البلاغة 1: المجاز العقلي والمجاز المرسل
تعريف المجاز وأقسامه، وعلاقات المجاز المرسل، والمجاز العقلي وعلاقاته، وسرّ بلاغتهما.
يتكوّن الدرس من 4 أجزاء: 1. مدخل: الحقيقة والمجاز، 2. المجاز المرسل وعلاقاته، 3. المجاز العقلي وعلاقاته، 4. تطبيقات وأخطاء شائعة.
1. مدخل: الحقيقة والمجاز
الحقيقة
تعريفها: اللفظ المستعمل في المعنى الذي وُضع له في أصل اللغة.
مثال: «رأيتُ أسداً في الغابة» — الأسد هنا الحيوان المفترس، وهو المعنى الأصلي.
المجاز
تعريفه: اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له، لعلاقةٍ بين المعنى الأصلي والمعنى الجديد، مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي.
مثال: «رأيتُ أسداً يخطبُ» — الأسد هنا رجلٌ شجاع، والقرينة «يخطب» لأنّ الحيوان لا يخطب.
أركان المجاز
| الركن | بيانه | | :---- | :---- | | اللفظ المنقول | الكلمة المستعملة في غير أصلها | | العلاقة | ما يربط بين المعنى الأصلي والمجازي | | القرينة | ما يمنع من إرادة المعنى الأصلي |
> قاعدة: لا مجاز بلا قرينة؛ فإذا انعدمت القرينة كان الكلام حقيقة. والقرينة قد تكون لفظية (كلمة في الجملة) أو حالية (يفهمها السامع من الموقف).
أقسام المجاز
| القسم | موضع التجوّز | العلاقة | | :---- | :------------ | :------ | | الاستعارة | في المفرد | المشابهة | | المجاز المرسل | في المفرد | غير المشابهة | | المجاز العقلي | في الإسناد | ملابسة بين الفعل وما أُسند إليه |
الفرق الجوهري
- في **المجاز اللغوي** (استعارة أو مرسل) يقع التجوّز في **الكلمة نفسها**.
- في **المجاز العقلي** تبقى كلّ الكلمات في معناها الحقيقي، ويقع التجوّز في **نسبة الفعل إلى فاعله**.
مثال يوضّح الفرق:
| المثال | نوعه | التعليل | | :----- | :---- | :------ | | «شربتُ ماءَ النيلِ» | حقيقة | كل لفظ في موضعه | | «شربتُ النيلَ» | مجاز مرسل | «النيل» أُطلق وأُريد ماؤه، والعلاقة المحلّية | | «بنى الأميرُ المدينةَ» | مجاز عقلي | الأمير لم يبنِ بيده، أُسند الفعل إلى الآمر به |
سرّ بلاغة المجاز عامّةً
- **الإيجاز**: كلمة تغني عن جملة.
- **المبالغة المقبولة** في تصوير المعنى.
- **إثارة الذهن**، فالسامع يتأمّل ليصل إلى المراد فيلذّ له إدراكه.
- **التوسّع في اللغة** بلا حاجة إلى ألفاظ جديدة.
- **إبراز المعنى في صورة محسوسة**.
2. المجاز المرسل وعلاقاته
تعريفه
المجاز المرسل: لفظٌ استُعمل في غير معناه الأصلي لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
وسُمّي مرسلاً لأنّه أُرسل ولم يُقيّد بعلاقة واحدة كالاستعارة التي تُقيَّد بالمشابهة، بل تتعدّد علاقاته.
علاقاته
1. السببية
أن يُذكر السبب ويُراد المسبَّب.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «رعَتِ الماشيةُ الغيثَ» | الغيث المطر، والمطر سببٌ للنبات؛ فالمرعيّ النبات لا المطر | | «له عليَّ يدٌ» | اليد سبب النعمة، والمراد النعمة نفسها |
2. المسبَّبيّة
أن يُذكر المسبَّب ويُراد السبب.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «ويُنزِّلُ لكم من السماءِ رزقاً» | الرزق مسبَّب عن المطر، والمنزَّل المطر |
3. الجزئية
أن يُذكر الجزء ويُراد الكلّ.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «فتحريرُ رقبةٍ» | الرقبة جزء، والمراد الإنسان كلّه | | «أرسلَ الأميرُ عيوناً» | العين جزء، والمراد الجواسيس |
4. الكلّية
أن يُذكر الكلّ ويُراد الجزء.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «يجعلونَ أصابعَهم في آذانِهم» | الأصبع كلّها لا تدخل الأذن، والمراد الأنامل | | «شربتُ الكأسَ» | المراد ما في الكأس لا الكأس كلّها |
5. المحلّية
أن يُذكر المحلّ ويُراد الحالّ فيه.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «فليدعُ ناديَه» | النادي المكان، والمراد أهله | | «سالَ الوادي» | الوادي محلّ، والسائل الماء فيه |
6. الحالّية
أن يُذكر الحالّ ويُراد المحلّ.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «ففي رحمةِ اللهِ هم فيها خالدون» | الرحمة حالّة، والمراد محلّها وهو الجنّة |
7. اعتبار ما كان
أن يُسمّى الشيء بما كان عليه.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «وآتوا اليتامى أموالَهم» | إذا آتيتَهم أموالهم فقد بلغوا فلم يبقوا يتامى؛ سُمّوا باعتبار ما كانوا |
8. اعتبار ما سيكون
أن يُسمّى الشيء بما سيصير إليه.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «إنّي أراني أعصرُ خمراً» | لا يُعصر الخمر، وإنّما يُعصر العنب فيصير خمراً |
جدول جامع
| العلاقة | القاعدة | مثال سريع | | :------ | :------ | :--------- | | السببية | ذُكر السبب وأُريد المسبَّب | رعت الماشية الغيث | | المسبَّبيّة | ذُكر المسبَّب وأُريد السبب | ينزّل لكم رزقاً | | الجزئية | ذُكر الجزء وأُريد الكلّ | فتحرير رقبة | | الكلّية | ذُكر الكلّ وأُريد الجزء | يجعلون أصابعهم | | المحلّية | ذُكر المحلّ وأُريد الحالّ | فليدعُ ناديه | | الحالّية | ذُكر الحالّ وأُريد المحلّ | ففي رحمة الله | | اعتبار ما كان | سُمّي بما كان | وآتوا اليتامى أموالهم | | اعتبار ما سيكون | سُمّي بما سيصير | أعصر خمراً |
سرّ بلاغته
- **الإيجاز**: «رقبة» بدل «إنسان مملوك».
- **التركيز على الجانب المهمّ**: ذكر «العين» يُبرز أنّ وظيفته النظر والتجسّس.
- **المبالغة**: «شربتُ النيلَ» أبلغ من «شربتُ من ماء النيل».
- **الإيحاء**: يفتح للمعنى أبواباً لا يفتحها اللفظ الصريح.
3. المجاز العقلي وعلاقاته
تعريفه
المجاز العقلي: إسنادُ الفعل أو ما في معناه إلى غير صاحبه الحقيقي لعلاقةٍ بينهما، مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي.
وسُمّي عقليّاً لأنّ التجوّز فيه في الإسناد الذي يُدركه العقل، لا في الألفاظ التي تُدركها اللغة.
> ملاحظة فارقة: في المجاز العقلي كلّ كلمة في معناها الحقيقي؛ المجاز في النسبة بينها. ولهذا يُسمّى أيضاً المجاز في الإسناد.
أركانه
| الركن | بيانه | | :---- | :---- | | المسنَد | الفعل أو ما في معناه | | المسنَد إليه | ما أُسند إليه الفعل مجازاً | | العلاقة | الملابسة بين الفعل وما أُسند إليه | | القرينة | ما يمنع من إرادة الإسناد الحقيقي |
علاقاته
1. الزمانية
أن يُسند الفعل إلى زمانه.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «نهارُهُ صائمٌ وليلُهُ قائمٌ» | النهار لا يصوم، والصائم صاحبه فيه | | «سرّتْني الأيّامُ» | الأيّام لا تَسُرّ، وإنّما يقع السرور فيها |
2. المكانية
أن يُسند الفعل إلى مكانه.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «جرى النهرُ» | النهر مكان، والجاري الماء فيه | | «طريقٌ سائرٌ» | الطريق لا يسير، والسائر الناس فيه |
3. السببية
أن يُسند الفعل إلى سببه لا إلى فاعله.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «بنى الأميرُ المدينةَ» | الأمير سبب البناء بالأمر، والبنّاؤون فاعلوه | | «أنبتَ الربيعُ البقلَ» | الربيع سبب، والمُنبت هو الله |
4. المصدرية
أن يُسند الفعل إلى المصدر.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «جدَّ جِدُّهُ» | الجِدّ مصدر، والجادّ صاحبه | | «شعرَ شِعرُهُ» | المصدر لا يفعل |
5. الفاعلية
أن يُسند ما بُني للمفعول (اسم المفعول) إلى ما هو فاعلٌ في الحقيقة.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «حجاباً مستوراً» | الحجاب ساتر لا مستور؛ أُسندت صيغة المفعول إلى الفاعل | | «سيلٌ مُفعَمٌ» | السيل هو الذي يملأ الوادي، فهو مُفعِم لا مُفعَم |
6. المفعولية
أن يُسند ما بُني للفاعل (اسم الفاعل) إلى ما هو مفعولٌ في الحقيقة.
| المثال | البيان | | :----- | :----- | | «عيشةٍ راضية» | العيشة مَرضيّة لا راضية؛ أُسندت إليها صيغة الفاعل | | «ماءٌ دافقٌ» | الماء مدفوق لا دافق |
جدول جامع
| العلاقة | إلامَ أُسند الفعل | مثال | | :------ | :----------------- | :---- | | الزمانية | إلى الزمن | نهاره صائم | | المكانية | إلى المكان | جرى النهر | | السببية | إلى السبب | بنى الأمير المدينة | | المصدرية | إلى المصدر | جدَّ جِدُّه | | الفاعلية | صيغة المفعول إلى الفاعل الحقيقي | حجاباً مستوراً | | المفعولية | صيغة الفاعل إلى المفعول الحقيقي | عيشة راضية |
سرّ بلاغته
- **المبالغة**: «نهارُهُ صائمٌ» أبلغ من «يصوم في النهار»، لأنّه جعل الصيام صفةً للزمن كلّه.
- **التشخيص**: يمنح الجمادَ والزمنَ حياةً وحركة.
- **الإيجاز**: يختصر جملةً في إسناد.
- **إثارة الذهن**: يوقف السامع ليتأمّل قبل أن يفهم.
- **إبراز أثر السبب**: «أنبتَ الربيعُ البقلَ» تُبرز أثر الربيع أكثر من ذكر الفاعل الحقيقي.
كيف تفرّق بين المجاز المرسل والعقلي؟
اسأل نفسك سؤالاً واحداً: هل الكلمة استُعملت في غير معناها، أم أُسند الفعل إلى غير فاعله؟
| العلامة | مجاز مرسل | مجاز عقلي | | :------ | :-------- | :--------- | | موضع التجوّز | كلمة مفردة | الإسناد بين كلمتين | | هل تغيّر معنى لفظ؟ | نعم | لا | | السؤال الكاشف | ما المراد بهذه الكلمة؟ | مَن الفاعل الحقيقي؟ | | مثال | «شربتُ النيلَ» (النيل = ماؤه) | «جرى النهرُ» (الجاري = الماء) |
> تنبيه: قد تجتمع الصورتان في جملة واحدة، فتُحلَّل كلٌّ على حدة.
4. تطبيقات وأخطاء شائعة
تطبيقات محلولة
1 — مثالٌ يُختبر به الفهم
> «وأمّا مَن خَفَّتْ موازينُهُ فأمُّهُ هاويةٌ»
الجواب: ليست مجازاً مرسلاً بل استعارة تصريحية.
التعليل: شُبّهت النار بالأمّ في الضمّ إلى الحضن، فحُذف المشبّه وصُرّح بالمشبّه به. والعلاقة هنا مشابهة، والمشابهة تُخرج الصورة من المجاز المرسل إلى الاستعارة.
القاعدة المستفادة: قبل أن تحكم بأنّ الصورة مجازٌ مرسل، تحقّقْ من العلاقة؛ فإن كانت مشابهةً فهي استعارة، وهذا أوّل ما يُسأل عنه.
2
> «فليدعُ ناديَهُ»
النوع: مجاز مرسل. اللفظ: «ناديه». العلاقة: المحلّية؛ فالنادي مكان، والمراد أهله المجتمعون فيه. القرينة: «فليدعُ» — والمكان لا يُدعى. سرّ بلاغته: أفاد الكثرة والاجتماع؛ فذكر المكان أوحى بامتلائه بمن فيه.
3
> «جرى النهرُ»
النوع: مجاز عقلي. الإسناد: أُسند «جرى» إلى «النهر». العلاقة: المكانية؛ فالنهر مكان الجريان، والجاري ماؤه. سرّ بلاغته: التشخيص، وإفادة أنّ الجريان صار وصفاً ملازماً للنهر كلّه.
4
> «أمطرتِ السماءُ نباتاً»
النوع: مجاز مرسل. اللفظ: «نباتاً». العلاقة: المسبَّبيّة؛ ذُكر النبات وهو مسبَّب عن المطر، وأُريد سببه وهو المطر.
5
> «بنى الخليفةُ المسجدَ»
النوع: مجاز عقلي. الإسناد: أُسند «بنى» إلى «الخليفة». العلاقة: السببية؛ فالخليفة أمر بالبناء ولم يبنِ بيده. سرّ بلاغته: إبراز فضل الآمر ونسبة العمل إلى صاحب القرار.
6
> «في عيشةٍ راضيةٍ»
النوع: مجاز عقلي. العلاقة: المفعولية؛ أُسندت صيغة اسم الفاعل «راضية» إلى «العيشة» وهي مَرضيّة. سرّ بلاغته: المبالغة، كأنّ العيشة نفسها راضية من طيبها.
أخطاء شائعة
1. الخلط بين الاستعارة والمجاز المرسل
القاعدة الفاصلة:
| إذا كانت العلاقة | فهي | | :---------------- | :--- | | مشابهة | استعارة | | غير مشابهة | مجاز مرسل |
اختبار عملي: ضع أداة التشبيه بين المعنيين؛ فإن استقام المعنى فهي استعارة، وإلا فمرسل.
- «رأيتُ أسداً يخطب» ← الخطيب **كالأسد** ✓ استعارة.
- «شربتُ النيلَ» ← الماء **كالنيل**؟ ✗ لا يستقيم، فهو مرسل.
2. نسيان القرينة
لا يصحّ الحكم بالمجاز حتى تُذكر القرينة المانعة؛ فقول «رأيتُ أسداً» وحده قد يكون حقيقة.
3. الخلط بين المجاز المرسل والمجاز العقلي
| اسأل | فإن كان الجواب | فهو | | :--- | :-------------- | :--- | | هل كلمةٌ بعينها خرجت عن معناها؟ | نعم | مجاز مرسل | | هل الفعل أُسند إلى غير فاعله؟ | نعم | مجاز عقلي |
4. الظنّ أنّ كلّ إسناد إلى جماد مجازٌ عقلي
ليس كذلك؛ فقد يكون استعارة مكنية. والفرق:
| المثال | نوعه | التعليل | | :----- | :---- | :------ | | «جرى النهرُ» | مجاز عقلي | النهر مكان الجريان، والعلاقة مكانية | | «ضحكتِ الأرضُ» | استعارة مكنية | شُبّهت الأرض بإنسان يضحك، والعلاقة مشابهة |
5. نسيان بيان سرّ البلاغة
السؤال في البكالوريا لا يقف عند التسمية؛ فالمطلوب غالباً: اذكر النوع، وحدّد العلاقة، وبيّن سرّ البلاغة. ومن اكتفى بالتسمية خسر أكثر من نصف العلامة.
منهجية الإجابة
> س: بيّن نوع المجاز في «رعَتِ الماشيةُ الغيثَ» واذكر علاقته وسرّ بلاغته.
الخطوة 1 — التحديد: اللفظ المجازي «الغيث». الخطوة 2 — القرينة: «رعت»، والماشية لا ترعى المطر. الخطوة 3 — النوع والعلاقة: مجاز مرسل، علاقته السببية؛ فالغيث سبب النبات، والمرعيّ النبات. الخطوة 4 — سرّ البلاغة: الإيجاز، وربط النعمة بمصدرها، فيتذكّر السامع فضل الغيث كلّما رأى المرعى.
تمارين للتدريب
- عيّن نوع المجاز وعلاقته في: «أنبتَ الربيعُ الزهرَ».
- عيّن نوع المجاز وعلاقته في: «وقالتْ لهُ العينانِ سمعاً وطاعةً».
- فرّق بين المجاز في «جرى النهرُ» والمجاز في «شربتُ النهرَ».
- بيّن سرّ بلاغة المجاز في: «نهارُهُ صائمٌ وليلُهُ قائمٌ».
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.