الوحدة الثانية ـ الوضعية 1: من تبلور الوعي الوطني إلى الثورة التحريرية
مجازر 8 ماي 1945 وانعكاساتها، والقانون الخاص 1947، وأزمة حركة الانتصار، وظروف قيام الثورة ومواثيقها. (خاص بشعبتي آداب وفلسفة وتسيير واقتصاد)
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. مجازر 08 ماي 1945 وانعكاساتها، 2. القانون الخاص 1947: أسبابه وغاياته والمواقف منه، 3. أزمة حركة الانتصار للحرّيات الديمقراطية، 4. ظروف قيام الثورة ومواثيقها، 5. مفاهيم وتقويم.
1. مجازر 08 ماي 1945 وانعكاساتها
أ ـ أسبابها
- **احتفال الجزائريّين بنهاية الحرب العالمية الثانية** ومطالبة فرنسا بالوفاء بوعودها، وعلى رأسها **حقّ تقرير المصير**.
- **تصاعد الوعي الوطني** وهو ما تجسّد في **بيان 10 فيفري 1943**.
- **المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين** وعلى رأسهم **مصالي الحاج**.
- **محاولة فرنسا التأكيد على تمسّكها بالجزائر** والظهور بمظهر القوّة العسكرية وإرهاب الشعوب الأخرى.
ب ـ أهداف فرنسا من ارتكابها للمجازر
- **التنكّر لوعودها** ومحاولة تفكيك صفوف الحركة الوطنية.
- **إعادة الاعتبار لجيشها وقوّتها** التي فقدتها أثناء الحرب العالمية الثانية حين تعرّضت للاحتلال الألماني.
- **ترهيب شعوب المستعمرات** كي لا يطالبوا بحقّ تقرير المصير.
> مفارقة الاحتفال: خرج الجزائريّون يحتفلون بانتصار الحلفاء على النازية باسم الحرّية، فقُوبلوا بالرصاص. والدلالة أنّ فرنسا التي حُرّرت باسم حقّ الشعوب في الحرّية رفضت أن تمنح ذلك الحقّ لمن ساهم في تحريرها. وهذا التناقض هو الذي فتح عيون الجزائريّين على حقيقة المستعمر.
ج ـ نتائج المجازر وانعكاساتها على الحركة الوطنية
- **استشهاد أكثر من 45 ألف شهيد**.
- **تزايد كره الجزائريّين للمستعمر والمعمّرين**.
- **حلّ الأحزاب واعتقال القادة**.
- **اهتزاز مكانة فرنسا الدولية**.
- **إعادة بناء الحركة الوطنية** بعد صدور **قانون العفو العام في 09 مارس 1946**، وفقاً لإجراءات التهدئة الفرنسية بعد تلطّخ سمعتها داخلياً ودولياً.
إعادة بناء الأحزاب
| الحزب قبل الحلّ | اسمه الجديد | تاريخه | زعيمه | مطلبه | | :---------------- | :------------ | :------- | :------ | :----- | | أحباب البيان والحرّية | الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري | 17 أفريل 1946 | فرحات عبّاس | الحكم الذاتي | | حزب الشعب | حركة انتصار الحرّيات الديمقراطية | 02 نوفمبر 1946 | مصالي الحاج | الاستقلال التامّ | | جمعية العلماء المسلمين | واصلت نشاطها | ــ | البشير الإبراهيمي | الإصلاح والهوية | | الحزب الشيوعي | أحباب الحرّية والديمقراطية | ــ | عمر أوزقان | لا يؤمن بالاستقلال |
أهمّ نتيجةٍ على الإطلاق
تأكّد الجزائريّين بأنّ الحرّية تُؤخذ ولا تُعطى، وإنشاء المنظّمة الخاصّة في اجتماع 15 ـ 17 فيفري 1947 ببوزريعة، بغية التحضير للعمل المسلّح.
> نقطة التحوّل: قبل 8 ماي كان الجدل داخل الحركة الوطنية حول أيّ مطلب نرفع: إدماج أم حكم ذاتي أم استقلال. وبعد 8 ماي انتقل الجدل إلى سؤالٍ آخر: بأيّ وسيلة؟ فمن يوم المجازر بدأ العدّ التنازلي نحو أوّل نوفمبر.
2. القانون الخاص 1947: أسبابه وغاياته والمواقف منه
تعريفه
مجموعةٌ من القوانين المسيّرة لشؤون الجزائر، يتكوّن من 8 أبواب و60 مادّة، أقرّه المجلس الفرنسي والرئيس فانسون أوريول، في إطار مشروعٍ إصلاحي لدعم السياسة الاستيطانية.
| المؤشّر | البيان | | :------ | :------ | | تاريخ الصدور | 20 سبتمبر 1947 | | الإطار | إجراءات التهدئة بعد مجازر 08 ماي 1945 | | الهدف | احتواء الحركة الوطنية وتفكيك صفوفها وإدماج الجزائر في فرنسا |
أهمّ ما جاء به
- **الجزائر جزءٌ لا يتجزّأ من الأراضي الفرنسية**، وهي تتكوّن من ثلاث مقاطعات: الجزائر ووهران وقسنطينة.
- **المساواة بين جميع سكّان العمالات الجزائرية**.
- يحافظ الجزائري على **حالته الإسلامية** ويخضع للحكم الإسلامي في **أحواله الشخصية فقط**.
- **الحاكم العامّ** يمثّل الجمهورية الفرنسية في الجزائر وهو مسؤولٌ أمام الحكومة الفرنسية.
- يؤسَّس **مجلس حكومة** مع الحاكم العامّ، وظيفته تنفيذ قرارات الجمعية.
- **تأسيس الجمعية الجزائرية** (برلمان) يتكوّن من **120 عضواً**: 60 من الفرنسيّين و60 من الجزائريّين.
- **إزالة الحكم العسكري عن الجنوب** والاعتراف باللغة العربية لغةً ثانية بعد الفرنسية.
> الخديعة في التوزيع: ستّون مقعداً للفرنسيّين وستّون للجزائريّين تبدو مساواةً عادلة. لكنّ الفرنسيّين لم يتجاوزوا 800 ألف نسمة، والجزائريّين نحو ثمانية ملايين. فالمقعد الفرنسي يمثّل نحو 13 ألف نسمة، والمقعد الجزائري يمثّل نحو 133 ألفاً. فهي مساواةٌ في الشكل، وتفضيلٌ عشري في الجوهر.
المواقف منه
1 ـ الكولون (المعمّرون)
رحّبوا به؛ لأنّه منحهم الاستقلال بالجزائر ويجعل منهم حكّامها، رغم أنّهم لم يتجاوزوا 800 ألف نسمة مقابل ثمانية ملايين جزائري.
2 ـ الحركة الوطنية
رفضته لأنّه:
- **مشروعٌ إدماجي** يربط الجزائر بفرنسا.
- **يساوي الأغلبية بالأقلّية**.
- **لا يلبّي المطلب الأساسي** وهو حقّ تقرير المصير.
كما أنّ انتخابات أعضاء البرلمان في أفريل 1948 تعرّضت للتزوير من طرف الحاكم العامّ «نايجلان» لصالح المعمّرين.
> درس التزوير: حتّى القانون الجائر لم تحترمه فرنسا حين خافت من نتائجه. وهذا ما قطع آخر أملٍ في العمل السياسي القانوني؛ فمن يزوّر انتخاباتٍ صمّمها هو بنفسه لصالحه، لن يسلّم السلطة بصندوق الاقتراع أبداً. فكانت هذه الانتخابات المزوّرة حجّةً دامغة في يد أنصار العمل المسلّح.
3. أزمة حركة الانتصار للحرّيات الديمقراطية
ظروف الأزمة
تعرّضت الحركة لأزمةٍ حادّة أثناء المؤتمر الثاني للحزب بين 04 و06 أفريل 1953 بالجزائر.
أسبابها
- **اكتشاف أمر المنظّمة الخاصّة** ومتابعة أعضائها وتضييق الخناق عليهم سنة **1950**.
- **اعتقال مصالي الحاج** ووضعه في الإقامة الجبرية بفرنسا.
- **خلافاتٌ داخل الحزب** خاصّة بين المصاليّين والمركزيّين، وانقسام الحزب إلى **ثلاث جماعات**.
الجماعات الثلاث
| الجماعة | موقفها | قيادتها | | :------- | :------ | :------- | | المصاليّون | تأييد استمرار القيادة الفردية للحزب | مصالي الحاج | | المركزيّون | مع مبدأ القيادة الجماعية في الإقرار والتنفيذ | يوسف بن خدّة | | الثوريّون | أعضاء سابقون في المنظّمة الخاصّة، حاولوا لمّ الشمل | مناضلو المنظّمة الخاصّة |
من الأزمة إلى التفجير
بعد أن فشل الثوريّون في لمّ الشمل، قاموا بإنشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل في 23 مارس 1954، والتي عقدت سلسلة اجتماعاتٍ تحضيراً لتفجير الثورة:
| الاجتماع | التاريخ والمكان | نتيجته | | :------- | :---------------- | :------ | | اجتماع لجنة 22 | 23 جوان 1954 بالجزائر | انبثقت عنه لجنة الستّة | | اجتماع أكتوبر الأوّل | 10 أكتوبر 1954 بالرايس حميدو | مواصلة التحضير | | الاجتماع الأخير | 23 أكتوبر 1954 بنفس المكان | وُضعت فيه اللمسات الأخيرة: تأسيس جيش وجبهة التحرير الوطني، وتحرير بيان أوّل نوفمبر |
لجنة الستّة: العربي بن مهيدي، مصطفى بن بولعيد، محمّد بوضياف، كريم بلقاسم، ديدوش مراد، رابح بيطاط.
> الأزمة نعمةٌ في ظاهرها نقمة: فرّقت الأزمة الحركة الوطنية وأضعفتها، لكنّها في الوقت نفسه أخرجت التيّار الثوري من عباءة الحزب. فلولا انسداد الأفق داخل الحركة لبقي هؤلاء الشبّان يتنازعون في القاعات؛ ولمّا يئسوا من الإصلاح الداخلي اتّجهوا إلى الميدان. فمن رحم أزمة 1953 وُلد أوّل نوفمبر 1954.
4. ظروف قيام الثورة ومواثيقها
الظروف المحلّية
- **مجازر 08 ماي 1945** ونتائجها.
- **قناعة الشعب بعدم جدوى العمل السياسي**.
- **تشتّت الحركة الوطنية** خاصّة بعد أزمة حركة الانتصار.
- **الوضع الاجتماعي والاقتصادي المزري**.
- **اكتساب الجزائريّين الخبرة** من مشاركتهم في الحرب العالمية الثانية.
الظروف الإقليمية والدولية
- **انتشار المدّ التحرّري** في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
- **حصول العديد من الدول على استقلالها**: سوريا ولبنان 1946، والهند وباكستان 1947.
- **اندلاع الثورة في تونس والمغرب**، و**انتصار الثورة المصرية 1952**.
- **انهزام فرنسا في معركة ديان بيان فو في ماي 1954** أمام الجيش الفيتنامي بقيادة الجنرال جياب، وتراجع مكانتها العسكرية.
- **ظهور المنظّمات الدولية والإقليمية** التي تدعم حقّ تقرير المصير، مثل هيئة الأمم المتحدة والجامعة العربية 1945.
> أثر ديان بيان فو: هزيمة فرنسا أمام شعبٍ آسيوي مستعمَر حطّمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر. وقد وقعت في ماي 1954، واندلعت الثورة الجزائرية في نوفمبر من السنة نفسها. فالمسافة بين الحدثين ستّة أشهر، وهي مسافةٌ ذات دلالة: الدرس وصل، والفرصة قُدّرت في حينها.
مواثيق الثورة
1 ـ بيان أوّل نوفمبر 1954
أوّل وأهمّ مواثيق الثورة الجزائرية. حدّد معالم الثورة وأسبابها ووسائلها وأهدافها البعيدة والقريبة، وطالب بضرورة التفاف الشعب حولها وتبنّيها.
2 ـ ميثاق الصومام
وثيقةٌ سياسية للثورة الجزائرية، صدرت على إثر مؤتمر الصومام المنعقد ما بين 20 و27 أوت 1956. زوّد الثورة بـالمؤسّسات والهياكل التنظيمية السياسية والعسكرية لضمان استمرارها وتحقيقها لأهدافها.
3 ـ ميثاق طرابلس
جاء بعد مؤتمر طرابلس بليبيا في جوان 1962. وضع جملةً من الاختيارات التي تسير عليها البلاد بعد الاستقلال، أهمّها اختيار النهج الاشتراكي وسيلةً للتنمية، والإبقاء على الأحادية الحزبية.
| الميثاق | تاريخه | وظيفته | | :------ | :------ | :------ | | بيان أوّل نوفمبر | 01 نوفمبر 1954 | الإعلان عن الثورة وتحديد أهدافها | | ميثاق الصومام | أوت 1956 | تنظيم الثورة مؤسّساتياً وعسكرياً | | ميثاق طرابلس | جوان 1962 | رسم اختيارات الدولة بعد الاستقلال |
> تسلسلٌ منطقي: بيان نوفمبر يجيب عن سؤال: لماذا نثور وإلى أين؟ وميثاق الصومام يجيب عن سؤال: كيف ننظّم أنفسنا لنستمرّ؟ وميثاق طرابلس يجيب عن سؤال: ماذا نبني بعد النصر؟ فالثورة فكّرت في اليوم التالي قبل أن ينتهي القتال، وهذا من أسباب نجاحها.
5. مفاهيم وتقويم
المفاهيم والمصطلحات
| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | الحركة الوطنية | مجموع التنظيمات السياسية الجزائرية التي ناضلت ضدّ الاستعمار | | مجازر 08 ماي 1945 | مجازر ارتكبتها فرنسا بسطيف وقالمة وخرّاطة راح ضحيّتها أكثر من 45 ألف شهيد | | بيان 10 فيفري 1943 | وثيقةٌ مطلبية قدّمتها الحركة الوطنية تعبّر عن تصاعد الوعي الوطني | | قانون العفو العامّ | قانونٌ صدر في 09 مارس 1946 أطلق سراح المعتقلين ضمن سياسة التهدئة | | المنظّمة الخاصّة | جناحٌ سرّي أُنشئ 1947 للتحضير للعمل المسلّح | | القانون الخاص 1947 | قانونٌ إدماجي أراد ربط الجزائر بفرنسا واحتواء الحركة الوطنية | | الكولون | المعمّرون الأوروبيّون المستوطنون بالجزائر | | اللجنة الثورية للوحدة والعمل | لجنةٌ أُنشئت 23 مارس 1954 حضّرت لتفجير الثورة | | لجنة 22 | اجتماعٌ لاثنين وعشرين مناضلاً في جوان 1954 انبثقت عنه لجنة الستّة | | بيان أوّل نوفمبر | أوّل مواثيق الثورة، حدّد أسبابها ووسائلها وأهدافها |
تقويم
س1: بيّن انعكاسات مجازر 08 ماي 1945 على الحركة الوطنية.
على المدى القصير كانت النتائج قاسية: استشهاد أكثر من 45 ألف شهيد، وحلّ الأحزاب، واعتقال القادة.
وعلى المدى البعيد كانت النتيجة عكس ما أرادته فرنسا:
- **تزايد كره الجزائريّين للمستعمر** وتلاحمهم.
- **اهتزاز مكانة فرنسا الدولية**، ممّا اضطرّها إلى قانون العفو العامّ 1946 وإعادة بناء الأحزاب.
- **وأهمّ من ذلك كلّه**: تأكّد الجزائريّين بأنّ **الحرّية تُؤخذ ولا تُعطى**، فأُنشئت **المنظّمة الخاصّة** سنة 1947 للتحضير للعمل المسلّح.
فالمجازر التي أُريد بها إخماد الوعي كانت شرارة إشعاله.
س2: لماذا رفضت الحركة الوطنية القانون الخاص 1947؟
لثلاثة أسباب:
- إنّه **مشروعٌ إدماجي** يكرّس كون الجزائر جزءاً لا يتجزّأ من فرنسا.
- إنّه **يساوي الأقلّية بالأغلبية**؛ إذ منح 60 مقعداً لنحو 800 ألف معمّر و60 مقعداً لنحو ثمانية ملايين جزائري.
- إنّه **لا يلبّي المطلب الأساسي** وهو حقّ تقرير المصير.
وقد أكّد التطبيق صحّة الرفض؛ إذ زُوّرت انتخابات أفريل 1948 لصالح المعمّرين. فمن يزوّر قانوناً وضعه هو لصالحه، لا يُنتظر منه تسليم السلطة بصندوق الاقتراع.
س3: كيف أفضت أزمة حركة الانتصار إلى تفجير الثورة؟
انقسمت الحركة سنة 1953 إلى مصاليّين مع القيادة الفردية، ومركزيّين مع القيادة الجماعية، وثوريّين من أعضاء المنظّمة الخاصّة.
ولمّا فشل الثوريّون في لمّ الشمل أنشؤوا اللجنة الثورية للوحدة والعمل في 23 مارس 1954، فعقدوا اجتماع لجنة 22 في جوان 1954 الذي انبثقت عنه لجنة الستّة، ثمّ اجتماعَي أكتوبر اللذين وُضعت فيهما اللمسات الأخيرة: تأسيس جيش وجبهة التحرير الوطني وتحرير بيان أوّل نوفمبر.
فالأزمة التي فرّقت الحركة هي التي أخرجت التيّار الثوري إلى الميدان.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.