة الدولة عند ماكس فيبر: الدولة نفسها لا تُعرَّف إلّا بالعنف، فهي الجهة الوحيدة التي يحقّ لها استعماله.
> «الدولة جماعة إنسانية تطالب بنجاح، داخل إقليم معيّن، باحتكار الاستعمال المشروع للعنف المادّي» — ماكس فيبر
حجّة القوّة عند نيتشه: الحياة في جوهرها إرادة قوّة، والأخلاق التي تدعو إلى الرحمة والتسامح أخلاق الضعفاء الذين يعجزون عن الفعل فيجعلون من عجزهم فضيلة.
حجّة التاريخ عند هيجل: التاريخ يتقدّم بالصراع، والحروب تُطهّر الأمم من الركود وتجدّد شبابها.
الحجّة الواقعية: الحقّ بلا قوّة ضائع، فالقانون نفسه لا يُحترم لعدالته وحدها بل لأنّ وراءه سلطة تنفّذه. ولو سُحبت الشرطة من الشوارع يوماً واحداً لظهر ما في النفوس.
3. أمثلة واقعية
المثال الأوّل ــ الثورة التحريرية الجزائرية: ظلّت الحركة الوطنية تطالب بالحقوق بالطرق السلمية عقوداً فلم تُجَب، حتى مجازر 8 ماي 1945 التي أثبتت أنّ المستعمِر لا يفهم غير لغة القوّة، فكان أوّل نوفمبر 1954.
المثال الثاني ــ مؤسّسة العقوبة: كلّ الدول، بما فيها أكثرها تحضّراً، تحتفظ بالسجن والشرطة والجيش. فلو كان التسامح كافياً لأُلغيت هذه المؤسّسات.
المثال الثالث ــ الدفاع الشرعي: كلّ القوانين تبيح للمعتدى عليه أن يردّ العدوان بالقوّة، ولا تعدّ ذلك جريمة.
المثال الرابع ــ توازن الردع: السلم الذي ساد بين الدول الكبرى لم يقم على تسامحها، بل على خوف كلّ طرف من قوّة الآخر.
المثال الخامس ــ الأسرة والمدرسة: القاعدة التي لا جزاء وراءها تتحوّل إلى نصيحة يتجاهلها من يشاء.
4. نقد الموقف الثاني
النقد الأوّل: العنف يحسم النزاع ولا يُنهيه، فهو يصنع غالباً ومغلوباً، والمغلوب ينتظر فرصته. والتاريخ سلسلة من الثارات المتبادلة.
النقد الثاني: الاعتماد على القوّة وحدها يحوّل المجتمع إلى غابة، وينتهي بالأقوى نفسه إلى الهلاك حين يظهر من هو أقوى منه.
النقد الثالث: قول هوبز إنّ الإنسان ذئب لأخيه تعميم مبالَغ فيه، فالتاريخ فيه من التعاون والإيثار بقدر ما فيه من العدوان.
النقد الرابع: الدولة عند ماكس فيبر تحتكر العنف المشروع، أي المقيَّد بالقانون، وهذا يعني أنّ القوّة نفسها لا تُقبل إلّا إذا خضعت للحقّ. فالموقف يعود من حيث لا يشعر إلى تقييد القوّة.
5. صيغة جاهزة لكتابة هذا الجزء
> في مقابل الموقف السابق يرى أنصار النزعة الواقعية ومنهم توماس هوبز وميكيافلي وماكس فيبر ونيتشه، أنّ النزاعات لا تُحسم إلّا بالقوّة، معتمدين على مسلّمة مفادها أنّ الإنسان أنانيّ عدواني بطبعه وأنّ القوّة هي التي تصنع النظام. فيرى هوبز أنّ الحالة الطبيعية قبل قيام الدولة كانت حرب الكلّ ضدّ الكلّ، ويقول: «الإنسان ذئب لإنسان آخر». ويرى ميكيافلي أنّ الحاكم لا يستطيع الالتزام بالفضيلة دائماً لأنّ خصومه لا يلتزمون بها، ويقول: «على الأمير الذي يريد أن يحفظ ملكه أن يتعلّم كيف يستطيع ألّا يكون خيّراً، وأن يستعمل ذلك أو لا يستعمله بحسب الضرورة». ويؤكّد ماكس فيبر أنّ الدولة «جماعة إنسانية تطالب بنجاح، داخل إقليم معيّن، باحتكار الاستعمال المشروع للعنف المادّي»، فهي الجهة الوحيدة التي يحقّ لها استعمال القوّة. ويرى نيتشه أنّ الحياة إرادة قوّة وأنّ أخلاق الرحمة أخلاق الضعفاء. ويشهد للواقع أنّ الحركة الوطنية الجزائرية طالبت بالحقوق سلمياً عقوداً فلم تُجَب، حتى كانت مجازر الثامن من ماي 1945، فأدركت أنّ المستعمِر لا يفهم غير لغة القوّة، فكان أوّل نوفمبر 1954. ونقده: لكنّ العنف يحسم النزاع ولا يُنهيه، فهو يصنع غالباً ومغلوباً والمغلوب ينتظر فرصته، والاعتماد على القوّة وحدها يحوّل المجتمع إلى غابة. ثمّ إنّ ماكس فيبر نفسه قيّد العنف بالمشروعية، وهذا اعتراف بأنّ القوّة لا تُقبل إلّا إذا خضعت للحقّ. — قالب الموقف الثاني ونقده
التركيب والرأي الشخصي
التركيب والرأي الشخصي
1. التركيب: الحكمة في التمييز بين المقامين
إنّ الحكمة تقتضي التسامح أحياناً والقوّة أحياناً أخرى بحسب الظروف، فليس التسامح صالحاً في كلّ موضع، وليست القوّة صالحة في كلّ موضع.
والقاعدة الجامعة: لا معنى للتسامح بلا قدرة. فالعفو إنّما يكون عفواً حين يصدر عن قادر، أمّا عفو العاجز فهو عجز تسمّيه النفس عفواً. ولهذا قيل: «العفو عند المقدرة».
وفي المقابل لا معنى للقوّة بلا حقّ، فالقوّة التي لا تخدم حقّاً ظلمٌ مهما تسمّت.
2. متى يكون العنف مشروعاً؟
هذه أهمّ فقرة في الدرس، احفظ شروطها:
| الشرط | بيانه | | :--- | :--- | | الغاية | أن يكون لاستعادة حقّ أو ردّ ظلم، لا للاعتداء | | الاستنفاد | ألّا يُلجأ إليه إلّا بعد انسداد كلّ الطرق السلمية | | التناسب | ألّا يتجاوز القدر اللازم لردّ العدوان | | الشرعية | أن يكون مأذوناً به قانوناً أو مقرّراً من سلطة شرعية | | قابلية التوقّف | أن يتوقّف بمجرّد زوال سببه |
فإذا اختلّ شرط من هذه صار العنف عدواناً. وبهذا نفهم الفرق بين المقاومة والإرهاب، وبين العقوبة والانتقام.
3. ثلاث صيغ للرأي الشخصي مؤسَّساً
الصيغة الأولى ــ التسامح أصل والقوّة استثناء
> والذي أراه أنّ التسامح هو الأصل وأنّ القوّة استثناء لا يُلجأ إليه إلّا عند الضرورة وبقدرها. وأساس هذا الترجيح أنّ العنف تكلفته دائماً أعلى من نتيجته، وأنّ ما يُبنى بالقوّة يحتاج إلى قوّة دائمة لحراسته، أمّا ما يُبنى بالرضا فيحرسه أصحابه. — قالب الرأي الأوّل
الصيغة الثانية ــ تسامح القويّ
> وأرجّح أنّ التسامح لا قيمة له إلّا إذا صدر عن قدرة، فالضعيف لا يتسامح بل يستسلم ويسمّي استسلامه تسامحاً. وأساس ذلك أنّ الدولة التي تعفو عن مجرم وهي قادرة على عقابه تصنع سلماً، أمّا الدولة العاجزة عن العقاب فلا تصنع سلماً بل فوضى. فالقوّة شرط في التسامح لا نقيض له. — قالب الرأي الثاني
الصيغة الثالثة ــ المعيار هو الحقّ لا الوسيلة
> وأميل إلى أنّ السؤال عن الوسيلة سؤال ناقص، لأنّ المعيار ليس في كون الوسيلة تسامحاً أو قوّة، بل في كونها في خدمة الحقّ أو في خدمة الظلم. فهناك تسامح خائن حين يكون تنازلاً عن حقوق الآخرين، وهناك قوّة عادلة حين تردّ مظلمة. فالمقياس هو العدل، والوسيلة تابعة له. — قالب الرأي الثالث
4. صيغ جاهزة للخاتمة
الصيغة الأولى
> وعموماً نستنتج أنّ العنف لا تتأكّد مشروعيته إلّا إذا كان لاستعادة الحقوق أو ردّ الظلم، وبعد أن تنسدّ كلّ الطرق السلمية، وبقدر ما يدفع العدوان لا أكثر. أمّا في غير ذلك فالتسامح والحوار هما الطريق الأسلم، لأنّ العنف يحسم النزاع ولا يحلّه. ومنه فالحكمة تقتضي التسامح أحياناً والقوّة أحياناً بحسب المقام، ولا معنى للتسامح بلا قدرة، ولا معنى للقوّة بلا حقّ. — قالب الخاتمة الأولى
الصيغة الثانية
> وصفوة القول إنّ التسامح والقوّة ليسا نقيضين متنافيين بل وسيلتان يحكمهما مقصد واحد هو العدل. فمن تسامح ليحفظ حقّاً فقد أحسن، ومن استعمل القوّة ليردّ ظلماً فقد أحسن، ومن تسامح ليضيّع حقّ غيره فقد ظلم، ومن استعمل القوّة ليأخذ ما ليس له فقد اعتدى. فالعبرة بالغاية لا بالوسيلة. — قالب الخاتمة الثانية
5. أخطاء شائعة في هذا الدرس
- **الخلط بين القوّة والعنف**: القوّة قد تكون مشروعة، والعنف في المصطلح الفلسفي هو القوّة الخارجة عن الحقّ. **ميّز بينهما في المقدّمة تكسب نقطة المفاهيم**.
- **الاكتفاء بالوعظ**: الكتابة عن جمال التسامح من دون حجج فلسفية ولا أقوال **لا تُقيَّم كمقالة فلسفية**.
- **إهمال أمثلة الواقع الجزائري**: مثال المصالحة الوطنية ومثال أوّل نوفمبر **يخدمان الموقفين معاً**، والتلميذ الذي يحسن توظيفهما يتميّز.
- **نسيان نقد الموقف**: كلّ موقف يجب أن يُتبَع بنقده، وإلّا سقطت نقطة المنهجية.
مقابلة العنف بالعنف والتسامح مبدأً إنسانياً: فولتير وغارودي
مقابلة العنف بالعنف والتسامح مبدأً إنسانياً: فولتير وغارودي
1. ما يطلبه البرنامج
يطلب البرنامج في هذا الدرس بندين: أنّ مقابلة العنف بالعنف تعيد إنتاجه، وأنّ التسامح مبدأ إنساني، مع الاستئناس بموقفي فولتير وغارودي.
والاستئناس معناه أن توظّف موقف الفيلسوف شاهداً في المقالة: في عرض الموقف القائل بالتسامح، أو في التركيب، أو في الرأي الشخصي، أو في الجزء الثالث من الاستقصاء.
2. مقابلة العنف بالعنف تعيد إنتاجه
العنف لا يحسم الخلاف بل ينقله: فالمغلوب يحمل حقده ويورّثه، والغالب يعيش في خوف من الثأر. وهكذا يصير العنف دائرة: كلّ ردّ عنيف يبرّر ردّاً أعنف منه.
| المرحلة | ما يحدث | | :--- | :--- | | الاعتداء الأوّل | يقع ظلم على فرد أو جماعة | | الردّ بالمثل | يردّ المظلوم بعنف يراه عدلاً | | الثأر المقابل | يرى الطرف الأوّل في الردّ اعتداءً جديداً | | الدائرة | ينسى الطرفان البداية ويبقى الثأر |
والشاهد من الواقع: الثأر بين العائلات والقبائل يمتدّ أجيالاً حتى لا يذكر أحد سببه الأوّل، والعنف المدرسي يتعلّمه المضروب فيمارسه على من هو أضعف منه. فالخروج من الدائرة لا يكون إلّا بقرار يكسرها: عفو، أو حكم عادل يرضاه الطرفان، أو مصالحة.
تنبيه: هذا لا يعني إنكار حقّ الدفاع المشروع، فقد رأينا في التركيب أنّ القوّة قد تكون مشروعة بشروطها. المذموم هو العنف الذي يتّخذ الانتقام غاية، لا القوّة التي تردّ العدوان بقدره ثمّ تتوقّف.
3. موقف فولتير: التسامح أوّل قوانين الطبيعة
السياق: عاش فولتير (1694–1778) في فرنسا القرن الثامن عشر، وأوروبا ما تزال تحمل جراح الحروب والاضطهادات الدينية. وفي سنة 1762 أُعدم في مدينة تولوز التاجر البروتستانتي جان كالاس بتهمة قتل ابنه، في محاكمة غذّاها التعصّب الديني. فدافع فولتير عن براءته حتى رُدّ إليه اعتباره، وكتب سنة 1763 «رسالة في التسامح».
الفكرة: الناس جميعاً ضعفاء معرّضون للخطأ، فلا يحقّ لأحد أن يفرض رأيه على غيره بالقوّة، ولا أن يضطهده لأنّه يخالفه في العقيدة. فالتسامح نتيجة منطقية لتواضع العقل: من يعرف أنّه قد يخطئ لا يقتل من يخالفه. ويقول في «القاموس الفلسفي»:
> «ما التسامح؟ إنّه خاصّية الإنسانية. فنحن جميعاً مجبولون من الضعف والأخطاء، فليصفح بعضنا عن حماقات بعض: ذلك هو أوّل قانون للطبيعة» — فولتير
تنبيه: العبارة الشائعة «قد أختلف معك في الرأي، ولكنّي مستعدّ أن أدفع حياتي ثمناً لحقّك في التعبير عن رأيك» ليست من كلام فولتير، بل صاغتها كاتبة إنجليزية في مطلع القرن العشرين تلخيصاً لموقفه، فلا تنسبها إليه بين علامتي تنصيص.
وجه الاستئناس به: يصلح فولتير شاهداً على أنّ التسامح مبدأ إنساني يقوم على المساواة في الضعف والكرامة، وعلى أنّ التعصّب أصل العنف.
4. موقف غارودي: الحوار بين الحضارات بدل الهيمنة
السياق: روجيه غارودي (1913–2012) فيلسوف فرنسي، كان من منظّري الماركسية ثمّ اعتنق الإسلام. ورأى أنّ عنف العصر الحديث لا يقتصر على الحروب، بل يشمل هيمنة حضارة واحدة على غيرها، كما فعل الاستعمار حين فرض لغته وقيمه على الشعوب وعدّ ثقافاتها متخلّفة.
الفكرة: دعا غارودي في كتابه «من أجل حوار بين الحضارات» إلى أن تتخلّى الحضارة الغربية عن ادّعاء أنّها النموذج الوحيد، وأن تتعلّم من حضارات آسيا وإفريقيا والعالم الإسلامي ما أهملته من معاني الجماعة والروح والجمال. فالتسامح عنده ليس مجرّد احتمال الآخر على مضض، بل حوار يعترف فيه كلّ طرف بأنّ عند الآخر ما ينقصه.
وجه الاستئناس به: يصلح غارودي شاهداً على أنّ العنف قد يكون رمزياً وثقافياً، وعلى أنّ الحوار طريق السلم بين الأمم كما هو طريقه بين الأفراد.
5. مقارنة بين الموقفين
| | فولتير | غارودي | | :--- | :--- | :--- | | العنف الذي يواجهه | التعصّب والاضطهاد الديني | هيمنة حضارة على غيرها | | أساس التسامح | ضعف الإنسان وقابليته للخطأ | حاجة كلّ حضارة إلى غيرها | | صورة التسامح | الصفح المتبادل وترك الإكراه | الحوار والتعلّم المتبادل | | أين يُوظَّف | الموقف الأوّل، والرأي الشخصي | الموقف الأوّل، والتركيب |
ومن التاريخ الجزائري شاهد يجمعهما: الأمير عبد القادر الذي حمى في دمشق سنة 1860 آلاف المسيحيين من فتنة طائفية، فجسّد التسامح مبدأً إنسانياً يتجاوز الانتماء الديني.
6. صيغة جاهزة للتوظيف
> إنّ مقابلة العنف بالعنف لا تحسم النزاع بل تعيد إنتاجه، فكلّ ردّ عنيف يبرّر ردّاً أعنف منه، حتى ينسى الطرفان سبب الخلاف ويبقى الثأر. ولهذا كان التسامح مبدأً إنسانياً: فقد رأى فولتير، بعد أن دافع عن جان كالاس ضحية التعصّب، أنّ الناس جميعاً مجبولون من الضعف والأخطاء، فليصفح بعضهم عن حماقات بعض، وذلك أوّل قانون للطبيعة. ودعا غارودي إلى حوار بين الحضارات بدل هيمنة حضارة واحدة على غيرها، لأنّ عند كلّ حضارة ما ينقص الأخرى. ويشهد لذلك من تاريخنا أنّ الأمير عبد القادر حمى آلاف المسيحيين في دمشق سنة 1860. — قالب الاستئناس بفولتير وغارودي
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
المقالة الجدلية كاملة وتحويلها إلى استقصاء
نصّ السؤال: هل يمكن حلّ النزاعات القائمة بين الأفراد والجماعات بالتسامح أم بالقوّة؟
طرح المشكلة
إنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، غير أنّ حياته داخل الجماعة لا تخلو من نزاعات تنشأ عن تعارض المصالح واختلاف الأهواء، فكان لا بدّ من وسيلة تُحسم بها هذه النزاعات حتى يستقيم الاجتماع البشري. ويُعرَّف العنف بأنّه استعمال القوّة المادّية أو المعنوية لقهر الخصم وإخضاعه، سواء أكان فرداً أم جماعة أم دولة، في حين يُعرَّف التسامح بأنّه قبول الاختلاف والتعايش مع المخالف والعفو عن المسيء مع القدرة على معاقبته. وقد اختلف الفلاسفة في هذه المسألة اختلافاً بيّناً، فمنهم من رأى أنّ التسامح وحده كفيل بحلّ النزاعات لأنّ العنف يولّد العنف، ومنهم من رأى أنّ القوّة هي الفاصلة لأنّ الإنسان لا يرتدع إلّا بها. وعليه يمكننا أن نتساءل: هل يمكن حلّ النزاعات القائمة بين الأفراد والجماعات بالتسامح؟ أم أنّ ذلك لا يتحقّق إلّا باستعمال القوّة؟
محاولة حلّ المشكلة
أوّلاً: الموقف الأوّل ــ التسامح هو السبيل إلى حلّ النزاعات
يرى أنصار النزعة الإنسانية ومنهم برتراند راسل والمهاتما غاندي وجان جاك روسو، وكذا دعاة الأديان السماوية، أنّ حلّ النزاعات لا يكون إلّا بالتسامح والحوار، وأنّ العنف وسيلة فاشلة مهما بدا ناجحاً في ظاهره. ويعتمدون على مسلّمات منها أنّ الإنسان خيّر بطبعه وأنّ الشرّ عارض فيه، وأنّ العنف يولّد العنف فلا ينتهي دوره، وأنّ ما يُبنى بالقوّة ينهار بزوالها. فيرى راسل أنّ خلاص البشرية لا يأتي من السلاح بل من التعاون، وأنّ التغيير يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الخارج، ويقول في ذلك: «إنّ الشيء الوحيد الذي يحرّر البشر هو التعاون، وأوّل خطوة فيه تتمّ في قلوب الأفراد». وقد أثبت غاندي هذا الموقف عملياً لا نظرياً فقط، إذ قاد حركة تحرير شعب كامل معتمداً على المقاومة السلمية والعصيان المدني، وقال: «اللاعنف أعظم قوّة في متناول البشرية، وهو أقوى من أشدّ أسلحة الدمار التي صنعتها براعة الإنسان». أمّا روسو فيرى أنّ الإنسان يولد حرّاً طيّباً وأنّ المجتمع هو الذي يُفسده، فإذا أُصلح المجتمع عادت الطبيعة الخيّرة إلى الظهور فلا حاجة إلى العنف. وتدعو الأديان السماوية إلى العفو عند المقدرة، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، وفي فتح مكّة قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهلها بعد سنوات من الأذى: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فكان العفو أشدّ أثراً في قلوبهم من أيّ انتصار بالسلاح. ومن جهة العقل فإنّ العنف يحسم النزاع ظاهرياً ولا يحلّه، لأنّه يترك في نفس المغلوب حقداً ينتظر فرصته، فهو تأجيل للنزاع لا إنهاء له. ويشهد للواقع أنّ الجزائر بعد العشرية السوداء اختارت طريق الوئام المدني ثمّ المصالحة الوطنية، فأوقفت نزيف الدم بما عجزت عنه سنوات من المواجهة، وكذلك فعلت جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري حين اختارت لجان الحقيقة والمصالحة بدل الانتقام.
نقده: لكنّ التسامح المطلق قد يتحوّل إلى ضعف يُغري المعتدي، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، والدولة التي لا تعاقب المجرم تُشجّعه. كما أنّ هناك نزاعات لا تُحلّ بالحوار مهما طال، فالشعوب المستعمَرة لم تنل حرّيتها بالكلام. ثمّ إنّ القول بأنّ الإنسان خيّر بطبعه دعوى لا يؤيّدها الواقع كلّه، فتاريخ البشرية حافل بالعدوان ابتداءً لا ردّاً.
ثانياً: الموقف الثاني ــ القوّة هي التي تحسم النزاعات
في مقابل ذلك يرى أنصار النزعة الواقعية ومنهم توماس هوبز وميكيافلي وماكس فيبر ونيتشه وهيجل، أنّ النزاعات لا تُحسم إلّا بالقوّة، وأنّ التسامح وحده وهم لا يصمد أمام طبيعة الإنسان. ويعتمدون على مسلّمات منها أنّ الإنسان أنانيّ عدواني بطبعه، وأنّ القوّة هي التي تصنع النظام، وأنّ الدولة نفسها قامت على احتكار العنف. فيرى هوبز أنّ الحالة الطبيعية للإنسان قبل قيام الدولة كانت حرب الكلّ ضدّ الكلّ، ولم يخرج منها إلّا بأن تنازل للدولة عن حقّه في استعمال القوّة، ويقول في وصف تلك الحال: «الإنسان ذئب لإنسان آخر». ويرى ميكيافلي أنّ الحاكم الذي يريد بقاء دولته لا يستطيع الالتزام بالفضيلة دائماً لأنّ خصومه لا يلتزمون بها، ويقول: «على الأمير الذي يريد أن يحفظ ملكه أن يتعلّم كيف يستطيع ألّا يكون خيّراً، وأن يستعمل ذلك أو لا يستعمله بحسب الضرورة». أمّا ماكس فيبر فيؤكّد أنّ الدولة نفسها لا تُعرَّف إلّا بالعنف، ويقول إنّ الدولة «جماعة إنسانية تطالب بنجاح، داخل إقليم معيّن، باحتكار الاستعمال المشروع للعنف المادّي»، فهي الجهة الوحيدة التي يحقّ لها استعماله. ويرى نيتشه أنّ الحياة في جوهرها إرادة قوّة، وأنّ الأخلاق التي تدعو إلى الرحمة أخلاق الضعفاء الذين يعجزون عن الفعل فيجعلون من عجزهم فضيلة، في حين يرى هيجل أنّ التاريخ يتقدّم بالصراع. ومن جهة الواقع فإنّ الحقّ بلا قوّة ضائع، فالقانون لا يُحترم لعدالته وحدها بل لأنّ وراءه سلطة تنفّذه. ويشهد لذلك أنّ الحركة الوطنية الجزائرية ظلّت تطالب بالحقوق بالطرق السلمية عقوداً فلم تُجَب، حتى كانت مجازر الثامن من ماي 1945 التي أثبتت أنّ المستعمِر لا يفهم غير لغة القوّة، فكان أوّل نوفمبر 1954 وكانت الحرّية. يُضاف إلى ذلك أنّ كلّ الدول، بما فيها أكثرها تحضّراً، تحتفظ بالسجن والشرطة والجيش، ولو كان التسامح كافياً لأُلغيت هذه المؤسّسات.
نقده: لكنّ العنف يحسم النزاع ولا يُنهيه، فهو يصنع غالباً ومغلوباً، والمغلوب ينتظر فرصته، والتاريخ سلسلة من الثارات المتبادلة. كما أنّ الاعتماد على القوّة وحدها يحوّل المجتمع إلى غابة وينتهي بالأقوى نفسه إلى الهلاك حين يظهر من هو أقوى منه. ثمّ إنّ قول هوبز إنّ الإنسان ذئب لأخيه تعميم مبالَغ فيه، فالتاريخ فيه من التعاون والإيثار بقدر ما فيه من العدوان. والأهمّ من ذلك كلّه أنّ ماكس فيبر نفسه قيّد العنف بالمشروعية، وهذا اعتراف ضمني بأنّ القوّة لا تُقبل إلّا إذا خضعت للحقّ.
ثالثاً: التركيب والرأي الشخصي
إنّ الحكمة تقتضي التسامح أحياناً والقوّة أحياناً أخرى بحسب الظروف، فليس التسامح صالحاً في كلّ موضع وليست القوّة صالحة في كلّ موضع. فلا معنى للتسامح بلا قدرة، لأنّ العفو إنّما يكون عفواً حين يصدر عن قادر، أمّا عفو العاجز فهو عجز تسمّيه النفس عفواً، ولهذا قيل: «العفو عند المقدرة». وفي المقابل لا معنى للقوّة بلا حقّ، فالقوّة التي لا تخدم حقّاً ظلمٌ مهما تسمّت بغير اسمها. والذي أراه أنّ التسامح هو الأصل وأنّ القوّة استثناء لا يُلجأ إليه إلّا عند الضرورة وبقدرها، وأساس هذا الترجيح أنّ العنف تكلفته دائماً أعلى من نتيجته، وأنّ ما يُبنى بالقوّة يحتاج إلى قوّة دائمة لحراسته، أمّا ما يُبنى بالرضا فيحرسه أصحابه. وبهذا المعيار نفرّق بين المقاومة والإرهاب، وبين العقوبة والانتقام.
حلّ المشكلة
وعموماً نستنتج أنّ مشروعية العنف لا تتأكّد إلّا إذا كان لاستعادة الحقوق أو ردّ الظلم، وبعد أن تنسدّ كلّ الطرق السلمية، وبقدر ما يدفع العدوان لا أكثر، وأن يتوقّف بمجرّد زوال سببه. أمّا في غير هذه الحالات فالتسامح والحوار هما الطريق الأسلم، لأنّ العنف يحسم النزاع ولا يحلّه. ومنه فإنّ التسامح والقوّة ليسا نقيضين متنافيين بل وسيلتان يحكمهما مقصد واحد هو العدل، فالعبرة بالغاية لا بالوسيلة.
---
تحويل المقالة إلى استقصاء
بالوضع: «التسامح هو السبيل الأمثل لحلّ النزاعات» دافع عن صحّة هذه الأطروحة.
| ما عندك | ما تفعل به | | :--- | :--- | | الموقف الأوّل وأقواله | الأطروحة مفصّلة: راسل، وغاندي، وروسو، والآية | | نقد الموقف الأوّل | يُحذف | | الموقف الثاني | منطق الخصوم مختصراً: هوبز وميكيافلي | | نقد الموقف الثاني | يُوسَّع: العنف يصنع غالباً ومغلوباً، وفيبر قيّده بالمشروعية | | المصالحة الوطنية وجنوب إفريقيا وفتح مكّة | حججك الشخصية |
بالرفع: «لا تُحلّ النزاعات إلّا بالقوّة» أبطل هذه الأطروحة.
فتعرض الأطروحة بأمانة من حجج الموقف الثاني، ثمّ تنقد منطق مناصريها، ثمّ ترفعها بمادّة الموقف الأوّل وبشروط مشروعية العنف.
ماذا تحفظ؟
- **تعريف العنف والتسامح**، والفرق بين القوّة المشروعة والعنف.
- **أربعة أقوال**: راسل، وغاندي، وهوبز، وماكس فيبر. **وأضف ميكيافلي إن اتّسع الوقت**.
- **آية فصّلت** وحديث فتح مكّة.
- **مثالان من الجزائر**: المصالحة الوطنية للموقف الأوّل، ومجازر ماي 1945 للموقف الثاني.
- **شروط مشروعية العنف الخمسة**، فهي جوهر التركيب والخاتمة.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.