الوحدة الثانية ـ الوضعية 2: العمل المسلح ورد الفعل الاستعماري
استراتيجية الثورة داخلياً وخارجياً، ومؤتمر الصومام والبناء المؤسساتي والعسكري، ومخططات فرنسا وسياسة ديغول، وعدم جدواها.
يتكوّن الدرس من 6 أجزاء: 1. استراتيجية الثورة داخلياً: التعبئة الشعبية، 2. البناء المؤسساتي والعسكري: مؤتمر الصومام، 3. استراتيجية الثورة على المستوى الخارجي، 4. من بيان أوّل نوفمبر إلى تدويل القضية: أهداف الثورة ومحطّات عملها الدبلوماسي، 5. استراتيجية فرنسا للقضاء على الثورة وسياسة ديغول، 6. عدم جدوى المخططات الاستعمارية ومفاهيم وتقويم.
1. استراتيجية الثورة داخلياً: التعبئة الشعبية
الإشكالية
تُعدّ الثورة الجزائرية من أعظم ثورات التحرّر التي عرفها العالم المعاصر؛ حيث تبنّت استراتيجيةً محكمة تمكّنت من خلالها من تحقيق الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية.
مفهوم التعبئة الشعبية
تجنيد الشعب وضمّه إلى صفوف الثورة، من خلال توعيته بأسبابها وأهدافها، وبأنّها ضرورةٌ ملحّة من أجل تحقيق الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية.
1 ـ توعية الشعب
أ ـ الوثائق والمناشير
إصدار بيان 01 نوفمبر 1954، وميثاق الصومام، والمناشير المختلفة، والرسائل المكتوبة والشفوية.
ب ـ الإعلام
| الوسيلة | البيان | | :------ | :------ | | جريدة المقاومة | لسان الثورة في بداياتها | | صحيفة المجاهد | الناطق الرسمي باسم جبهة التحرير الوطني | | إذاعة صوت الجزائر | من القاهرة وتونس والمغرب | | الأفلام التسجيلية | أفلامٌ وثائقية تعرّف بالثورة وتنقل صورتها إلى الخارج | | وكالة الأنباء الجزائرية | منذ 1961 |
> لماذا الإعلام أوّلاً؟ لأنّ فرنسا كانت تصف الثورة بأنّها حركة تمرّد وعصيان وتصف المجاهدين بـ«الفلّاقة» و«قطّاع الطرق». فمعركة الرواية لا تقلّ خطورةً عن معركة السلاح؛ ومن لا يملك صوتاً يُروى عنه بلسان عدوّه.
2 ـ إشراك الشعب في الثورة: هجومات الشمال القسنطيني (20 أوت 1955)
خطّط لها الشهيد زيغود يوسف الذي تولّى قيادة المنطقة بعد استشهاد ديدوش مراد في 18 جانفي 1955، وقد استهدفت 39 هدفاً عبر الشمال القسنطيني.
أسبابها
- **فكّ الحصار** المفروض على منطقة الأوراس.
- **إشراك الشعب في الثورة**.
- **تخريب المنشآت العسكرية** للعدوّ.
- **الردّ على المجازر** المرتكبة في حقّ الشعب.
- **تفنيد ادّعاء فرنسا** أنّ الثورة حركة تمرّد وعصيان.
- **تأكيد التلاحم الشعبي** والقضاء على كلّ تردّد في الانضمام للثورة.
- **التعريف بالقضية الجزائرية** على المستوى الدولي.
نتائجها
- سقوط **آلاف الشهداء الجزائريّين** في القمع الذي تلاها (**نحو 12 ألفاً** حسب المصادر الجزائرية، والأرقام الفرنسية الرسمية أقلّ بكثير)، ومقتل **71 أوروبياً**.
- **تخفيف الحصار** على منطقة الأوراس.
- **اقتناع هيئة الأمم المتحدة بعدالة القضية الجزائرية** وإدراجها في جدول أعمال الدورة العاشرة في 30 سبتمبر 1955.
- **اقتناع معظم المتردّدين** من شعبٍ وأحزاب بحتمية الثورة.
- **التضامن مع المغرب الأقصى** في الذكرى الثانية لنفي السلطان محمّد الخامس.
- **تعميم حالة الطوارئ** في الجزائر.
> الحساب الذي لا يُقاس بالخسائر: سقط آلاف الشهداء في القمع الذي أعقب الهجومات مقابل عشرات القتلى الأوروبيّين. وبالمنطق العسكري الضيّق تبدو العملية خاسرة. لكنّها بالمنطق السياسي كانت انتصاراً حاسماً: أثبتت أنّ الثورة حركةُ شعبٍ لا حركةُ بضع مئات، فأُدرجت القضية في الأمم المتحدة. فالثورة ربحت بالدم اعترافاً لم يكن السلاح وحده ليمنحه.
3 ـ تنظيم الإضرابات والمظاهرات
| الحدث | التاريخ | | :---- | :------- | | إضراب الثمانية أيّام | 28 جانفي إلى 04 فيفري 1957 | | إضراب الطلبة المسلمين الجزائريّين | 19 ماي 1956 | | مظاهرات 11 ديسمبر | 1960 |
4 ـ تأطير الجماهير الشعبية
- **الاتحاد العامّ للعمّال الجزائريّين** في 24 فيفري 1956.
- **اتّحاد الطلبة المسلمين الجزائريّين**.
- **الحركة النسوية**.
- **اتّحاد التجّار والحرفيّين**.
2. البناء المؤسساتي والعسكري: مؤتمر الصومام
مؤتمر الصومام
استراتيجيةٌ أقرّها المؤتمر المنعقد في 20 أوت 1956 بمنطقة القبائل، في منطقة الصومام بقرية إيفري جنوب بجاية. وقد وضع نظاماً موحّداً للعمل السياسي والعسكري.
> دلالة التاريخ: انعقد المؤتمر في 20 أوت، وهي ذكرى هجومات الشمال القسنطيني 1955. واختيار التاريخ ليس صدفة؛ فهو ربطٌ بين لحظة دخول الشعب الثورة ولحظة تنظيمها مؤسّساتياً.
1 ـ قرارات المؤتمر
- إصدار **وثيقة الصومام**: وثيقةٌ سياسية ثورية حلّلت الأوضاع وحدّدت آفاق العمل الثوري ووسائل تحقيق الأهداف ومستلزمات الاستمرار.
- **إقرار مبدأ القيادة الجماعية**.
- **إقرار أولوية العمل في الداخل على الخارج**، و**العمل السياسي على العسكري**.
- **تنظيم الشعب** وتوجيه الدعاية والإعلام.
- **العمل على تدويل القضية الجزائرية** وتحقيق الوحدة المغاربية.
> لماذا القيادة الجماعية؟ لأنّ تجربة الحركة الوطنية أثبتت أنّ القيادة الفردية تُنتج الانقسام كما حدث في أزمة حركة الانتصار. ولأنّ الثورة في حرب؛ فاستشهاد قائدٍ فرد يعني توقّفها، أمّا القيادة الجماعية فتضمن استمرار المؤسّسة بعد الأشخاص.
2 ـ البناء المؤسساتي
| المؤسّسة | تركيبتها ومهمّتها | | :--------- | :------------------ | | المجلس الوطني للثورة | أعلى هيئةٍ سياسية، ذو مهامّ تشريعية يقرّر الحرب والسلم. يتكوّن من 34 عضواً: 17 دائمون و17 إضافيّون | | لجنة التنسيق والتنفيذ | هيئةٌ تنفيذية تتكوّن من 5 إلى 14 عضواً | | مجلس لكلّ ولاية | لتسيير شؤون الولاية | | فدرالية فرنسا | تنظيم المهاجرين الجزائريّين في فرنسا لنقل الثورة إلى عمق التراب الفرنسي |
تقسيم الجزائر إلى ستّ ولاياتٍ حربية
| الولاية | منطقتها | | :------ | :------- | | الأولى | أوراس النمامشة | | الثانية | الشمال القسنطيني | | الثالثة | القبائل | | الرابعة | الجزائر | | الخامسة | وهران | | السادسة | الصحراء |
وفي 19 سبتمبر 1958 تمّ إنشاء الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية.
3 ـ البناء العسكري
- إنشاء **قيادة الأركان العامّة** لاحقاً (1960).
- إنشاء **مجلس لكلّ ولاية**.
- **استحداث الرتب العسكرية**.
- إنشاء **جيش الحدود**.
- **نقل الثورة إلى داخل التراب الفرنسي**.
مميّزات مرحلة ما بعد الصومام
- أصبحت الثورة **أكثر تنظيماً وشمولية**.
- **تزايد العمل الثوري المسلّح**.
- أصبح للثورة **غطاءٌ سياسي** في الداخل والخارج.
- **زيادة التلاحم الشعبي**.
- **مضاعفة فرنسا لإجراءاتها القمعية**.
> من ثورةٍ إلى دولةٍ في طور التكوين: قبل الصومام كانت الثورة مجموعة مناطق تقاتل بتنسيقٍ ضعيف. وبعده صار لها برلمانٌ وحكومةٌ وتقسيمٌ إداري وجيشٌ برتب. أي أنّ الثورة بنت هيكل الدولة قبل أن تحرّر الأرض؛ ولذلك لم تعرف الجزائر فراغاً في اليوم الأوّل للاستقلال.
3. استراتيجية الثورة على المستوى الخارجي
المبدأ
لم تُغفل الثورة الجزائرية البعد الدولي؛ ولذلك دعمت العمل السياسي والعسكري بـالعمل الدبلوماسي، من أجل تدويل القضية الجزائرية ومحاصرة كلّ أشكال التعتيم والتشويه التي كانت تقوم بها فرنسا.
الممثّلون الدبلوماسيون وأجهزة العمل الخارجي
| الجهاز | البيان | | :----- | :------ | | المنسّق العامّ للثورة | محمّد بوضياف | | وفود جبهة التحرير الوطني في الخارج | لتمثيل الثورة في العواصم والمحافل | | ممثّل الجبهة لدى الأمم المتحدة بنيويورك | امحمّد يزيد، ثمّ وزير الإعلام في الحكومة المؤقّتة | | أوّل وزيرٍ للشؤون الخارجية في الحكومة المؤقّتة | محمّد الأمين دبّاغين (1958) | | وزارة الشؤون الخارجية | ضمن الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية | | وزارة الإعلام | لمخاطبة الرأي العامّ الدولي | | فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القدم | للتعريف بالقضية عبر الرياضة |
> فريق كرة القدم سلاحاً: ترك لاعبون جزائريّون أنديةً فرنسية كبرى في أوج مسيرتهم ليشكّلوا فريق جبهة التحرير. وكانت كلّ مباراةٍ يخوضها الفريق إعلاناً بأنّ للجزائر وجوداً وعَلَماً ونشيداً. فحيث لا يصل الخطاب السياسي تصل الصورة الرياضية؛ وهذا وعيٌ مبكّر بأنّ الدعاية جبهةٌ قائمة بذاتها.
أهداف دبلوماسية الثورة
- **التعريف بالقضية الجزائرية** في المحافل الدولية.
- **فضح السياسة الاستعمارية** وكسر التعتيم الإعلامي.
- **عزل فرنسا دبلوماسياً**.
- **كسب تعاطف الرأي العامّ العالمي**.
- **الحصول على الدعم الدولي** مادّياً وسياسياً.
- **إثارة الرأي العامّ الفرنسي والدولي** ضدّ السياسة الاستعمارية.
> الحجّة القانونية الحاسمة: كانت فرنسا تصرّ على أنّ ما يجري شأنٌ داخلي فرنسي، ليمنع ذلك أيّ تدخّلٍ دولي. فكان كلّ نجاحٍ دبلوماسي في إدراج القضية في جدول أعمال الأمم المتحدة ضربةً في صميم هذه الحجّة. فتدويل القضية لم يكن ترفاً؛ بل كان معركةً على تعريف الصراع نفسه: أهو تمرّدٌ داخلي أم شعبٌ يطالب بحقّه في تقرير مصيره؟
4. من بيان أوّل نوفمبر إلى تدويل القضية: أهداف الثورة ومحطّات عملها الدبلوماسي
الإشكالية
لم تكن استراتيجية الثورة الداخلية والخارجية ارتجالاً؛ فقد رسم بيان أوّل نوفمبر 1954 أهدافها منذ الليلة الأولى، ثمّ جسّدها العمل الدبلوماسي محطّةً بعد أخرى. فكيف حدّد البيان أهداف الثورة؟ وما المحطّات التي نقلت القضية من «شأنٍ داخلي فرنسي» إلى قضيةٍ دولية؟
أ ـ اندلاع الثورة وبيان أوّل نوفمبر 1954
في ليلة 01 نوفمبر 1954 نفّذت جبهة التحرير الوطني وجناحها المسلّح جيش التحرير الوطني عملياتٍ متزامنة في مناطق عدّة من الوطن، ووزّعت بيان أوّل نوفمبر الذي يُعدّ أوّل مواثيق الثورة. وقد قُسّم الوطن عند الاندلاع إلى خمس مناطق:
| المنطقة | قائدها عند الاندلاع | | :------ | :------------------ | | الأولى: الأوراس | مصطفى بن بولعيد | | الثانية: الشمال القسنطيني | ديدوش مراد | | الثالثة: القبائل | كريم بلقاسم | | الرابعة: الجزائر (الوسط) | رابح بيطاط | | الخامسة: وهران | العربي بن مهيدي |
وكان محمّد بوضياف منسّقاً بين المناطق. ثمّ حوّل مؤتمر الصومام سنة 1956 هذه المناطق إلى ستّ ولايات بإضافة الصحراء.
أهداف البيان
| المستوى | الأهداف | | :------ | :------ | | الهدف العامّ | الاستقلال الوطني بإقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية، واحترام الحرّيات الأساسية دون تمييزٍ عرقي أو ديني | | الأهداف الداخلية | التطهير السياسي بإعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي، وتجميع الطاقات السليمة لدى الشعب الجزائري لتصفية النظام الاستعماري | | الأهداف الخارجية | تدويل القضية الجزائرية، وتحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطارها العربي الإسلامي، وتأكيد التعاطف مع كلّ الأمم التي تساند القضية في إطار ميثاق الأمم المتحدة | | الوسائل | الكفاح بكلّ الوسائل حتّى تحقيق الهدف، مع فتح باب التفاوض على أساس الاعتراف بالسيادة الجزائرية |
> مفتاح فهم الوحدة كلّها: كلّ ما جاء بعد البيان تطبيقٌ له. فالتعبئة الشعبية والصومام تجسيدٌ لأهدافه الداخلية، والدبلوماسية والتدويل تجسيدٌ لأهدافه الخارجية. ولذلك يُطلب في البكالوريا ربط أيّ محطّةٍ بالهدف الذي خدمته.
ب ـ محطّات العمل الدبلوماسي للثورة
| المحطّة | التاريخ | دلالتها | | :------ | :------ | :------ | | مشاركة وفد جبهة التحرير (حسين آيت أحمد وامحمّد يزيد) بصفة ملاحظ في مؤتمر باندونغ | أفريل 1955 | أوّل منبرٍ دولي للثورة؛ أيّد البيان الختامي حقّ شعوب المغرب العربي في تقرير المصير | | إدراج القضية الجزائرية في جدول أعمال الدورة العاشرة للجمعية العامّة | 30 سبتمبر 1955 | سقوط أطروحة «الشأن الداخلي»؛ انسحب الوفد الفرنسي احتجاجاً | | لائحة الدورة الحادية عشرة للجمعية العامّة | فيفري 1957 | دعوةٌ إلى حلٍّ سلمي؛ وقد تزامن معها إضراب الثمانية أيّام لإسماع صوت الشعب | | مؤتمر طنجة (جبهة التحرير وحزب الاستقلال المغربي والحزب الدستوري الجديد التونسي) | 27 ـ 30 أفريل 1958 | سندٌ مغاربي للثورة، ودعوةٌ إلى تشكيل حكومةٍ جزائرية | | تأسيس الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية برئاسة فرحات عبّاس | 19 سبتمبر 1958 | محاورٌ رسمي باسم الشعب الجزائري، اعترفت به دولٌ عربية وآسيوية وإفريقية | | اللائحة 1573 للجمعية العامّة تعترف بحقّ الشعب الجزائري في تقرير المصير والاستقلال | 19 ديسمبر 1960 | جاءت بعد أيّامٍ من مظاهرات 11 ديسمبر 1960 | | مشاركة الحكومة المؤقّتة عضواً كاملاً في المؤتمر التأسيسي لحركة عدم الانحياز ببلغراد | سبتمبر 1961 | معاملة الجزائر دولةً قبل الاستقلال |
> التكامل بين الجبهات: لاحظ أنّ أكبر المكاسب الدبلوماسية جاءت مقرونةً بفعلٍ شعبي في الداخل: هجومات 20 أوت قبل الإدراج سنة 1955، وإضراب الثمانية أيّام مع دورة 1957، ومظاهرات ديسمبر 1960 قبل اللائحة 1573. فالدبلوماسي في نيويورك كان يتكلّم بقوّة الشارع في الجزائر.
> ملاحظة للبكالوريا: يُطلب هذا البند في مقالة عن استراتيجية الثورة على المستوى الخارجي، أو في ترتيب المحطّات زمنياً، أو في تعريف بيان أوّل نوفمبر وتدويل القضية. فاذكر الهدف الخارجي في البيان، ثمّ ثلاث محطّاتٍ بتواريخها، ثمّ الأثر: عزل فرنسا ودفعها إلى التفاوض.
5. استراتيجية فرنسا للقضاء على الثورة وسياسة ديغول
أوّلاً: على المستوى الداخلي
- اعتبرت أنّ ما يحدث في الجزائر **مشكلٌ داخلي** يُعالج وفق ما ينصّ عليه القانون الفرنسي.
- أعلنت **حالة الطوارئ** (قانون 03 أفريل 1955)، ثمّ منح البرلمان الفرنسي الحكومة **سلطاتٍ خاصّة** في **مارس 1956** طبّقها الوزير المقيم روبير لاكوست لمواجهة ما أسمته بالمتمرّدين.
- طبّقت **سياسة التهويل وتخويف الأهالي**.
- قامت **بتسليح المعمّرين**.
- إنشاء **مدرسة جان دارك بسكيكدة** لتدريس أساليب التعذيب.
- إنشاء **المناطق المحرّمة** و**المحتشدات**.
- إنشاء **الأسلاك الشائكة المكهربة** على الحدود: **خطّ موريس** ثمّ **خطّ شال** في عهد ديغول.
- **الاعتقالات العشوائية** وعمليات التمشيط الواسعة ومحاصرة جبال الأوراس.
- **تحريض التنظيمات المناوئة للثورة** مثل الحركة الوطنية الجزائرية التي أسّسها مصالي الحاج.
- **الحرب الإعلامية والنفسية** بوصف الثورة بأنّها حركة تمرّد وعصيان.
> دلالة خطّي موريس وشال: بناء سلكٍ شائك مكهرب على الحدود الشرقية والغربية بطول مئات الكيلومترات اعترافٌ صريح بأنّ الثورة تُمدّ من الخارج وأنّها أقوى من أن تُهزم في الداخل وحده. فالسياج الذي يُبنى ضدّ حركة تمرّد صغيرة لا يكون بهذا الحجم.
الأزمة السياسية الفرنسية
أحدثت الثورة الجزائرية أزماتٍ سياسية متتالية داخل الحكومة الفرنسية، كان أخطرها قيام كبار جنرالات فرنسا بـانقلابٍ عسكري في 13 ماي 1958، واستدعاء الجنرال ديغول لتولّي السلطة. تسلّم مقاليد الحكم في 01 جوان 1958، وغيّر دستور البلاد، فانتهى عهد الجمهورية الرابعة وبدأ عهد الجمهورية الخامسة.
> الثورة تُسقط جمهورية: أن تكون ثورةُ شعبٍ مستعمَر سبباً في تغيير نظام الحكم في الدولة المستعمِرة نفسها أمرٌ نادر في التاريخ. وهو أبلغ دليلٍ على عمق أثر الثورة الجزائرية؛ فقد امتدّ الاهتزاز من الجزائر إلى قلب باريس.
سياسة الجنرال ديغول في الجزائر
اعتمد ديغول سياسةً ذات حدّين: الترغيب من جهة والترهيب من جهةٍ أخرى.
1 ـ على المستوى العسكري: مخطّط شال
أسند قيادة الجيش إلى الجنرال شال الذي طبّق خطّةً تمثّلت فيما يلي:
- **تدعيم الجيش الفرنسي** في الجزائر حتّى بلغ عدده نحو **نصف مليون جندي**، فضلاً عن الحركى.
- **الاستعانة بقوّات الحلف الأطلسي**.
- **استخدام أسلحةٍ فتّاكة ومحرّمة دولياً**.
- إنشاء **خطّ شال المكهرب** على الحدود الشرقية.
- **الإكثار من مراكز التعذيب والاستنطاق**.
- **مضاعفة المحتشدات والمناطق المحرّمة**.
- **عمليات برّية وبحرية وجوّية مكثّفة**، والمكوث في المنطقة مدّةً طويلة حتّى تطهيرها.
أهمّ العمليات العسكرية
| العملية | الولاية | التاريخ | | :------ | :------ | :------- | | عملية التاج | الخامسة | فيفري ـ أفريل 1959 | | عملية الحزام | الرابعة | 1959 | | عملية الأحجار الكريمة | الثانية | نوفمبر 1959 | | عملية المنظار | الثالثة | 1959 |
ردّ الثورة على مخطّط شال
- **التصغير من الوحدات العسكرية**.
- **تفادي مجابهة العدوّ وجهاً لوجه**.
- **الاعتماد على حرب الكمائن**.
> حكمة تغيير التكتيك: حين يواجه جيشُ تحريرٍ خفيفُ التسليح جيشاً من نحو نصف مليون جندي مدعوماً بالطيران، فالمواجهة المفتوحة انتحار. فكان التصغير من الوحدات وحرب الكمائن استجابةً ذكية: تُبقي الثورة حيّةً وتستنزف العدوّ دون أن تمنحه المعركة الحاسمة التي يريدها.
2 ـ المناورات السياسية
| المناورة | التاريخ | مضمونها | | :-------- | :------- | :-------- | | خطاب المعمّرين | 04 جوان 1958 | إبراز تمسّك فرنسا بالجزائر: «الجزائر فرنسية» | | سلم الشجعان | 23 أكتوبر 1958 | دعوة الثوّار إلى وقف القتال وتسليم السلاح دون قيدٍ أو شرط | | الاعتراف بحقّ تقرير المصير | 16 سبتمبر 1959 | دون تحديد تاريخ، وبشروطٍ مجحفة |
شروط ديغول لتقرير المصير:
- **وقف العمل العسكري من الجانب الجزائري فقط**.
- **عدم التفاوض مع جبهة التحرير الوطني لوحدها**، بل ادّعاء وجود أطرافٍ أخرى سمّاها **القوّة الثالثة**.
- **فصل الصحراء عن الشمال**، بمعنى محاولة الاحتفاظ بالصحراء الجزائرية.
وقد قابل الشعب الجزائري هذه الفكرة بـمظاهرات 11 ديسمبر 1960.
3 ـ الخطط الاقتصادية: مشروع قسنطينة
ادّعى ديغول أنّ سبب الثورة هو تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فأعلن في 03 أكتوبر 1958 بقسنطينة مشروعاً اقتصادياً سمّاه مشروع قسنطينة:
- توزيع **250 ألف هكتار** على الفلّاحين الجزائريّين.
- إقامة **قاعدةٍ صناعية** في الجزائر.
- توفير **400 ألف منصب شغل**.
- **فتح المدارس** أمام أبناء الشعب الجزائري.
لكنّ هدفه الحقيقي كان عزل الشعب عن الثورة وخلق طبقةٍ برجوازية جزائرية تتعامل مع فرنسا.
ثانياً: على المستوى الخارجي
- **عارضت إدراج القضية الجزائرية** في جدول أعمال الدورة العاشرة للجمعية العامّة للأمم المتحدة سنة 1955.
- **إشراك قوّات الحلف الأطلسي** في حرب الجزائر.
- **ضرب القواعد الخلفية للثورة**:
| العملية | التاريخ | الهدف | | :------ | :------- | :---- | | المشاركة في العدوان الثلاثي على مصر | أكتوبر 1956 | وقف الدعم المصري للثورة | | قصف ساقية سيدي يوسف بالحدود التونسية | 08 فيفري 1958 | منع تسرّب الجيش عبر الحدود ووقف الدعم التونسي |
6. عدم جدوى المخططات الاستعمارية ومفاهيم وتقويم
1 ـ الفشل العسكري
- **الخسائر البشرية** في صفوف الجيش الفرنسي.
- **فشل خطّة شال** وإحباطها من طرف جيش التحرير الوطني.
- **انتصار جيش التحرير في عدّة معارك** رغم عدم تكافؤ القوّة:
| المعركة | التاريخ | المنطقة | | :------ | :------- | :----------------------- | | معركة الجرف | 22 ـ 29 سبتمبر 1955 | النمامشة (الولاية الأولى) | | معركة سوق أهراس الكبرى | أفريل ـ ماي 1958 | الحدود الشرقية | | معركة آيت يحيى موسى | جانفي 1959 | القبائل (الولاية الثالثة) |
2 ـ فشل المخطّطات الاقتصادية
رفض الشعب الجزائري لمشروع قسنطينة؛ إذ أدرك أنّه رشوةٌ سياسية لا برنامج تنمية.
> لماذا فشل مشروع قسنطينة؟ لأنّه قام على تشخيصٍ خاطئ متعمَّد: أنّ الثورة سببها الجوع. والحقيقة أنّ سببها فقدان السيادة. فالشعب الذي يقاتل من أجل الكرامة لا يشتريه منصب شغل؛ ولذلك رُفض المشروع رغم ضخامة أرقامه.
3 ـ فشل المخطّطات السياسية
- **عدم تمكّن فرنسا من عزل الشعب عن الثورة**.
- **إفشال كلّ مخطّطات ديغول**: فصل الصحراء، وسلم الشجعان، والتفاوض من دون جبهة التحرير الوطني.
- **زيادة تعاطف الشعوب** مع الثورة الجزائرية.
- **زيادة الضغط الخارجي على فرنسا** من طرف حركة عدم الانحياز والجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة، ومطالبتها بالاعتراف للشعب الجزائري بحقّه في تقرير مصيره.
> الميزان النهائي: ملء الجزائر بنحو نصف مليون جندي، وسياجٌ مكهرب على الحدود، ومحتشداتٌ ومناطق محرّمة، ومشروعٌ اقتصادي بمئات الملايين، ثمّ يجلس ديغول إلى طاولة التفاوض مع من سمّاهم متمرّدين. فكلّ ما نجحت فيه فرنسا عسكرياً لم يغيّر النتيجة السياسية؛ لأنّ الحرب على شعبٍ بأكمله لا تُحسم بالقوّة.
المفاهيم والمصطلحات
| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | التعبئة الشعبية | تجنيد الشعب وضمّه إلى صفوف الثورة بتوعيته بأسبابها وأهدافها | | مؤتمر الصومام | مؤتمرٌ عُقد 20 أوت 1956 نظّم الثورة سياسياً وعسكرياً | | المجلس الوطني للثورة | أعلى هيئةٍ سياسية للثورة ذات مهامّ تشريعية | | لجنة التنسيق والتنفيذ | الهيئة التنفيذية المنبثقة عن مؤتمر الصومام | | الولايات الحربية | ستّ مناطق قُسّمت إليها الجزائر إدارياً وعسكرياً | | الحكومة المؤقّتة | حكومةٌ أُنشئت 19 سبتمبر 1958 لتمثيل الجزائر دولياً | | تدويل القضية | نقل القضية من إطارٍ داخلي فرنسي إلى المحافل الدولية | | المحتشدات | مراكز تجميعٍ قسري للسكّان لعزلهم عن الثورة | | المناطق المحرّمة | مناطق أُفرغت من سكّانها وأُبيح فيها القصف | | خطّا موريس وشال | أسلاكٌ شائكة مكهربة على الحدود الشرقية والغربية | | سلم الشجعان | مناورةٌ لديغول 1958 تدعو الثوّار إلى الاستسلام دون شروط | | مشروع قسنطينة | مشروعٌ اقتصادي 1958 هدفه الحقيقي عزل الشعب عن الثورة | | القوّة الثالثة | ادّعاءٌ فرنسي بوجود أطرافٍ جزائرية أخرى للتفاوض معها |
تقويم
س1: ما أهمّية هجومات الشمال القسنطيني 20 أوت 1955 رغم فداحة خسائرها؟
سقط فيها وفي القمع الذي تلاها آلاف الشهداء الجزائريّين (نحو 12 ألفاً حسب المصادر الجزائرية) مقابل 71 قتيلاً أوروبياً، وهي بالمنطق العسكري خسارة.
لكنّها بالمنطق السياسي انتصارٌ حاسم؛ إذ حقّقت:
- **فكّ الحصار** عن منطقة الأوراس.
- **إشراك الشعب** في الثورة وإنهاء تردّد المتردّدين.
- **تفنيد ادّعاء فرنسا** أنّ الثورة حركة تمرّد؛ إذ أثبتت أنّها حركةُ شعب.
- **إدراج القضية الجزائرية** في جدول أعمال الدورة العاشرة للأمم المتحدة في 30 سبتمبر 1955.
فالثورة اشترت بالدم اعترافاً دولياً لم يكن السلاح وحده ليمنحه.
س2: اذكر ثلاثاً من مؤسّسات الثورة التي أقرّها مؤتمر الصومام مبيّناً وظيفة كلٍّ منها.
- **المجلس الوطني للثورة**: أعلى هيئةٍ سياسية ذات مهامّ تشريعية، يقرّر الحرب والسلم، ويتكوّن من 34 عضواً.
- **لجنة التنسيق والتنفيذ**: الهيئة التنفيذية، وتتكوّن من 5 إلى 14 عضواً.
- **الولايات الحربية الستّ**: تقسيمٌ إداري وعسكري يضبط قيادة الميدان.
والدلالة الكبرى أنّ الثورة بنت هيكل الدولة قبل أن تحرّر الأرض؛ ولذلك لم تعرف الجزائر فراغاً في السلطة يوم الاستقلال.
س3: بيّن كيف كانت سياسة ديغول «ذات حدّين»، ولماذا فشلت.
حدّها الأوّل الترهيب: مخطّط شال بنحو نصف مليون جندي، وخطّ شال المكهرب، والمحتشدات، والعمليات العسكرية الكبرى.
وحدّها الثاني الترغيب: سلم الشجعان 1958، ومشروع قسنطينة الاقتصادي 1958، والاعتراف المشروط بتقرير المصير 1959.
وفشلت لأنّ التشخيص كان خاطئاً؛ فقد بُنيت على أنّ سبب الثورة هو الفقر، والحقيقة أنّ سببها فقدان السيادة. فردّت الثورة على الترهيب بتصغير الوحدات وحرب الكمائن، وردّ الشعب على الترغيب بالرفض وبمظاهرات 11 ديسمبر 1960.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.