الوضعيات النقدية: منهجية ونماذج محرَّرة

كيف تُحرَّر الوضعية النقدية، مع ثلاثة نماذج: حركة التأليف بين المملوكي والعثماني، والالتزام في الأدب، والشعر الاجتماعي.

يتكوّن الدرس من 4 أجزاء: 1. منهجية الوضعية النقدية، 2. نموذج محرَّر: حركة التأليف بين العصرين المملوكي والعثماني، 3. نموذج محرَّر: الالتزام في الأدب، 4. نموذج محرَّر: الشعر الاجتماعي في العصر الحديث.

1. منهجية الوضعية النقدية

ما الوضعية النقدية؟

موضوعٌ إنشائي يُطلب فيه أن تعرض ظاهرة أدبية وتحكم عليها؛ فهي أوسع من الوضعية الإدماجية وأقرب إلى المقالة الأدبية.

الفرق بينها وبين الوضعية الإدماجية

| الوجه | الوضعية الإدماجية | الوضعية النقدية | | :---- | :------------------ | :---------------- | | المطلوب | فقرة موظَّفة | مقالة في ظاهرة أدبية | | الحجم | 10 إلى 12 سطراً | صفحة تقريباً | | المادّة | فكرٌ عامّ | معرفةٌ أدبية بالعصر والأعلام | | الغاية | قياس المهارة اللغوية | قياس المعرفة والحكم النقدي | | الأمثلة | من الحياة | من النصوص والأعلام |

البناء الثلاثي

1. المقدّمة

وظيفتها: تمهيدٌ للظاهرة وتحديد الإطار الزمني، وطرح الإشكالية.

ما تحتويه:

  • تمهيدٌ عامّ عن العصر أو السياق.
  • **تحديد الظاهرة** المطلوب الحديث عنها.
  • **طرح الإشكالية** في صيغة سؤال أو ما يقوم مقامه.

> نموذج: «شهدت الساحة الأدبية في العصرين المملوكي والعثماني مرحلةً متميّزة من تاريخ الفكر العربي؛ فما دوافع حركة التأليف فيها؟ وما خصائصها؟ وبمَ يُحكم لها أو عليها؟»

2. العرض

وظيفته: بسط الظاهرة في عناصر مرتّبة، كلّ عنصر في فقرة.

عناصره المعتادة:

| العنصر | ما فيه | | :----- | :------ | | التعريف | ما الظاهرة؟ | | الأسباب والدوافع | لماذا نشأت؟ | | الخصائص | بمَ تتميّز؟ | | الأعلام والنماذج | مَن مثّلها؟ | | التقويم | ما لها وما عليها؟ |

3. الخاتمة

وظيفتها: خلاصةٌ وحكمٌ نهائي.

ما تحتويه: إجابةٌ عن الإشكالية المطروحة في المقدّمة، وحكمٌ متوازن لا متعصّب.

قواعد الحكم النقدي

  • **لا تمدحْ ولا تذمَّ على إطلاق**؛ فلكلّ ظاهرة ما لها وما عليها.
  • **احكمْ على الظاهرة بمقياس عصرها** لا بمقياس عصرك.
  • **اربط الظاهرة بأسبابها**؛ فالأدب ابن بيئته.
  • **استشهدْ بأعلام ونماذج**؛ فالحكم بلا دليل دعوى.
  • **وازنْ بين الرأيين** قبل أن ترجّح.

أخطاء شائعة

| الخطأ | البديل | | :---- | :------ | | السرد التاريخي بلا حكم | العرض ثمّ التقويم | | التعميم: «كان الأدب في هذا العصر رديئاً» | التفصيل: رديءٌ في الشعر، مزدهرٌ في التأليف | | ذكر الأسماء بلا وظيفة | ذكر العَلَم مع ما يمثّله | | إهمال المقدّمة أو الخاتمة | البناء الثلاثي كاملاً | | الخلط بين الرأي والمعلومة | تمييز «قيل» عن «أرى» |

2. نموذج محرَّر: حركة التأليف بين العصرين المملوكي والعثماني

المقدّمة

> شهدتِ الساحةُ الأدبية والثقافية في العصرين المملوكي والعثماني مرحلةً متميّزة من تاريخ الفكر العربي؛ إذ عرفتْ حركةُ التأليف نشاطاً واسعاً على مستوى الجمع والتصنيف، وذلك في خضمّ أزماتٍ سياسية واجتماعية هدّدت التراث العربي والإسلامي بالضياع، وعلى رأسها سقوط بغداد سنة 656 هـ على يد المغول. فما دوافع هذه الحركة؟ وما خصائصها؟ وبمَ يُحكم لها أو عليها؟

العرض

أوّلاً: دوافع نشاط حركة التأليف

1. الخوف على التراث من الضياع

بعد إحراق مكتبات بغداد وإلقاء الكتب في دجلة حتى اسودّ ماؤها — كما تروي المصادر — أدرك العلماء أنّ ما لم يُجمع سيضيع؛ فانصرفوا إلى الجمع والحفظ قبل الابتكار.

2. تشجيع الحكام والسلاطين

أنشأ المماليك والعثمانيون المدارس والخزائن وألحقوها بالمساجد، ووقفوا عليها الأوقاف، ورعوا العلماء والمؤلّفين.

3. نزوح العلماء إلى مصر والشام

صارت القاهرة ودمشق مركزَي العالم الإسلامي بعد سقوط بغداد، فاجتمعت فيهما العقول.

4. اتّساع العلوم وتشعّبها

كثرت الفنون حتى احتاج طالب العلم إلى مصنّفات جامعة تختصر عليه الطريق.

5. طبيعة التعليم

كان قائماً على الحفظ والتلقين، فاحتاج إلى متون تُحفظ وشروح تُفهم.

ثانياً: خصائص حركة التأليف

| الخاصّية | بيانها | | :------- | :----- | | غلبة الجمع على الابتكار | التصنيف والترتيب أكثر من الإنشاء | | ظهور الموسوعات | «نهاية الأرب» للنويري، و«صبح الأعشى» للقلقشندي | | كثرة الشروح والحواشي | شرحٌ للمتن، وحاشيةٌ على الشرح، وتقريرٌ على الحاشية | | المختصرات والمنظومات | اختزال الكتب الكبيرة ونظمها شعراً للحفظ | | المعاجم وكتب التراجم | «لسان العرب» لابن منظور، و«الوافي بالوفيات» للصفدي | | العناية بالسجع | حتى في العناوين، وقد بلغ حدّ التكلّف أحياناً |

ثالثاً: أعلامها

| العَلَم | أثره | ميدانه | | :------ | :---- | :------ | | ابن منظور | لسان العرب | المعجم | | النويري | نهاية الأرب في فنون الأدب | الموسوعة | | القلقشندي | صبح الأعشى في صناعة الإنشا | الكتابة والإدارة | | ابن خلدون | المقدّمة | فلسفة التاريخ وعلم العمران | | الصفدي | الوافي بالوفيات | التراجم | | السيوطي | مصنّفات في كلّ فنّ | الجمع والتصنيف |

رابعاً: التقويم

ما يُحمد لهذه الحركة:

  • **حفظت التراث** في زمنٍ كاد يضيع فيه.
  • **يسّرت العلم** على الطلاب بالمختصرات والمنظومات.
  • **أنتجت مصنّفات جامعة** لا نظير لها، ما زلنا نعتمد عليها إلى اليوم.
  • **ولد فيها علمٌ جديد** هو علم العمران عند ابن خلدون.

ما يُؤخذ عليها:

  • **غلبة التكرار** وطول التصانيف بلا جديد.
  • **الاكتفاء بالشرح والحاشية** بدل الإنشاء.
  • **ضعف الأسلوب** وتكلّف السجع.
  • **الانشغال بالشكل** عن المضمون.

الخاتمة

> وخلاصةُ القول إنّ حركة التأليف في العصرين المملوكي والعثماني كانت حركةَ إنقاذٍ لا حركةَ إبداع؛ وقد نجحت في غايتها نجاحاً باهراً، فحفظت للأمّة علومها حين عجزت عن حفظ سلطانها. ومن الظلم أن نحاكمها بمقياس عصر الابتكار، فقد فعلت ما تفعله الأمم حين تُهدَّد: تجمع ما تخاف عليه. على أنّ فيها من الإبداع ما يكفي لنقض التعميم؛ فمقدّمة ابن خلدون وحدها تعدل حركةً كاملة.

3. نموذج محرَّر: الالتزام في الأدب

المقدّمة

> ظلّ سؤالُ وظيفةِ الأدب قائماً منذ القديم: أهو فنٌّ للفنّ يُطلب لجماله وحده، أم رسالةٌ تُحمَل وقضيةٌ تُخدَم؟ وقد حسم كثيرٌ من أدباء العصر الحديث هذا السؤال بمصطلح الالتزام. فما مفهومه؟ وما قضاياه وخصائصه؟ وهل يفسد الالتزامُ الفنَّ أم يزيده صدقاً؟

العرض

أوّلاً: مفهوم الالتزام

الالتزام: أن يسخّر الأديب قلمه لمعالجة قضايا مجتمعه وأمّته، ومحاولة الإسهام في حلّها؛ فيكون أدبه موقفاً من الواقع لا هروباً منه.

أركانه ثلاثة:

  • **قضية** عادلة يؤمن بها الأديب.
  • **موقف** واضح لا مداورة فيه.
  • **فنٌّ** يحمل الموقف دون أن يفسد جماله.

ثانياً: الالتزام والإلزام

| الوجه | الالتزام | الإلزام | | :---- | :------- | :------ | | المصدر | اختيار حرّ من قناعة | فرضٌ من سلطة أو حزب | | الأثر في الفنّ | يزيده صدقاً وحرارة | يحوّله إلى دعاية باردة | | حرّية الأديب | محفوظة | مسلوبة |

فالالتزام حرّية، والإلزام قيد؛ والفرق بينهما هو الفرق بين شاعرٍ يحترق بقضيّته وآخر يُملى عليه ما يقول.

ثالثاً: نشأته

شاع المصطلح في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية على يد جان بول سارتر، ثمّ انتقل إلى الأدب العربي في خمسينيات القرن العشرين.

غير أنّ جذوره في تراثنا أقدم من المصطلح؛ فشعر الفخر والحماسة عند عنترة، وبائيّة أبي تمّام في فتح عمّورية، وشعر المقاومة عند شعراء الأندلس بعد سقوط المدن، كلّه التزامٌ قبل أن يُسمّى.

رابعاً: قضاياه

  • **التحرّر من الاستعمار**: الجزائر وتونس والمغرب ومصر.
  • **قضية فلسطين**، وهي القضية المركزية.
  • **الوحدة العربية**.
  • **العدالة الاجتماعية** والدفاع عن الفقراء.
  • **الحرّية** ومقاومة الاستبداد.

خامساً: خصائصه

| الخاصّية | بيانها | | :------- | :----- | | وضوح الفكرة | لأنّ الخطاب موجّه إلى الجماهير لا إلى النخبة | | صدق العاطفة | نابعٌ من معاناةٍ لا من تصنّع | | كثرة الإنشاء | نداء وأمر واستفهام تحريضي | | الرمز | ديني وتاريخي وأسطوري | | قوّة الإيقاع | بحور طويلة وقوافٍ مدوّية تصلح للإنشاد | | المعجم الثوري | الدم، الشهيد، القيد، الفجر |

سادساً: أعلامه

| الشاعر | التزامه | | :----- | :------ | | مفدي زكريا | الثورة الجزائرية | | محمود درويش | القضية الفلسطينية | | سميح القاسم | المقاومة والصمود | | بدر شاكر السيّاب | الفقراء والمهمّشون | | محمد العيد آل خليفة | الجزائر وعروبتها |

سابعاً: التقويم

ما يُحمد له:

  • ربط الأدب بالحياة وأخرجه من برجه العاجي.
  • منح الشعر **صدقاً** لا يُشترى.
  • وثّق مرحلةً من تاريخ الأمّة بلغةٍ تبقى.

ما يُخشى عليه:

  • أن ينزلق إلى **الخطابة والمباشرة** فيفقد فنّيّته.
  • أن يتحوّل إلى **شعارٍ** يُردَّد لا فنٍّ يُبدَع.
  • أن يرتبط بحادثةٍ عابرة **فيزول بزوالها**.

> والقاعدة: القضية العادلة لا تصنع قصيدة جيّدة وحدها؛ فصدق الموقف شرطٌ لازم لا كافٍ، ولا بدّ معه من صدق فنّي.

الخاتمة

> وخلاصةُ القول إنّ الالتزام أضاف إلى الأدب ولم ينقصه، ما دام نابعاً من قناعة الأديب لا مفروضاً عليه. فالأدب حين يحمل قضية شعبه يكسب صدقاً وحرارةً لا يبلغهما الأدب المحايد؛ بشرط ألّا ينسى أنّه أدبٌ قبل أن يكون خطاباً. وما بقي من شعر الالتزام إنّما بقي بفنّه لا بموضوعه وحده.

4. نموذج محرَّر: الشعر الاجتماعي في العصر الحديث

المقدّمة

> لم يعد الشعر في العصر الحديث وقفاً على المدح والرثاء والغزل، بل نزل إلى الشارع يرصد أدواء الناس ويسائل واقعهم؛ فظهر ما يُعرف بـالشعر الاجتماعي. فما مفهومه؟ وما قضاياه وخصائصه؟ وما موقع الشاعر فيه من مجتمعه؟

العرض

أوّلاً: مفهومه

الشعر الاجتماعي: لونٌ من الشعر يتناول قضايا المجتمع بالتحليل والتفصيل — كالظلم والفقر والبطالة والجهل وأزمة القيم — كاشفاً عللها وداعياً إلى إصلاحها.

وهو شعرٌ وظيفي؛ لا يكتفي بأن يكون جميلاً بل يريد أن يكون نافعاً.

ثانياً: نشأته وتطوّره

| المرحلة | ملامحها | | :------ | :------ | | قديماً | متفرّق في ثنايا الشعر: الحكمة والزهد ونقد الأخلاق | | مطلع النهضة | مع حافظ إبراهيم الذي لُقّب بـ«شاعر الشعب» | | بين الحربين | ازدهر مع الرومانسية والوعي بالفوارق الطبقية | | بعد الاستقلال | تحوّل من نقد الاستعمار إلى نقد الذات ومشكلات البناء |

ثالثاً: قضاياه

  • **الفقر والجوع** والفوارق الطبقية.
  • **الجهل والأمّية**.
  • **البطالة والفراغ** وضياع طاقة الشباب.
  • **الهجرة** ونزوح الأرياف.
  • **أزمة القيم** وضعف الروابط الأسرية.
  • **حقوق المرأة** وتعليمها.
  • **الاغتراب** داخل الوطن.

رابعاً: خصائصه

| الخاصّية | بيانها | | :------- | :----- | | الواقعية | صورٌ من الحياة اليومية لا من الخيال | | وضوح اللغة | لأنّ الخطاب موجّه إلى الناس جميعاً | | الاعتماد على المشهد | يُري ولا يقرّر | | النبرة النقدية | ممزوجةً بالشفقة لا بالشماتة | | الدعوة إلى الإصلاح | لا الاكتفاء بالشكوى | | الشخصيات النموذجية | الفقير، اليتيم، العاطل، الأمّ |

خامساً: موقع الشاعر

الشاعر الاجتماعي لسان من لا لسان له؛ يتكلّم باسم المهمّشين الذين لا يصل صوتهم. ولذلك:

  • يستعمل ضمير **«نحن»** أكثر من «أنا».
  • يختار **شخصيات عادية** لا أبطالاً خارقين.
  • يخاطب **الجماعة** لا النخبة.

سادساً: التقويم

ما يُحمد له:

  • **قرّب الشعر من الناس** بعد أن كان حكراً على المتأدّبين.
  • **وثّق حياة عصره** توثيقاً لا تجده في كتب التاريخ.
  • **حرّك الوعي** بقضايا كان السكوت عنها هو الأصل.
  • **أعاد للشعر وظيفته** بعد أن كاد يصير زينةً.

ما يُؤخذ عليه:

  • **الوقوف عند الشكوى** دون اقتراح حلول، فيزيد اليأس.
  • **المباشرة** التي تُذهب الشعرية.
  • **تسطيح القضايا** حين يكتفي بالمظاهر دون الأسباب.
  • **استعمال الضحيّة** لكسب التعاطف بدل التعاطف الصادق معها.

> والمقياس: أنجح الشعر الاجتماعي ما جمع صدق التشخيص إلى جمال الصياغة؛ فمن شخّص ولم يُجمِّل كتب تقريراً، ومن جمّل ولم يشخّص كتب زينة.

الخاتمة

> وخلاصةُ القول إنّ الشعر الاجتماعي ضميرُ المجتمع الناطق؛ يوقظه إذا نام، ويسائله إذا قصّر، ويحفظ لأبنائه صورة ما عانَوا حتى لا يتكرّر. وهو لا يبني مصنعاً ولا يوفّر منصباً، لكنّه يصنع الوعي الذي يطالب بهما، ويمنع المجتمع من أن يألف أدواءه حتى لا يعود يراها. وتلك وظيفةٌ لا يؤدّيها غير الأدب.

تمارين للتدريب

  • حرّر وضعية نقدية في **الشعر التعليمي**: مفهومه، أسباب ازدهاره، خصائصه، موقف النقّاد منه.
  • حرّر وضعية نقدية في **النزعة الإنسانية في شعر المهجر**: منابعها، مظاهرها، أعلامها، تقويمها.
  • حرّر وضعية نقدية في **المقالة**: نشأتها، أنواعها، خصائصها، أثر الصحافة فيها.
  • حرّر وضعية نقدية في **المسرح الجزائري**: نشأته، مراحله، خصوصيّته، تحدّياته.

الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.

تمرّن على هذا الدرس

تمارين درس الوضعيات النقدية: منهجية ونماذج محرَّرة (16 تمريناً) — تمارين مصحّحة، أوّلها مفتوح للجميع.

مواضيع بكالوريا اللغة العربية

كل مواضيع بكالوريا اللغة العربية

دروس أخرى في اللغة العربية