الوحدة الثالثة ـ الوضعية 2: سقوط الاتحاد السوفيتي وأثره على العالم الثالث

عوامل السقوط ومظاهره، وأثره في النظام الدولي وفي دول الجنوب، وسبل المواجهة. (خاص بشعبتي آداب وفلسفة وتسيير واقتصاد)

يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. عوامل السقوط ومظاهره، 2. أثر السقوط في النظام الدولي، 3. أثر السقوط في دول العالم الثالث، 4. مواقف دول الجنوب وسبل المواجهة، 5. مفاهيم وتقويم.

1. عوامل السقوط ومظاهره

الإشكالية

كان الاتحاد السوفييتي السند الرئيس لدول العالم الثالث في مواجهة الهيمنة الغربية. فما أثر سقوطه على هذه الدول؟

أوّلاً: عوامل السقوط

أ ـ عوامل داخلية

| العامل | بيانه | | :----- | :----- | | العامل الطبيعي | اتّساع المساحة (نحو 22 مليون كلم مربّع) وقساوة المناخ، ممّا أعاق التنمية في مختلف الأرجاء | | تعدّد القوميات | نحو مائة قومية متباينة ديناً وعرقاً ولغةً وتاريخاً، وقد أدّت محاولات دمجها إلى نزاعاتٍ داخلية | | طبيعة النظام الاقتصادي | مركزية التخطيط التي قتلت المبادرة الفردية وأضعفت الإنتاجية | | طبيعة النظام السياسي | الحزب الواحد ورفض التعدّدية، وبالتالي انتهاك الحقوق الأساسية | | إرهاق الخزينة | نفقات التسلّح وغزو الفضاء وتمويل دول الكوميكون | | فشل الإصلاحات | البيريسترويكا والغلاسنوست في عهد غورباتشوف |

ب ـ عوامل خارجية

  • **دور المعسكر الغربي** في إضعافه بالتجسّس والدعاية المغرضة وسياسة التطويق وملء الفراغ.
  • **دعم الغرب للحركات الانفصالية** في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية وتشجيع المعارضة.
  • **فشل الاتحاد السوفييتي في الحرب الأفغانية (1979 ـ 1989)** رغم الإمكانيات الضخمة المسخَّرة لها.

ثانياً: مظاهر السقوط

| المظهر | التاريخ | | :----- | :------- | | تحطيم جدار برلين | 09 نوفمبر 1989 | | قمّة مالطا وإعلان نهاية الحرب الباردة | ديسمبر 1989 | | سقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية | 1989 ـ 1990 | | توحيد الألمانيتين | 03 أكتوبر 1990 | | حلّ منظّمة الكوميكون | 28 جوان 1991 | | حلّ حلف وارسو | 01 جويلية 1991 | | استقلال الجمهوريات السوفييتية في قمّة ألما آتا | 21 ديسمبر 1991 | | حلّ الاتحاد السوفييتي وظهور روسيا | 25 ديسمبر 1991 |

> الأسباب الحقيقية: لم يسقط الاتحاد السوفييتي بحربٍ خسرها أمام الغرب، بل بتآكلٍ من الداخل: اقتصادٌ لا ينتج ما يكفي، ونظامٌ لا يسمح بنقده، وخزينةٌ تنفق على التسلّح ما لا تنفقه على شعبها. والضغط الخارجي عجّل بالسقوط ولم يصنعه.

2. أثر السقوط في النظام الدولي

من الثنائية إلى الأحادية

ترتّب على سقوط الاتحاد السوفييتي انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، وقيام ما سُمّي النظام الدولي الجديد الذي أُعلن عنه بعد قمّة مالطا 1989.

| قبل السقوط | بعد السقوط | | :----------- | :----------- | | قطبان متنافسان | قطبٌ واحد مهيمن | | صراعٌ شرق ـ غرب | صراعٌ شمال ـ جنوب | | هامش مناورةٍ لدول الجنوب | انكشافٌ أمام قطبٍ واحد | | توازنٌ في مجلس الأمن بالفيتو المتبادل | تراجع دور الأمم المتحدة لفائدة القطب الواحد |

ملامح النظام الجديد

  • **الأحادية القطبية** وفرض الهيمنة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً.
  • **التقارب الأمريكي الروسي** في كثيرٍ من القضايا.
  • **تراجع دور هيئة الأمم المتحدة** لفائدة الولايات المتحدة وحلفائها.
  • **تسوية النزاعات وفق مصالح الدول الكبرى**.
  • **توسّع حلف الناتو** شرقاً ليضمّ دول المعسكر الشرقي سابقاً.

> معنى فقدان التوازن: حين يوجد قطبان، يجد الطرف الثالث مساحةً للمناورة؛ فيهدّد بالانتقال إلى الطرف الآخر فينتزع تنازلاً. وحين يبقى قطبٌ واحد تنعدم هذه المساحة؛ فلا بديل يُلوَّح به، ولا حماية تُطلب من أحد. وهذا هو جوهر ما خسره العالم الثالث سنة 1991.

3. أثر السقوط في دول العالم الثالث

أوّلاً: الآثار السياسية

  • **فقدان السند والحليف**؛ إذ كان الاتحاد السوفييتي يدعم حركات التحرّر والأنظمة الرافضة للهيمنة الغربية.
  • **الضغط من أجل التحوّل إلى التعدّدية الحزبية** ونماذج الحكم الغربية، بشروطٍ تُربط بالمساعدات.
  • **استغلال ملفّات حقوق الإنسان والديمقراطية** مبرّراً للتدخّل في الشؤون الداخلية.
  • **تراجع وزن حركة عدم الانحياز**؛ إذ فقد مفهوم «عدم الانحياز» جزءاً من معناه بزوال أحد الطرفين.
  • **تفكّك دولٍ ونشوب نزاعاتٍ عرقية وطائفية** كانت مكبوتة في ظلّ الثنائية.

ثانياً: الآثار الاقتصادية

  • **فرض نموذج اقتصاد السوق** والتخلّي عن النموذج الاشتراكي في التنمية.
  • **برامج التصحيح الهيكلي** التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي: خوصصةٌ ورفعٌ للدعم وتسريحٌ للعمّال.
  • **تفاقم المديونية** وخدمة الدَّين على حساب الإنفاق الاجتماعي.
  • **تراجع أسعار المواد الأوّلية** وضعف موقع الجنوب التفاوضي.
  • **موت مشروع النظام الاقتصادي الدولي الجديد** الذي نادت به حركة عدم الانحياز.

> من الشرط السياسي إلى الشرط الاقتصادي: كانت المساعدات في زمن الثنائية تُمنح لكسب الولاء، فيستفيد المتلقّي من تنافس الطرفين. وصارت بعد 1991 تُمنح بشروطٍ في الاقتصاد والتشريع؛ فتحوّلت من أداة استمالة إلى أداة إملاء. وهذا التحوّل هو أخطر ما أصاب دول الجنوب.

ثالثاً: الآثار على القضايا العادلة

  • **ضعف الدعم الدولي للقضية الفلسطينية**، وتسارع مشاريع التسوية بشروطٍ مجحفة.
  • **التخلّي عن قضايا التحرّر** التي كانت تجد سنداً في المعسكر الشرقي.
  • **الازدواجية في تطبيق الشرعية الدولية**: صرامةٌ في ملفّاتٍ وتساهلٌ في أخرى.

> دليلٌ من التاريخ القريب: لاحظ أنّ مؤتمر مدريد للسلام 1991 ثمّ اتّفاق أوسلو 1993 جاءا مباشرةً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. فالتزامن ليس صدفة؛ إذ إنّ اختلال الميزان الدولي انعكس فوراً على شروط التفاوض في المنطقة.

4. مواقف دول الجنوب وسبل المواجهة

أوّلاً: المواقف

| الموقف | بيانه | | :----- | :----- | | الاندماج والقبول | دولٌ سارعت إلى تبنّي وصفات المؤسّسات المالية الدولية طلباً للقروض | | المقاومة والممانعة | دولٌ حاولت الحفاظ على استقلال قرارها فتعرّضت للحصار والعقوبات | | التكيّف الانتقائي | دولٌ فتحت اقتصادها تدريجياً محاولةً الحفاظ على مكاسبها الاجتماعية |

ثانياً: سبل المواجهة

1 ـ على المستوى الاقتصادي

  • **تنويع الاقتصاد** والخروج من التبعية لمنتَجٍ واحد.
  • **تحويل المواد الأوّلية محلّياً** لرفع القيمة المضافة.
  • **تحقيق الأمن الغذائي** لتفادي سلاح الغذاء.
  • **الاستثمار في البحث العلمي** والتكنولوجيا.

2 ـ على المستوى الإقليمي

  • **تفعيل التكتّلات الإقليمية**: اتّحاد المغرب العربي، والاتّحاد الإفريقي، والسوق المشتركة لأمريكا الجنوبية.
  • **تنمية التعاون جنوب ـ جنوب** من خلال مجموعة 77.
  • **تنسيق المواقف** في المحافل الدولية.

3 ـ على المستوى السياسي

  • **إصلاحاتٌ داخلية نابعة من إرادةٍ وطنية** لا مفروضة من الخارج.
  • **تعزيز الشرعية الشعبية** لتقوية موقع الدولة أمام الضغوط.
  • **التمسّك بالشرعية الدولية** ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

> الدرس الجوهري: أثبت سقوط الاتحاد السوفييتي أنّ الاعتماد على حمايةٍ خارجية وهمٌ مؤقّت؛ فالحامي قد يسقط، وقد يبيع من يحميه في صفقة. والمناعة الحقيقية للدولة داخلية: اقتصادٌ متنوّع، ومجتمعٌ متماسك، وشرعيةٌ لا تُستمدّ من الخارج. فمن لا يقوى بنفسه لا تحميه الأحلاف.

> موقف الجزائر: واصلت الجزائر التمسّك بمبادئ سياستها الخارجية: احترام سيادة الدول، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، وحلّ النزاعات بالطرق السلمية، ودعم القضايا العادلة وعلى رأسها القضيّتان الفلسطينية والصحراوية. مع مواجهتها في الوقت نفسه لأزمةٍ داخلية حادّة في تسعينات القرن الماضي.

5. مفاهيم وتقويم

المفاهيم والمصطلحات

| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | الأحادية القطبية | انفراد قوّةٍ واحدة بقيادة العالم بعد 1991 | | البيريسترويكا | سياسة إعادة البناء الاقتصادي في عهد غورباتشوف | | الغلاسنوست | سياسة الشفافية والانفتاح الإعلامي | | قمّة ألما آتا | قمّةٌ بكازاخستان أعلنت فيها الجمهوريات السوفييتية استقلالها 1991 | | برامج التصحيح الهيكلي | إصلاحاتٌ يفرضها صندوق النقد الدولي مقابل القروض | | الخوصصة | نقل ملكية المؤسّسات العمومية إلى القطاع الخاصّ | | المديونية | مجموع ما على البلد من ديونٍ خارجية | | خدمة الدَّين | ما يُسدَّد سنوياً من أصل الدَّين وفوائده | | سلاح الغذاء | استعمال الغذاء وسيلة ضغطٍ سياسي على الدول المستوردة | | التعاون جنوب ـ جنوب | تعاونٌ بين دول الجنوب لتقليل تبعيتها للشمال |

تقويم

س1: اذكر ثلاثة عوامل داخلية وعاملين خارجيّين لسقوط الاتحاد السوفييتي.

الداخلية: طبيعة النظام الاقتصادي القائم على مركزية التخطيط التي قتلت المبادرة؛ وتعدّد القوميات ونزاعاتها؛ وإرهاق الخزينة في التسلّح وغزو الفضاء وتمويل دول الكوميكون؛ وفشل إصلاحات غورباتشوف.

والخارجية: دور المعسكر الغربي في الإضعاف بالتجسّس والدعاية وسياسة التطويق ودعم الانفصاليّين؛ وفشل الحرب الأفغانية 1979 ـ 1989.

والخلاصة أنّ السقوط كان تآكلاً من الداخل عجّل به ضغطٌ من الخارج، لا هزيمةً في حربٍ مباشرة.

س2: كيف انعكس السقوط على دول العالم الثالث اقتصادياً؟

  • **فرض نموذج اقتصاد السوق** والتخلّي عن النموذج الاشتراكي في التنمية.
  • **برامج التصحيح الهيكلي**: خوصصةٌ ورفعٌ للدعم وتسريحٌ للعمّال، مقابل قروض صندوق النقد الدولي.
  • **تفاقم المديونية** وخدمة الدَّين على حساب الإنفاق الاجتماعي.
  • **موت مشروع النظام الاقتصادي الدولي الجديد** الذي نادت به حركة عدم الانحياز منذ مؤتمر الجزائر 1973.

والتحوّل الجوهري أنّ المساعدة تحوّلت من أداة استمالةٍ إلى أداة إملاء؛ فقد كانت تُمنح لكسب الولاء في زمن التنافس، وصارت تُمنح بشروطٍ في زمن القطب الواحد.

س3: ما السبيل الحقيقي لدول الجنوب في مواجهة النظام الأحادي؟

السبيل ثلاثي:

  • **اقتصادياً**: تنويع الاقتصاد، وتحويل المواد الأوّلية محلّياً لرفع القيمة المضافة، وتحقيق الأمن الغذائي، والاستثمار في البحث العلمي.
  • **إقليمياً**: تفعيل التكتّلات، وتنمية التعاون جنوب ـ جنوب، وتنسيق المواقف في المحافل الدولية.
  • **سياسياً**: إصلاحاتٌ نابعة من إرادةٍ وطنية، وتعزيز الشرعية الشعبية، والتمسّك بالشرعية الدولية.

والدرس الجامع أنّ سقوط الحليف الكبير أثبت أنّ الاعتماد على حمايةٍ خارجية وهمٌ مؤقّت؛ فالمناعة الحقيقية داخلية.

الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.

تمرّن على هذا الدرس

تمارين درس الوحدة الثالثة ـ الوضعية 2: سقوط الاتحاد السوفيتي وأثره على العالم الثالث (20 تمريناً) — تمارين مصحّحة، أوّلها مفتوح للجميع.

مواضيع بكالوريا التاريخ والجغرافيا

كل مواضيع بكالوريا التاريخ والجغرافيا

دروس أخرى في التاريخ والجغرافيا