الوحدة التاسعة: مظاهر ازدهار الحركة الفنية (المقالة نموذجاً)
النص الأدبي: منزلة المثقفين في الأمة للبشير الإبراهيمي — النص التواصلي: المقالة والصحافة ودورهما في نهضة الفكر والأدب.
يتكوّن الدرس من 8 أجزاء: 1. تقديم الوحدة: فنّ المقالة، 2. النص الأدبي: التعريف بالبشير الإبراهيمي ومناسبة النص، 3. النص الأدبي: النص وشرح المفردات، 4. النص الأدبي: اكتشاف المعطيات ومناقشتها، 5. النص الأدبي: البناء الفني والأساليب، 6. النص التواصلي: المقالة والصحافة ودورهما في نهضة الفكر والأدب، 7. مشروع الوحدة: تقصيبة عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، 8. خلاصة الوحدة وتطبيقات.
1. تقديم الوحدة: فنّ المقالة
المقالة
تعريفها: قطعةٌ نثرية معتدلة الطول، تعالج موضوعاً واحداً معالجةً سريعة، تكشف عن شخصية كاتبها وتُنشر عادةً في صحيفة أو مجلّة.
نشأتها
| المرحلة | ما جرى فيها | | :------ | :---------- | | قديماً | جذورها في الرسائل الأدبية عند الجاحظ وابن المقفّع | | القرن السادس عشر | نشأتها الحديثة في أوروبا مع مونتيني وبيكون | | القرن التاسع عشر | دخولها العربية مع الصحافة والمطبعة | | القرن العشرون | ازدهارها مع المنفلوطي والعقاد وطه حسين والإبراهيمي |
فـالمقالة بنت الصحافة؛ ولدت معها ونمت بنموّها، ولذلك ارتبط ازدهارها بازدهار الطباعة والنشر.
أركانها
- **المقدّمة**: تمهيد يشوّق ويعرض الموضوع.
- **العرض**: صلب المقالة، تُبسط فيه الأفكار مرتّبةً مدعّمة بالحجج.
- **الخاتمة**: خلاصة أو نتيجة أو دعوة.
أنواعها
| النوع | غايته | لغته | أمثلته | | :---- | :---- | :--- | :----- | | الأدبية (الذاتية) | التأثير والإمتاع | صور وعاطفة وذاتية | مقالات المنفلوطي | | الموضوعية (العلمية) | الإقناع والإفهام | تقريرية موضوعية | المقالة النقدية والسياسية |
خصائص المقالة الجيّدة
- **وحدة الموضوع**: فكرة واحدة تُعالَج من أوّلها إلى آخرها.
- **الترابط** بين الفقرات.
- **الإيجاز** دون إخلال.
- **وضوح الأسلوب** وسلامة اللغة.
- **بروز شخصية الكاتب**، فالمقالة أكثر الفنون كشفاً لصاحبه.
- **الإقناع بالحجّة** لا بالدعوى.
مظاهر ازدهار الكتابة الفنّية في العصر الحديث
- **الصحافة** التي وفّرت منبراً يومياً للكتّاب.
- **المطبعة** التي وسّعت دائرة القرّاء.
- **التعليم** الذي أوجد جمهوراً يقرأ.
- **الترجمة** التي نقلت أشكالاً أدبية جديدة.
- **القضايا الكبرى** التي فرضت نفسها: الاستعمار، الإصلاح، الهويّة.
2. النص الأدبي: التعريف بالبشير الإبراهيمي ومناسبة النص
صاحب النص
الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (1889 م - 1965 م).
- وُلد بقرية **أولاد إبراهيم** بولاية سطيف بالجزائر، في أسرة علم.
- حفظ القرآن ومتون اللغة صغيراً، ثم رحل إلى **المدينة المنوّرة** سنة 1911 م، وهناك التقى سنة 1913 م بالشيخ **عبد الحميد بن باديس** وتعاهدا على العمل لإصلاح الجزائر.
- عاد إلى الجزائر ودرّس بـ**تلمسان**، وكان من مؤسّسي **جمعية العلماء المسلمين الجزائريين** سنة 1931 م، ثم تولّى رئاستها بعد وفاة ابن باديس سنة 1940 م.
- نُفي وسُجن مرّات، وتنقّل في المشرق العربي مدافعاً عن قضية الجزائر.
- تُوفّي بالجزائر سنة 1965 م.
مكانته الأدبية
يُعدّ من أعظم كتّاب النثر العربي في القرن العشرين، ويُلقّب بـ«أديب العربية في الجزائر».
يمتاز أسلوبه بـ:
- **جزالة اللفظ** وفخامة العبارة.
- **قوّة البيان** وسعة المعجم.
- **الاستمداد من التراث** حتى قيل إنّ أسلوبه امتدادٌ لأسلوب الجاحظ.
- **إحكام الصنعة** من سجع وطباق ومقابلة، من غير تكلّف يُفسد المعنى.
آثاره
| الأثر | فنّه | | :---- | :--- | | عيون البصائر | مقالاته في جريدة البصائر | | آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي | مجموع كتاباته في خمسة أجزاء | | رسائل ومحاضرات | خطبه ومراسلاته |
مناسبة النص
النصّ مقالٌ من «عيون البصائر»، نُشر في جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء.
وقد كُتب في زمن كانت فيه الجزائر تحت الاستعمار، وكان المثقّفون ينقسمون بين من يخدم قضية شعبه ومن ينعزل أو يتزلّف للمستعمر. فجاء المقال يحدّد منزلة المثقّف الحقّ ودوره.
الفكرة العامة
بيان منزلة المثقّفين في الأمّة ووظيفتهم فيها؛ فهم عقلها المفكّر ولسانها الناطق، وعليهم واجب الهداية والإصلاح، ومن قصّر منهم فقد خان أمانة العلم.
3. النص الأدبي: النص وشرح المفردات
أفكار النص في صياغة تعليمية
تنبيه: ما يلي صياغة تعليمية تجمع أفكار مقال الإبراهيمي «منزلة المثقّفين في الأمّة» بأسلوب قريب من أسلوبه، وليست نصّه الحرفيّ؛ فلا تنسب عباراتها إليه في الامتحان، وارجع إلى نصّ المقال في الكتاب المدرسي.
> إنّ المثقّفين في الأمّة هم عقلُها المفكّر، ولسانُها الناطق، وعينُها الباصرة، ويدُها الباطشة؛ بهم تَنهضُ إذا قعدَت، وتَستيقظُ إذا نامت، وتُبصِرُ إذا عَميَت. > > فإن صلَحوا صلَحَت، وإن فسَدوا فسَدَت؛ لأنّهم القادةُ إلى الخير أو إلى الشرّ، وما ضلَّت أمّةٌ إلّا بعد أن ضلَّ مُرشدوها. > > والمثقّفُ الحقُّ مَن حمَلَ همَّ أمّتِه بين جَنبَيه، فلا ينامُ ملءَ جَفنَيه وفي قومِه جائعٌ، ولا يَطمئنُّ وفيهم ظالمٌ أو مظلوم. أمّا مَن جعَلَ علمَه سُلَّماً إلى منصبٍ، ومَفتاحاً إلى مالٍ، فذلك تاجرٌ لا عالِم، وإنّما اتّخذَ العلمَ حِرفةً كسائرِ الحِرَف. > > وإنّ أخوفَ ما نَخافُه على هذه الأمّة صِنفانِ: جاهلٌ يتكلّمُ فيُفسِد، وعالِمٌ يَسكُتُ فلا يُصلِح. فالأوّلُ يَهدِمُ وهو يَحسَبُ أنّه يَبني، والثاني يَرى الهدمَ فيَصمُت، وسكوتُه شَراكةٌ في الهدم. > > فيا مَعشرَ المثقّفين: إنّ العلمَ أمانةٌ في أعناقِكم، وإنّ الأمّةَ تنتظرُ منكم كلمةً تُقالُ، وموقفاً يُتَّخَذ؛ فلا تَجعلوا العلمَ زينةً تُلبَس، واجعلوهُ سلاحاً يُشهَر في وجهِ الجهلِ والظلم.
*(صياغة تعليمية لأفكار المقال، لا نصّ الإبراهيمي الحرفيّ)*
شرح المفردات
| الكلمة | معناها | | :----- | :----- | | الباطشة | القويّة الشديدة في الأخذ | | قعدَت | توقّفت وتخلّفت | | عَميَت | فقدت البصر والبصيرة | | مُرشدوها | من يهدونها ويدلّونها | | بين جَنبَيه | في صدره، أي في أعماق نفسه | | ملءَ جَفنَيه | نوماً عميقاً هانئاً | | سُلَّماً | وسيلة يُرتقى بها | | حِرفة | صنعة يُتكسّب بها | | مَعشر | جماعة، وتُستعمل في النداء | | تُشهَر | تُستلّ وتُرفع للقتال |
> لفتة أسلوبية: لاحظ توازي التراكيب: «عقلُها المفكّر، ولسانُها الناطق، وعينُها الباصرة، ويدُها الباطشة». أربع صور متتابعة على نسق واحد، تسمّى حسن التقسيم؛ وقد اختار الكاتب أعضاء الجسد ترتيباً من الفكر إلى الفعل، فبدأ بالعقل وختم باليد.
الفكرة العامة
بيان أنّ المثقّفين عقل الأمّة ولسانها، وأنّ صلاحها وفسادها تبعٌ لصلاحهم وفسادهم، مع التحذير من صنفين: جاهلٍ يتكلّم وعالمٍ يسكت، ودعوة المثقّفين إلى أداء أمانة العلم.
4. النص الأدبي: اكتشاف المعطيات ومناقشتها
الأفكار الأساسية
1. منزلة المثقّفين ووظيفتهم *(الفقرة الأولى)*
يبدأ الكاتب بتحديد المنزلة عبر أربع صور تجعل المثقّفين أعضاءً في جسد الأمّة: العقل، اللسان، العين، اليد. ثم يبيّن الأثر: بهم تنهض وتستيقظ وتبصر.
2. تلازم صلاح الأمّة بصلاحهم *(الفقرة الثانية)*
يقرّر قاعدة: «فإن صلَحوا صلَحَت، وإن فسَدوا فسَدَت»، ويعلّلها بأنّهم القادة. ثم يختم بحكمة: «وما ضلَّت أمّةٌ إلّا بعد أن ضلَّ مُرشدوها».
3. التمييز بين المثقّف الحقّ والمتاجر بالعلم *(الفقرة الثالثة)*
يضع معياراً واضحاً:
| المثقّف الحقّ | التاجر بالعلم | | :------------ | :------------- | | يحمل همّ أمّته | يحمل همّ نفسه | | لا ينام وفي قومه جائع | ينام ملء جفنيه | | العلم عنده أمانة | العلم عنده سلّم ومفتاح | | غايته الإصلاح | غايته المنصب والمال |
4. الصنفان المخوفان *(الفقرة الرابعة)*
يحدّد الخطرين:
- **جاهلٌ يتكلّم فيفسد**: يهدم وهو يحسب أنّه يبني.
- **عالِمٌ يسكت فلا يصلح**: يرى الهدم فيصمت، **وسكوته شراكة في الهدم**.
5. النداء والدعوة *(الفقرة الخامسة)*
يختم بنداء مباشر: العلم أمانة، والأمّة تنتظر كلمةً وموقفاً. ويقفل بمقابلة: لا تجعلوه زينةً تُلبس بل سلاحاً يُشهَر.
المناقشة
لماذا اختار الكاتب أعضاء الجسد للتعبير عن دور المثقّفين؟
لثلاثة أغراض:
- **التجسيد**: نقل المعنى المجرّد إلى صورة محسوسة.
- **الترابط**: أعضاء الجسد لا تنفصل، فالمثقّف جزءٌ من أمّته لا فوقها.
- **التدرّج**: من العقل (التفكير) إلى اللسان (القول) إلى العين (الرؤية) إلى اليد (الفعل) — وهي مراحل الإصلاح كاملة.
أيّ الصنفين أخطر: الجاهل المتكلّم أم العالم الساكت؟
ظاهر النص أنّ العالم الساكت أخطر؛ لأنّ الجاهل يهدم عن جهل، فهو معذور بعض العذر، أمّا العالم فيرى الهدم ويعرفه ويصمت — فسكوته اختيار لا عجز. ولذلك سمّاه الكاتب شراكةً في الهدم، وهي أشدّ عبارة في النص.
كيف فرّق الكاتب بين العالم والتاجر بالعلم؟
فرّق بينهما بـالغاية لا بالمعلومة؛ فكلاهما قد يعلم الشيء نفسه، لكن أحدهما يجعل علمه أمانة يؤدّيها والآخر يجعله سلّماً يرتقيه. فالمعيار عند الإبراهيمي أخلاقي لا معرفي.
ما دلالة قوله «العلم سلاحٌ يُشهَر لا زينةٌ تُلبَس»؟
مقابلة تختصر رسالة المقال:
| الزينة | السلاح | | :----- | :----- | | للمظهر | للفعل | | تُلبس عند الحاجة إلى الظهور | يُشهر عند الحاجة إلى الدفاع | | تنفع صاحبها | ينفع الجماعة |
فالعلم عنده مسؤولية عملية لا وجاهة اجتماعية.
هل ترى النصّ صالحاً لزماننا؟
نعم، بل هو أشدّ صلاحاً؛ فقد كثر في زماننا الجاهل المتكلّم بفضل منابر التواصل التي أتاحت القول لكل أحد، وكثر العالم الساكت خوفاً أو انشغالاً. فالتحذير الذي أطلقه الإبراهيمي قبل عقود صار اليوم أكثر إلحاحاً.
القيمة المستخلصة
قيمة فكرية إصلاحية: العلم أمانةٌ لا امتياز؛ ومن كتم ما يعلم حين تحتاج الأمّة إلى قوله، فقد شارك في الفساد وإن لم يفعله.
5. النص الأدبي: البناء الفني والأساليب
نوع المقالة ونمطها
النوع: مقالة أدبية إصلاحية؛ فموضوعها فكري وأسلوبها أدبي مشحون بالصور والمحسّنات.
النمط: حِجاجي بامتياز، يتداخل معه التفسير.
مؤشّرات الحجاج: أطروحة (المثقّفون عقل الأمّة)، فحجج (التلازم بين صلاحهم وصلاحها، التمييز بين الصنفين)، فنتيجة (نداء ودعوة).
بناء المقالة
| الركن | موقعه في النص | | :---- | :------------- | | المقدّمة | تحديد منزلة المثقّفين بالصور الأربع | | العرض | قاعدة التلازم، ثم التمييز بين العالم والتاجر، ثم الصنفان المخوفان | | الخاتمة | النداء والدعوة إلى العمل |
وهو بناء محكم متدرّج: من التعريف إلى التقويم إلى التحذير إلى الدعوة.
الأساليب
| الأسلوب | المثال | غرضه البلاغي | | :------ | :----- | :----------- | | التوكيد بـ«إنّ» | «إنّ المثقّفين في الأمّة هم عقلُها» | تقرير الحكم ونفي الشكّ | | القصر | «هم عقلُها المفكّر» | تخصيصهم بهذه المنزلة | | الشرط | «فإن صلَحوا صلَحَت» | ربط النتيجة بسببها | | القصر بالاستثناء | «وما ضلَّت أمّةٌ إلّا بعد أن ضلَّ مُرشدوها» | حصر سبب الضلال في ضلال المرشدين | | النداء | «فيا مَعشرَ المثقّفين» | التنبيه والاستنهاض | | الأمر والنهي | «لا تَجعلوا … واجعلوهُ» | الحثّ والزجر |
الصور البيانية
1. «هم عقلُها المفكّر، ولسانُها الناطق، وعينُها الباصرة، ويدُها الباطشة»
أربعة تشبيهات بليغة متتابعة؛ ذُكر فيها المشبّه (الضمير «هم» العائد على المثقّفين) والمشبّه به (العقل واللسان والعين واليد)، وحُذفت الأداة ووجه الشبه، وتوحي الصورة كلّها بتشبيه الأمّة بالجسد.
*سرّها:* جسّدت الدور المجرّد في أعضاء محسوسة، وتدرّجت من الفكر إلى الفعل، فرسمت خارطة كاملة لوظيفة المثقّف.
2. «تَنهضُ إذا قعدَت، وتَستيقظُ إذا نامت، وتُبصِرُ إذا عَميَت»
استعارات مكنية: شبّه الأمّة بإنسان يقعد وينام ويعمى.
*سرّها:* التشخيص جعل الأمّة كائناً حيّاً يُصاب ويُشفى، فصار التقصير في حقّها جنايةً على حيّ لا إهمالاً لفكرة.
3. «جعَلَ علمَه سُلَّماً إلى منصبٍ، ومَفتاحاً إلى مالٍ»
تشبيهان بليغان: شبّه العلم بالسلّم وبالمفتاح، فذكر الطرفين وحذف الأداة ووجه الشبه.
*سرّها:* كلتاهما أداة وسيطة لا قيمة لها في ذاتها؛ فأفادت أنّ صاحبها أسقط العلم من غايةٍ إلى وسيلة.
4. «فذلك تاجرٌ لا عالِم»
تشبيه بليغ مع طباق معنوي بين التاجر والعالم.
5. «وسكوتُه شَراكةٌ في الهدم»
تشبيه بليغ: جعل السكوت شَراكةً في الهدم، فذكر الطرفين وحذف الأداة ووجه الشبه.
*سرّها:* نقلت السكوت من العدم إلى الفعل؛ فالساكت في نظر الكاتب فاعلٌ لا ممتنع، وهذا أبلغ ما في النص.
6. «فلا تَجعلوا العلمَ زينةً تُلبَس، واجعلوهُ سلاحاً يُشهَر»
تشبيهان بليغان متقابلان: العلم زينة، والعلم سلاح، وفيهما مقابلة.
*سرّها:* المقابلة بين الزينة والسلاح تختصر رسالة المقال في صورتين متضادّتين يسهل حفظهما.
المحسّنات البديعية
- **السجع**: «الباصرة / الباطشة»، و«صلَحوا صلَحَت / فسَدوا فسَدَت» — سجعٌ **موافق للمعنى** غير متكلّف.
- **الطباق**: «صلَحوا / فسَدوا»، «الخير / الشرّ»، «يَهدِمُ / يَبني»، «يتكلّم / يَسكُت»، «ظالمٌ / مظلوم».
- **المقابلة**: بين «جاهلٌ يتكلّمُ فيُفسِد» و«عالِمٌ يَسكُتُ فلا يُصلِح».
- **حسن التقسيم**: في الصور الأربع، وفي «تنهض … تستيقظ … تبصر».
- **الجناس**: بين «صلَحوا» و«صلَحَت»، وبين «فسَدوا» و«فسَدَت» — جناس اشتقاق.
الخصائص الأسلوبية
- **الجزالة والفخامة**، وقوّة الجَرْس في اللفظ.
- **التوازي والتقسيم** بناءً للجملة، ممّا يمنح النص **إيقاعاً خطابيّاً**.
- **كثافة الصور** مع بقائها في خدمة الفكرة.
- **أثر التراث** واضح، حتى ليقارَب أسلوبه بأسلوب الجاحظ.
- **الانتقال من التقرير إلى النداء**، فتنتهي المقالة بالفعل لا بالفكرة.
- **الحكمة المكثّفة**: جمل تصلح أن تُقتطع أمثالاً، مثل «وسكوتُه شَراكةٌ في الهدم».
6. النص التواصلي: المقالة والصحافة ودورهما في نهضة الفكر والأدب
مضمون النص
يعالج النص التواصلي، وهو للدكتور شوقي ضيف، دور الصحافة والمقالة في النهضة العربية الحديثة.
الفكرة الأولى: نشأة الصحافة العربية
| المحطّة | الحدث | | :------ | :---- | | 1828 م | صدور الوقائع المصرية، أوّل صحيفة عربية رسمية | | النصف الثاني من القرن 19 | صحف أهلية: الأهرام، المقتطف، الهلال | | مطلع القرن 20 | الصحافة الحزبية والفكرية | | في الجزائر | الشهاب والبصائر لسان جمعية العلماء |
الفكرة الثانية: أثر الصحافة في النهضة
- **نشر الوعي** السياسي والاجتماعي بين الجماهير.
- **تكوين رأي عام** يضغط ويطالب.
- **تبسيط اللغة** وتقريبها من الناس بعد أن كانت حكراً على الخاصّة.
- **إيجاد جمهور للقراءة** لم يكن موجوداً.
- **فتح منبر للأدباء** يصلهم بقرّائهم يوميّاً.
- **مقاومة الاستعمار** فكريّاً، وقد كانت البصائر ميدان معركة.
الفكرة الثالثة: أثر الصحافة في الأدب
| الأثر | بيانه | | :---- | :---- | | ميلاد فنون جديدة | المقالة والعمود والتحقيق | | تطوير فنون قائمة | القصة القصيرة نُشرت أوّلاً في الصحف | | تغيّر الأسلوب | من السجع المتكلّف إلى الوضوح والإيجاز | | ارتباط الأدب بالواقع | صار الأديب يكتب في قضايا يومية | | ظهور النقد الصحفي | المعارك الأدبية على صفحات الجرائد |
الفكرة الرابعة: المقالة ابنة الصحافة
المقالة أكثر الفنون ارتباطاً بالصحافة؛ لأنّ الصحيفة تحتاج إلى نصّ قصير في موضوع واحد يُقرأ في جلسة، وهذا هو تعريف المقالة.
ولذلك:
- **تحدّد طولها** بمساحة العمود.
- **تحدّد لغتها** بمستوى القارئ العامّ.
- **تحدّدت موضوعاتها** بما يشغل الناس.
الفكرة الخامسة: سلبيّات
لم يكن الأثر كلّه إيجابيّاً:
- **الاستعجال** في الكتابة على حساب الإتقان.
- **الميل إلى الإثارة** طلباً للانتشار.
- **تسطيح بعض القضايا** لتناسب القارئ العجول.
- **خضوع بعض الصحف** لجهات تموّلها فتوجّهها.
المناقشة
كيف غيّرت الصحافة أسلوب الكتابة العربية؟
نقلته من الصنعة إلى الوظيفة؛ فالكاتب الذي يخاطب قارئاً عجولاً لا يملك ترف السجع الطويل والمحسّنات المتكلّفة. ومن هنا شاعت لغة الصحافة: واضحة، مباشرة، قصيرة الجملة.
وقد سُمّي هذا الأسلوب «الأسلوب السهل الممتنع»: سهل في ظاهره، صعب في إحكامه.
كيف جمع الإبراهيمي بين الجزالة والصحافة؟
هذه مفارقة أسلوبه؛ فهو يكتب في صحيفة بلغة تراثية جزلة، ومع ذلك يصل إلى قارئه. وسرّ ذلك أنّ:
- جزالته **في اللفظ لا في التركيب**؛ فجمله قصيرة واضحة.
- سجعه **موافق للمعنى**، فلا يُثقل.
- **الصور** عنده تُقرّب المعنى ولا تُعمّيه.
فهو دليلٌ على أنّ الوضوح لا يقتضي الابتذال.
ما وجه الصلة بين النصّين؟
النص الأدبي نموذج لمقالة صحفية بلغت الذروة، والنص التواصلي يدرس الظاهرة التي أنتجت ذلك النموذج. فالأول ثمرة، والثاني شجرة.
القيمة المستخلصة
قيمة فكرية حضارية: الصحافة صنعت للأدب العربي جمهوراً ولغةً وفنوناً؛ فما من نهضة فكرية إلا وسبقها منبرٌ يوصل الفكرة إلى الناس.
7. مشروع الوحدة: تقصيبة عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
المطلوب في المشروع
يكلّفك البرنامج في هذه الوحدة بـإنتاج تقصيبة (مطويّة) عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تبيّن أهمّ نشاطاتها. والصلة بالوحدة واضحة: فالبشير الإبراهيمي صاحب النص الأدبي من مؤسّسي الجمعية ورئيسها الثاني، وجريدة البصائر التي نشر فيها مقالاته كانت لسان حالها.
التقصيبة: ورقة تُطوى في الغالب ثلاث طيّات، تعرض موضوعاً واحداً عرضاً مركّزاً: عناوين قصيرة، ومعلومات موثّقة، وصور أو رسوم، دون إطالة.
مادّة المشروع: الجمعية في سطور
| العنصر | المعلومة | | :----- | :------- | | التأسيس | 5 ماي 1931 م، بنادي الترقّي في الجزائر العاصمة | | رئيسها الأوّل | الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889 م - 1940 م) | | رئيسها الثاني | الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، بعد وفاة ابن باديس سنة 1940 م | | شعارها | «الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا» | | من أعلامها | الطيّب العقبي، مبارك الميلي، العربي التبسي، الفضيل الورتلاني |
أهمّ نشاطاتها
- **التعليم**: أنشأت المدارس الحرّة لتعليم العربية والدين، ومن أشهر مؤسّساتها **دار الحديث** بتلمسان (1937 م) و**معهد عبد الحميد بن باديس** بقسنطينة (1947 م).
- **الصحافة**: أصدرت «السنّة» و«الشريعة» و«الصراط» سنة 1933 م، فكانت السلطات الاستعمارية توقفها واحدة بعد أخرى، ثمّ أصدرت «البصائر» سنة 1935 م.
- **الوعظ والإرشاد** في المساجد والنوادي، وتصحيح العقيدة ومحاربة البدع والخرافات.
- **الدفاع عن الشخصية الوطنية**: مقاومة سياسة الإدماج والتجنيس، وتثبيت أنّ للجزائر دينها ولغتها وتاريخها.
- **البعثات العلمية**: إرسال الطلبة إلى جامع الزيتونة بتونس وجامع القرويين بفاس وإلى المشرق.
كيف تُنجز التقصيبة؟
| الوجه | ما يوضع فيه | | :---- | :---------- | | الغلاف | العنوان، والشعار، وصورة معبّرة، واسم المنجِز وقسمه | | الداخل | التأسيس والأعلام، ثمّ النشاطات في عناوين قصيرة مرقّمة | | الظهر | أثر الجمعية في التمهيد للثورة، وقائمة المراجع |
قواعد الإنجاز:
- **الإيجاز**: جملة قصيرة لكلّ معلومة، فالتقصيبة ليست مقالاً.
- **التوثيق**: كلّ تاريخ أو اسم يُنقل من مرجع يُذكر في الظهر، ولا يُنسب إلى عَلَم قولٌ لم تتحقّق منه.
- **التنظيم البصري**: عناوين بارزة، وألوان قليلة متناسقة، وصور واضحة.
- **الربط بالوحدة**: فقرة قصيرة عن البصائر وعن الإبراهيمي كاتبَ مقالة.
> تقويم المشروع: يُقدَّر بصحّة المعلومات، وحسن تنظيمها، وسلامة اللغة، وجمال الإخراج، وقدرة صاحبه على عرضه شفويّاً أمام زملائه.
8. خلاصة الوحدة وتطبيقات
خلاصة
| العنصر | الخلاصة | | :----- | :------ | | الفنّ | المقالة الأدبية الإصلاحية | | القضية | منزلة المثقّف ومسؤوليته تجاه أمّته | | النمط | حِجاجي يتداخل معه التفسير | | البناء | مقدّمة فعرض فخاتمة، متدرّج محكم | | اللغة | جزلة فخمة، سجع موافق للمعنى | | الصور | تشبيهات بليغة جسدية متتابعة، واستعارات مكنية، ومقابلات | | القيمة | فكرية إصلاحية |
تطبيقات
1. في البناء الفكري
س: ما منزلة المثقّفين في الأمّة كما حدّدها الكاتب؟
هم عقلها المفكّر ولسانها الناطق وعينها الباصرة ويدها الباطشة؛ أي إنّهم يؤدّون فيها وظائف التفكير والتعبير والرؤية والفعل، فبهم تنهض وتستيقظ وتبصر.
س: ما المعيار الذي فرّق به الكاتب بين العالم والتاجر بالعلم؟
معيار الغاية: فالعالم يجعل علمه أمانة يؤدّيها لأمّته، والتاجر يجعله سلّماً إلى منصب ومفتاحاً إلى مال. فالفرق أخلاقي لا معرفي.
س: لماذا عدّ الكاتب سكوت العالم شراكة في الهدم؟
لأنّ العالم يرى الهدم ويعرف خطره ويملك أن يمنعه؛ فسكوته اختيار لا عجز، ومن ملك المنع وسكت فقد أعان بسكوته.
2. في البناء اللغوي
س: ما نمط النص؟ اذكر مؤشّرين.
حِجاجي. مؤشّراه: بناء الأطروحة والحجج والنتيجة، وأسلوب الشرط في «فإن صلَحوا صلَحَت».
س: ما الغرض البلاغي من النداء في «فيا مَعشرَ المثقّفين»؟
التنبيه والاستنهاض؛ فالنداء ينقل المقالة من التقرير إلى المخاطبة المباشرة، ويضع المخاطَبين أمام مسؤوليّتهم.
س: استخرج قصراً من النص وبيّن أداته وأثره.
«وما ضلَّت أمّةٌ إلّا بعد أن ضلَّ مُرشدوها» — أداته النفي والاستثناء، وأثره حصر سبب ضلال الأمم في ضلال قادتها، فيتضاعف بذلك حجم المسؤولية على المثقّف.
3. في البناء الفني
س: اشرح الصور في «عقلُها المفكّر، ولسانُها الناطق، وعينُها الباصرة، ويدُها الباطشة».
أربعة تشبيهات بليغة؛ ذُكر فيها المشبّه والمشبّه به وحُذفت الأداة ووجه الشبه، وتوحي جميعاً بتشبيه الأمّة بالجسد. وسرّ بلاغتها أنّها جسّدت دور المثقّف في أعضاء محسوسة، وتدرّجت من الفكر إلى القول إلى الرؤية إلى الفعل، فرسمت وظيفته كاملة في سطر واحد.
س: ما أثر السجع في «فإن صلَحوا صلَحَت، وإن فسَدوا فسَدَت»؟
سجعٌ موافق للمعنى غير متكلّف؛ أفاد إيقاعاً يثبّت القاعدة في الذهن، وأبرز التلازم بين الطرفين بتماثل البنية اللفظية.
س: وضّح المقابلة في خاتمة النص وأثرها.
قابل بين «زينةٍ تُلبَس» و«سلاحٍ يُشهَر»؛ فأبرز الفرق بين علمٍ للمظهر وعلمٍ للفعل، ولخّص رسالة المقال كلّها في صورتين متضادّتين يسهل حفظهما.
4. وضعية إدماجية
> ورد في الصياغة التعليمية لأفكار مقال الإبراهيمي: «عالِمٌ يَسكُتُ فلا يُصلِح … وسكوتُه شَراكةٌ في الهدم». > > اكتب مقالة من خمسة عشر سطراً تبيّن فيها مسؤولية المتعلّم في مجتمعه، ملتزماً أركان المقالة الثلاثة، وموظّفاً نمطاً حِجاجيّاً وطباقاً واستعارة تصريحية، وواضعاً خطّاً تحت ما وظّفت.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.