الوحدة الثالثة: النزعة الإنسانية في الشعر المهجري
النص الأدبي: أنا لإيليا أبي ماضي — النص التواصلي: النزعة الإنسانية في الشعر العربي المعاصر.
يتكوّن الدرس من 9 أجزاء: 1. تقديم الوحدة: أدب المهجر، 2. النص الأدبي: التعريف بإيليا أبي ماضي ومناسبة النص، 3. النص الأدبي: النص وشرح المفردات، 4. النص الأدبي: اكتشاف المعطيات ومناقشتها، 5. النص الأدبي: البناء الفني والأساليب، 6. النص التواصلي: النزعة الإنسانية في الشعر العربي المعاصر، 7. الوحدة العضوية والوحدة الموضوعية، 8. الوضعية الإبداعية: التآخي بين الناس، 9. خلاصة الوحدة وتطبيقات.
1. تقديم الوحدة: أدب المهجر
أدب المهجر
تعريفه: أدبٌ عربي أنتجه المهاجرون العرب — من لبنان وسوريا خاصّة — في الأمريكتين منذ أواخر القرن التاسع عشر.
أسباب الهجرة
| السبب | بيانه | | :---- | :---- | | سياسي | ظلم الحكم العثماني وكبت الحرّيات | | اقتصادي | ضيق العيش وقلّة الموارد في جبل لبنان | | ديني | الفتن الطائفية وأحداث 1860 م | | علمي | طلب العلم والتطلّع إلى حياة أرحب |
مدرستا المهجر
| الوجه | الرابطة القلمية (المهجر الشمالي) | العصبة الأندلسية (المهجر الجنوبي) | | :---- | :------------------------------- | :-------------------------------- | | المكان | نيويورك — الولايات المتحدة | ساو باولو — البرازيل | | السنة | 1920 م | 1933 م | | أعلامها | جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، نسيب عريضة | رشيد الخوري، إلياس فرحات، شفيق المعلوف | | اتّجاهها | التجديد الجريء في الشكل والمضمون | المحافظة على عمود الشعر مع تجديد المضمون |
خصائص الشعر المهجري
- **النزعة الإنسانية**: تجاوز الحدود والأجناس إلى الإنسان حيثما كان.
- **التأمّل في الوجود**: أسئلة الحياة والموت والمصير.
- **الحنين إلى الوطن**، وهو أصدق ما في هذا الشعر عاطفة.
- **الاتّجاه إلى الطبيعة** ومناجاتها واتّخاذها رمزاً.
- **الوحدة العضوية**: القصيدة بناء واحد لا أبيات متفرّقة.
- **سهولة اللغة** وقربها من الحياة، والتحرّر من قيود القافية الواحدة.
- **استعمال الرمز والأسطورة** ولغة التصوير.
النزعة الإنسانية
تعريفها: اتّجاه أدبي يجعل الإنسان محور الاهتمام، ويدعو إلى المحبّة والإخاء والمساواة، ويرفض التمييز بلون أو دين أو جنس، ويشارك المعذَّبين آلامهم أيّاً كان موطنهم.
لماذا برزت عند المهجريين خاصّة؟
- عاشوا **الغربة**، فأدركوا أنّ الألم واحد عند كل البشر.
- خالطوا **مجتمعات متعدّدة الأعراق**، فتحرّروا من العصبية.
- تأثّروا بالأدب الغربي الرومانسي ودعوته إلى الحرّية والأخوّة.
- **حنينهم إلى وطن بعيد** جعلهم يتعاطفون مع كل مشرّد ومحروم.
2. النص الأدبي: التعريف بإيليا أبي ماضي ومناسبة النص
صاحب النص
إيليا ضاهر أبو ماضي (1889 م - 1957 م).
- وُلد بقرية **المحيدثة** في لبنان، ونشأ فقيراً محدود التعليم.
- هاجر إلى **مصر** سنة 1900 م وعمل في بيع الدخان، وهناك بدأ ينشر شعره.
- هاجر إلى **الولايات المتحدة** سنة 1912 م، واستقرّ في نيويورك.
- انضمّ إلى **الرابطة القلمية** التي أسّسها جبران ونعيمة.
- أصدر مجلّة **السمير** سنة 1929 م، وظلّ يحرّرها حتى وفاته سنة 1957 م.
شاعريته
يُلقّب بـشاعر التفاؤل، لأنّ شعره — على كثرة تساؤلاته الحائرة — ينتهي إلى الدعوة للفرح والرضا والمحبّة، وأشهر قصائده في ذلك «ابتسم».
دواوينه
| الديوان | سنته | | :------ | :---- | | تذكار الماضي | 1911 م | | ديوان إيليا أبي ماضي | 1919 م | | الجداول | 1927 م | | الخمائل | 1940 م | | تِبْر وتُراب | صدر بعد وفاته |
مناسبة النص
قصيدة «أنا» من ديوان الجداول، وهي من أوضح ما يمثّل النزعة الإنسانية في شعره.
يعرّف الشاعر فيها بنفسه لا بنسبه ولا بقبيلته — كما كان يفعل الشاعر القديم — وإنما بمواقفه من الإنسان والحياة. فـ«الأنا» هنا ليست فخراً بالذات، بل إعلان انتماء إلى الإنسانية كلّها.
الفكرة العامة
يعرّف الشاعر بذاته الإنسانية المحبّة الرافضة للحقد والتمييز، مؤكّداً أنّ انتماءه الحقّ إلى الإنسان لا إلى وطن ضيّق أو جنس أو عقيدة.
3. النص الأدبي: النص وشرح المفردات
النص
> حُرٌّ ومذهبُ كلِّ حُرٍّ مذهبي ✦ ما كنتُ بالغاوي ولا المتعصِّبِ > > إنّي لأغضبُ للكريمِ ينوشُهُ ✦ مَن دونَهُ وألومُ مَن لم يغضبِ > > وأُحبُّ كلَّ مهذَّبٍ ولوَ انّهُ ✦ خصمي وأرحمُ كلَّ غيرِ مهذَّبِ > > يأبى فؤادي أن يميلَ إلى الأذى ✦ حُبُّ الأذيّةِ من طباعِ العقربِ > > لي أن أردَّ مساءةً بمساءةٍ ✦ لو أنّني أرضى ببرقٍ خُلَّبِ > > حَسْبُ المسيءِ شعورُهُ ومقالُهُ ✦ في سرِّهِ: يا ليتني لم أُذنبِ
> إنّي إذا نزلَ البلاءُ بصاحبي ✦ دافعتُ عنهُ بناجذي وبمِخلبي > > وشدَدتُ ساعدَهُ الضعيفَ بساعدي ✦ وستَرتُ منكبَهُ العَرِيَّ بمنكبي > > وأرى مساوئَهُ كأنّي لا أرى ✦ وأرى محاسنَهُ وإن لم تُكتَبِ > > وألومُ نفسي قبلَهُ إن أخطأتْ ✦ وإذا أساءَ إليَّ لم أتعتَّبِ > > متقرِّبٌ من صاحبي فإذا مشَتْ ✦ في عِطفِهِ الغُلَواءُ لم أتقرَّبِ
> أنا مِن ضميري ساكنٌ في مَعقِلٍ ✦ أنا مِن خِلالي سائرٌ في موكبِ > > فإذا رآني ذو الغباوةِ دونَهُ ✦ فكما ترى في الماءِ ظلَّ الكوكبِ
*(أبيات مختارة من قصيدة «أنا» لإيليا أبي ماضي)*
شرح المفردات
| الكلمة | معناها | | :----- | :----- | | الغاوي | الضالّ المنقاد لهواه | | ينوشُه | يتناوله بالأذى وينال منه | | مَن دونَه | مَن هو أدنى منه منزلةً وخُلقاً | | مهذَّب | حسن الخُلق مؤدَّب | | مساءة | إساءة وأذى | | البرق الخُلَّب | البرق الذي لا مطر بعده، يُضرب مثلاً لما لا نفع فيه | | حَسْبُ المسيء | يكفي المسيءَ عقاباً | | الناجذ | أقصى الأضراس | | المِخلب | ظُفر السبع والطائر الجارح | | منكبه العَرِيّ | كتفه المكشوف، كناية عن حاجته وضعفه | | أتعتَّب | أُكثر العتاب واللوم | | عِطفه | جانبه | | الغُلَواء | الغلوّ والتيه والكبر | | مَعقِل | حصن منيع | | خِلالي | خصالي وأخلاقي | | الغباوة | قلّة الفطنة |
> لفتة: القصيدة على البحر الكامل وقافيتها الباء المكسورة، وقد افتتحها الشاعر بكلمة «حُرٌّ» قبل ضمير المتكلّم؛ فالحرّية أوّل ما يعرّف به نفسه، وعليها تُبنى بقيّة قيمه.
الفكرة العامة
تعريف الشاعر بذاته من خلال قيمه الإنسانية: الحرّية ورفض التعصّب، ومحبّة الأخيار ولو كانوا خصوماً، والصفح عن المسيء، والوفاء للصاحب في الشدّة، والاعتزاز بالضمير والخُلق.
4. النص الأدبي: اكتشاف المعطيات ومناقشتها
الأفكار الأساسية
1. الحرّية ورفض التعصّب ونصرة المظلوم *(البيتان 1 - 2)*
يعلن الشاعر أنّه حرّ مذهبُه مذهب الأحرار، فلا هو ضالّ ولا متعصّب. ثم يجعل من حرّيته موقفاً عملياً: يغضب للكريم إذا ناله بالأذى مَن هو دونه، ويلوم مَن يرى الظلم ولا يغضب.
2. معيار المحبّة الأخلاق لا العداوة *(البيتان 3 - 4)*
يحبّ المهذّب ولو كان خصمه، ويرحم غير المهذّب ولا يحقد عليه، ويأبى قلبه الأذى لأنّ حبّ الإيذاء من طباع العقرب لا من طباع الإنسان.
3. الصفح عن المسيء *(البيتان 5 - 6)*
يملك أن يردّ الإساءة بمثلها، لكنّه يرى الانتقام برقاً خُلَّباً لا خير فيه، ويكفي المسيءَ عقاباً أن يندم في سرّه.
4. الوفاء للصاحب *(الأبيات 7 - 11)*
ينصر صاحبه في البلاء بكلّ ما يملك، ويشدّ ضعفه ويستر حاجته، ويغضّ عن مساوئه ويذكر محاسنه، ويلوم نفسه قبل أن يلومه. غير أنّ وفاءه ليس ذلّاً: فإذا تكبّر الصاحب وتاه ابتعد عنه.
5. الاعتزاز بالضمير والسموّ على نظرة الأغبياء *(البيتان 12 - 13)*
ضميره حصن يسكنه، وأخلاقه موكب يسير فيه؛ فإذا رآه الغبيّ دونه فذلك وهمٌ كوهم من يرى صورة الكوكب في الماء تحته، والكوكب في الحقيقة في أعلى السماء.
المناقشة
كيف خالف الشاعر مفهوم «الأنا» في الشعر القديم؟
| الشعر القديم | إيليا أبو ماضي | | :----------- | :-------------- | | الأنا فخرٌ بالنسب والقبيلة والقوّة | الأنا موقفٌ أخلاقي وإنساني | | التميّز عن الآخرين بالغلبة | التميّز بالحرّية والتسامح والوفاء | | «أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا» | «حُرٌّ ومذهبُ كلِّ حُرٍّ مذهبي» |
فالفخر عنده بالخُلق لا بالنسب، وهذا انقلاب في مفهوم الفخر الشعري.
ما معيار الشاعر في الحبّ والبغض؟
معياره الأخلاق وحدها: يحبّ المهذّب ولو كان خصماً، ويرحم غير المهذّب ولا يبغضه. فالخصومة لا تُلغي الإنصاف، والإساءة لا تُلغي الرحمة؛ وهذا جوهر النزعة الإنسانية.
لماذا يرفض الشاعر الانتقام وهو قادر عليه؟
قال «لي أن أردَّ مساءةً بمساءةٍ» فأثبت القدرة، ثم نفى الرغبة لأنّ الانتقام لذّة عابرة كالبرق الخُلَّب: يلمع ولا يمطر. والعفو مع القدرة أرفع من العفو مع العجز.
هل الوفاء عند الشاعر بلا حدود؟
لا؛ فهو وفاءٌ مع الكرامة: يدافع عن صاحبه ويستر عيبه، لكنّه إذا رأى الغرور يمشي في عِطفه لم يتقرّب إليه. فالمحبّة عنده لا تعني التذلّل.
هل ترى في النص أثراً لغربة الشاعر؟
نعم؛ فالذي عاش بين أجناس وأديان شتّى يدرك أنّ الأخلاق هي اللغة المشتركة بين البشر، فيعرّف نفسه بها لا بوطن أو طائفة.
القيمة المستخلصة
قيمة إنسانية أخلاقية: الإنسان يُعرَّف بخُلقه لا بنسبه؛ والحرّ مَن أنصف خصمه، وعفا عن المسيء، ووفى لصاحبه دون أن يذلّ له.
5. النص الأدبي: البناء الفني والأساليب
نمط النص
يتداخل في النص نمطان: الوصفي والحِجاجي.
مؤشّرات الوصف: وصف الشاعر نفسه وأخلاقه بالجمل الاسمية والنعوت (حُرٌّ، ساكنٌ في معقل، سائرٌ في موكب، متقرّبٌ من صاحبي)، والأفعال المضارعة الدالّة على الاستمرار (أغضبُ، أحبُّ، أرحمُ، أرى، ألومُ).
مؤشّرات الحجاج: التوكيد «إنّي لأغضبُ»، والتعليل بالحكمة «حُبُّ الأذيّةِ من طباعِ العقربِ»، والاحتراس «ولوَ انّهُ خصمي»، والشرط المتكرّر بـ«إذا»، والاستدلال بالتشبيه «فكما ترى في الماءِ ظلَّ الكوكبِ».
الأساليب
| الأسلوب | المثال | غرضه البلاغي | | :------ | :----- | :----------- | | الخبر المؤكّد | «إنّي لأغضبُ للكريمِ» | توكيد الموقف (خبر إنكاري: إنّ واللام) | | النفي | «ما كنتُ بالغاوي ولا المتعصِّبِ» | تبرئة الذات من الصفات المذمومة | | الشرط | «إنّي إذا نزلَ البلاءُ بصاحبي دافعتُ عنهُ» | ربط الوفاء بوقت الشدّة | | التمنّي | «يا ليتني لم أُذنبِ» | تصوير ندم المسيء | | التكرار | «أنا مِن ضميري… أنا مِن خِلالي» | الاعتزاز بالذات وتوكيدها |
الصور البيانية
1. «حُبُّ الأذيّةِ من طباعِ العقربِ»
تشبيه ضمني: لم يصرّح بالتشبيه، لكنّه يُفهم من السياق أنّ محبّ الأذى كالعقرب.
*سرّه:* نفّر من الأذى بجعله طبعاً حيوانياً لا يليق بالإنسان، وجاء الكلام في صورة حكمة تحمل دليلها.
2. «لو أنّني أرضى ببرقٍ خُلَّبِ»
استعارة تصريحية: شبّه الانتقام بالبرق الخُلَّب الذي لا مطر بعده، فحذف المشبّه وصرّح بالمشبّه به.
*سرّها:* أفادت أنّ الانتقام لمعانٌ بلا ثمر: يرضي النفس لحظةً ولا يُصلح شيئاً.
3. «دافعتُ عنهُ بناجذي وبمِخلبي»
استعارة مكنية في «مخلبي»: شبّه نفسه بسبعٍ يذود عن صاحبه، فحذف المشبّه به وأبقى لازمة من لوازمه وهي المخلب. والصورة كلّها كناية عن الاستماتة في الدفاع.
4. «وستَرتُ منكبَهُ العَرِيَّ بمنكبي»
كناية عن مواساة الصاحب وسدّ حاجته وستر ضعفه.
5. «أنا مِن ضميري ساكنٌ في مَعقِلٍ»
تشبيه بليغ: شبّه ضميره بالحصن، وحذف الأداة ووجه الشبه.
*سرّه:* أفاد المنعة والطمأنينة؛ فصاحب الضمير الحيّ لا تنال منه الإساءة.
6. «فإذا رآني ذو الغباوةِ دونَهُ ✦ فكما ترى في الماءِ ظلَّ الكوكبِ»
تشبيه تمثيلي: شبّه صورة الغبيّ الذي يتوهّم الشاعر أدنى منه بصورة من يرى ظلّ الكوكب في الماء تحته، والكوكب في الحقيقة عالٍ في السماء؛ ووجه الشبه صورة منتزعة: وهمُ الانخفاض مع حقيقة العلوّ.
*سرّه:* ختم القصيدة بحجّة مصوّرة تُسقط نظرة الأغبياء دون أن ينزل إلى هجائهم.
7. «يأبى فؤادي»
مجاز مرسل علاقته الجزئية: ذكر الفؤاد وأراد الشاعر كلّه.
المحسّنات البديعية
- **الطباق**: «مهذَّب / غير مهذَّب» و«أرى / لا أرى» (طباق سلب)، و«مساوئه / محاسنه» (طباق إيجاب).
- **المقابلة**: «وأرى مساوئَهُ كأنّي لا أرى ✦ وأرى محاسنَهُ وإن لم تُكتَبِ».
- **ردّ العجز على الصدر**: «ساعدَهُ… بساعدي»، «منكبَهُ… بمنكبي».
- **التصريع** في المطلع: «مذهبي / المتعصِّبِ».
«إذا» في النص
تكرّرت «إذا» ظرفاً لما يُستقبل من الزمان متضمّناً معنى الشرط: «إذا نزلَ البلاءُ»، «فإذا مشَتْ»، «وإذا أساءَ»، «فإذا رآني». وهي في كلّ ذلك ظرف مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول فيه، والجملة بعدها في محلّ جرّ بالإضافة. وقد خدم تكرارها النمط الحجاجي، إذ ربط كلّ موقف بظرفه. (التفصيل في درس القواعد: معاني وإعراب إذا، إذْ، إذنْ، حينئذٍ.)
الخصائص الأسلوبية
- **سهولة اللغة** ووضوحها، مع جزالة تناسب الشكل العمودي.
- **غلبة معجم القيم الأخلاقية**: حُرّ، الكريم، مهذَّب، أرحم، الأذى، ضميري، خِلالي.
- **تكرار ضمير المتكلّم** (إنّي، أحبّ، أرى، أنا)، وهو تكرار يخدم غرض التعريف بالذات.
- **التجديد في المضمون مع المحافظة على الشكل**: روح إنسانية جديدة في قالب عمودي على البحر الكامل.
- **الوحدة الموضوعية**: الأبيات كلّها تخدم تعريف الذات بقيمها.
6. النص التواصلي: النزعة الإنسانية في الشعر العربي المعاصر
مضمون النص
يعالج النص التواصلي مفهوم النزعة الإنسانية ومنابعها ومظاهرها في الشعر العربي المعاصر.
الفكرة الأولى: المفهوم
النزعة الإنسانية اتّجاهٌ يجعل الإنسان قيمةً عليا، ويرى أنّ ما يجمع البشر أكثر ممّا يفرّقهم، فيدعو إلى:
- **المحبّة** بديلاً عن الكراهية.
- **المساواة** بين الأجناس والألوان.
- **التضامن** مع المظلومين أينما كانوا.
- **رفض الحرب** والاستعمار والاستغلال.
الفكرة الثانية: منابعها
| المنبع | أثره | | :----- | :--- | | التراث العربي الإسلامي | «الناس سواسية كأسنان المشط»، وشعر المعرّي في الرحمة بالكائنات | | التصوّف | وحدة الوجود والمحبّة الشاملة عند ابن عربي | | الغربة والهجرة | مخالطة الأجناس تُذيب العصبية | | الأدب الغربي | الرومانسية وثورتها على القيود، ودعوة الحرّية والإخاء | | مآسي العصر | الحربان العالميتان كشفتا وحدة الألم الإنساني |
الفكرة الثالثة: مظاهرها في الشعر
- **تجاوز الحدود الجغرافية**: فالشاعر يبكي ضحايا هيروشيما كما يبكي ضحايا فلسطين.
- **التعاطف مع الفقراء والمعذّبين** أيّاً كانت ديانتهم.
- **رفض التمييز** بلون أو دين.
- **الدعوة إلى السلام** ونبذ الحرب.
- **تمجيد قيم الحبّ والخير والجمال**.
- **استعمال رموز إنسانية عامّة**: الطفل، الأمّ، الأرض، السنبلة.
الفكرة الرابعة: أعلامها
| الشاعر | مظهر النزعة عنده | | :----- | :--------------- | | إيليا أبو ماضي | المحبّة والتفاؤل ورفض الحقد | | جبران خليل جبران | الثورة على الظلم والدعوة إلى الحرّية | | ميخائيل نعيمة | التأمّل في وحدة الوجود ومصير الإنسان | | أبو القاسم الشابي | الإيمان بإرادة الحياة والحرّية | | بدر شاكر السيّاب | التعاطف مع الجياع والمشرّدين |
المناقشة
ما الفرق بين النزعة الإنسانية والوطنية؟ وهل بينهما تعارض؟
| الوجه | الوطنية | الإنسانية | | :---- | :------ | :-------- | | الدائرة | الوطن | البشرية | | الباعث | الانتماء إلى أرض | الانتماء إلى النوع |
ولا تعارض بينهما في الأصل؛ فالإنسانية دائرة أوسع تحتضن الوطنية ولا تلغيها. وإنما يقع التعارض حين تتحوّل الوطنية إلى عصبية تُقصي الآخر، أو تتحوّل الإنسانية إلى شعار مجرّد يُتخلّى به عن نصرة المظلوم القريب.
لماذا برزت النزعة الإنسانية في العصر الحديث أكثر ممّا برزت قديماً؟
لثلاثة أسباب:
- **اتّساع وسائل الاتّصال** فصار ألم البعيد مرئيّاً.
- **الحربان العالميتان** كشفتا فداحة ما يفعله الإنسان بأخيه.
- **الهجرة والاغتراب** وضعا الشاعر العربي وجهاً لوجه أمام الآخر.
ما وجه الصلة بين النصّين؟
النص التواصلي يؤصّل للظاهرة ويعرض منابعها ومظاهرها وأعلامها، والنص الأدبي تجسيدٌ فنّي لها؛ فقصيدة «أنا» ليست حديثاً عن النزعة الإنسانية بل ممارسة لها.
القيمة المستخلصة
قيمة إنسانية اجتماعية: الأدب في أرقى صوره جسرٌ بين البشر لا سوراً بينهم؛ ورسالة الشاعر أن يذكّر الناس بما يجمعهم كلّما ألهتهم الخصومات عنه.
7. الوحدة العضوية والوحدة الموضوعية
التعريف
| الوحدة | تعريفها | ما تقابله | | :----- | :------ | :-------- | | الوحدة الموضوعية | أن تدور القصيدة على موضوع واحد وغرض واحد | تعدّد الأغراض في القصيدة القديمة (مقدّمة طللية، ثمّ رحلة، ثمّ الغرض) | | الوحدة العضوية | أن تكون القصيدة بنيةً حيّة متماسكة: موضوع واحد، وجوّ نفسي واحد، وأفكار متسلسلة يأخذ بعضها بأعناق بعض | استقلال البيت بمعناه، حتى يمكن تقديمه أو تأخيره دون أن يختلّ المعنى |
> القاعدة الذهبية: كلّ وحدة عضوية تتضمّن وحدة موضوعية، وليست كلّ وحدة موضوعية وحدة عضوية؛ فقد تدور القصيدة على غرض واحد وأبياتها مع ذلك متجاورة لا متلاحمة.
من دعا إليها؟
- **جماعة الديوان** في مصر، وقد أخذ العقّاد على شعر شوقي تفكّك أبياته وإمكان تبديل مواضعها.
- **المهجريون**، وفي مقدّمتهم ميخائيل نعيمة في «الغربال»؛ فالقصيدة عندهم تجربة شعورية واحدة لا مجموعة حِكَم.
مقاييس الحكم على الوحدة العضوية
- **وحدة الموضوع**: هل يخدم كلّ بيت فكرة مركزية واحدة؟
- **وحدة الجوّ النفسي**: هل تسري في القصيدة عاطفة واحدة متنامية؟
- **التسلسل المنطقي**: هل تنتقل الأفكار من مقدّمة إلى عرض إلى خاتمة؟
- **أدوات الربط**: هل تصل حروف العطف والإحالة بالضمائر بين الأبيات؟
- **اختبار التبديل**: هل يختلّ المعنى إذا قدّمت بيتاً أو أخّرته؟
تطبيق على قصيدة «أنا»
| المقياس | الحكم | | :------ | :---- | | وحدة الموضوع | متحقّقة: كلّ الأبيات تعريف بالذات من خلال قيمها الإنسانية | | وحدة الجوّ النفسي | متحقّقة: اعتزاز هادئ ومحبّة وتسامح من أوّلها إلى آخرها | | التسلسل | قائم: مبدأ عامّ (الحرّية ورفض التعصّب) ← الموقف من الناس (الكريم، المهذّب، المسيء) ← الوفاء للصاحب ← الاعتزاز بالضمير والسموّ على الأغبياء | | الربط | الواو العاطفة، وتكرار «إذا» الشرطية، وضمير المتكلّم الذي يسري في الأبيات | | التبديل | ممكن في بعض المواضع، لأنّ القصيدة عمودية يستقلّ البيت فيها بقدر |
الخلاصة: الوحدة الموضوعية في القصيدة تامّة، والوحدة العضوية متحقّقة بقدر كبير لا مطلق؛ فالشاعر جدّد في المضمون والروح، وحافظ على الشكل العمودي الذي يمنح البيت شيئاً من الاستقلال.
> في الاختبار: لا تكتفِ بقولك «تحقّقت الوحدة العضوية»، بل علّل بمقياسين على الأقلّ ومثّل من النص.
8. الوضعية الإبداعية: التآخي بين الناس
الوضعية كما يقترحها البرنامج
المجال: التآخي بين الناس. النمط: الحجاجي. الموارد المستهدفة: معاني «إذْ» و«إذا» و«إذنْ» (وتُكتب أيضاً «إذاً»).
نصّ التعليمة المقترح: اكتب فقرة من عشرة أسطر تدافع فيها عن قيمة التآخي بين الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، مستأنساً بموقف شعراء المهجر، وموظّفاً «إذْ» و«إذا» و«إذنْ».
خطّة الكتابة
| المرحلة | ما تكتبه | | :------ | :------- | | الأطروحة | الناس إخوة، والتآخي شرط لبقاء الجماعة | | الحجّة الأولى | الأصل الإنساني الواحد | | الحجّة الثانية | تجربة المهجريين الذين عاشوا بين الأجناس | | الحجّة الثالثة | واقع العالم: الحروب تشتعل حين ينسى الإنسان أخاه | | النتيجة | دعوة عملية تبدأ بالفرد |
فقرة نموذجية
> خلق الله الناس من أصل واحد، فهم إخوة وإن اختلفت ألسنتهم وألوانهم. وقد أدرك شعراء المهجر هذه الحقيقة إذْ عاشوا غرباء بين أجناس شتّى، فوجدوا الألم واحداً والأمل واحداً. وإذا تأمّلت حال العالم اليوم وجدت الحروب تشتعل حين ينسى الإنسان أخاه، وتخبو حين يذكره؛ فالتآخي ليس ترفاً أخلاقياً بل ضرورة لبقاء الجماعة. وقد يقول قائل: سأبدأ بنفسي فأمدّ يدي إلى كلّ محتاج. فأقول له: إذنْ تُصلحَ عالمك الصغير، وحينئذٍ يتّسع الإصلاح إلى من حولك؛ لأنّ البذرة الصغيرة إذا اجتمعت إليها أخواتها صارت غابة.
بيان الموارد الموظّفة
| الأداة | نوعها ومعناها | إعرابها في الفقرة | | :----- | :------------ | :---------------- | | «إذْ عاشوا» | ظرف لما مضى من الزمان، وفيه معنى التعليل | ظرف مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول فيه، والجملة بعده في محلّ جرّ بالإضافة | | «إذا تأمّلت» | ظرف لما يُستقبل من الزمان متضمّن معنى الشرط | ظرف مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول فيه، والجملة بعده في محلّ جرّ بالإضافة | | «إذنْ تُصلحَ» | حرف جواب وجزاء ونصب | حرف مبنيّ على السكون لا محلّ له، و«تُصلحَ» مضارع منصوب بها | | «حينئذٍ» | ظرف مضاف إلى «إذْ»، والتنوين عوض عن جملة محذوفة | «حينَ» ظرف منصوب، و«إذٍ» ظرف مبنيّ في محلّ جرّ بالإضافة |
> شرط نصب «إذنْ»: أن تكون في صدر الجواب، وأن يكون المضارع بعدها مستقبلاً، وألّا يُفصل بينهما إلّا بالقسم أو «لا» النافية. (التفصيل في درس القواعد: معاني وإعراب إذا، إذْ، إذنْ، حينئذٍ.)
مؤشّرات الحجاج في الفقرة
الأطروحة الصريحة في المطلع، والتوكيد بـ«قد»، والتعليل بـ«إذْ» و«لأنّ»، والشرط بـ«إذا»، وتوقّع اعتراض المخاطَب ثمّ الردّ عليه.
9. خلاصة الوحدة وتطبيقات
خلاصة
| العنصر | الخلاصة | | :----- | :------ | | المدرسة | أدب المهجر — الرابطة القلمية | | القضية | التعريف بالذات من خلال القيم الإنسانية: الحرّية، الإنصاف، العفو، الوفاء | | النمط | وصفي يتداخل معه الحجاج | | اللغة | سهلة واضحة، معجمها أخلاقي إنساني | | الصور | تشبيه ضمني وتمثيلي واستعارة وكناية، وظيفتها الإقناع لا الزينة | | البناء | قصيدة عمودية على البحر الكامل، متماسكة الموضوع | | القيمة | إنسانية أخلاقية |
تطبيقات
1. في البناء الفكري
س: بمَ عرّف الشاعر نفسه؟ وبمَ خالف بذلك الشعراء القدماء؟
عرّف نفسه بقيمه الأخلاقية والإنسانية (الحرّية، رفض التعصّب، الإنصاف، الوفاء) لا بنسبه ولا بقبيلته؛ فخالف القدماء الذين كانوا يفخرون بالحسب والغلبة.
س: ما موقف الشاعر من المسيء؟ وبمَ علّله؟
يصفح عنه مع قدرته على الردّ، ويعلّل ذلك بأنّ الانتقام برقٌ خُلَّب لا نفع فيه، وبأنّ ندم المسيء في سرّه عقابٌ كافٍ.
س: استخرج من النص قيمة إنسانية وأخرى اجتماعية.
- **إنسانية**: محبّة المهذّب ولو كان خصماً، ورحمة غير المهذّب.
- **اجتماعية**: الوفاء للصاحب ونصرته في البلاء وستر عيبه.
2. في البناء اللغوي
س: ما النمط الغالب في النص؟ اذكر مؤشّرين.
وصفي يتداخل معه الحجاج. من مؤشّرات الوصف: الجمل الاسمية والنعوت «حُرٌّ»، «ساكنٌ في معقل»؛ ومن مؤشّرات الحجاج: التوكيد «إنّي لأغضبُ».
س: أعرب «إذا» في قوله «إنّي إذا نزلَ البلاءُ بصاحبي».
ظرف لما يُستقبل من الزمان متضمّن معنى الشرط، مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول فيه، متعلّق بجوابه «دافعتُ».
س: ما الغرض من التوكيد في «إنّي لأغضبُ للكريمِ»؟
توكيد الموقف وتقريره بمؤكّدين (إنّ واللام)، فهو خبر إنكاري يدفع شكّ مَن قد يظنّ الشاعر متسامحاً مع الظلم.
3. في البناء الفني
س: اشرح الصورة في «فكما ترى في الماءِ ظلَّ الكوكبِ» وبيّن سرّ بلاغتها.
تشبيه تمثيلي؛ شبّه حال الغبيّ الذي يرى الشاعر دونه بحال من يرى ظلّ الكوكب في الماء أسفل منه، والكوكب في الحقيقة عالٍ. وسرّ بلاغته أنّه أبطل نظرة الأغبياء بصورة مقنعة دون هجاء.
س: وضّح مظهراً من مظاهر الوحدة الموضوعية في القصيدة.
دوران الأبيات كلّها على فكرة واحدة هي تعريف الذات بقيمها الإنسانية، من الحرّية في المطلع إلى الاعتزاز بالضمير في الختام.
4. وضعية إدماجية
> يقول الشاعر: «وأُحبُّ كلَّ مهذَّبٍ ولوَ انّهُ ✦ خصمي وأرحمُ كلَّ غيرِ مهذَّبِ». > > اكتب فقرة من اثني عشر سطراً تبيّن فيها أثر التسامح في بناء المجتمع، موظّفاً نمطاً حِجاجيّاً وتشبيهاً بليغاً و«إذا» الشرطية، وواضعاً خطّاً تحت ما وظّفت.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.