الوحدة الأولى ـ الوضعية 2: الأزمات الدولية في ظل الصراع بين الشرق والغرب
خارطة الأزمات الدولية: برلين وكوريا والسويس وكوبا، بأسبابها ونتائجها وأثرها في العلاقات الدولية. (خاص بشعبتي آداب وفلسفة وتسيير واقتصاد)
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. في أوروبا: أزمتا برلين، 2. في آسيا: أزمة كوريا (1950 ـ 1953)، 3. في إفريقيا: أزمة السويس 1956، 4. في أمريكا: أزمة كوبا 1962، 5. مفاهيم وتقويم.
1. في أوروبا: أزمتا برلين
تمهيد
لم تقع بين المعسكرين حربٌ مباشرة، لكنّ الصراع أفرز أزماتٍ خطيرة كادت تُشعل حرباً عالمية ثالثة. وتوزّعت هذه الأزمات على أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا.
أزمة برلين الأولى (1948 ـ 1949)
الخلفية
قُسّمت برلين وألمانيا إلى مناطق احتلال، وهو تقسيمٌ أُقرّ في مؤتمر يالطا وثبّته مؤتمر بوتسدام (17 جويلية إلى 02 أوت 1945)، بين الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي وفرنسا:
| الطرف | نصيبه | | :---- | :----- | | الاتحاد السوفييتي | ألمانيا الشرقية وشرقي برلين | | الحلفاء الغربيون | ألمانيا الغربية وبرلين الغربية |
أسباب الأزمة
قرار الحلفاء الغربيّين في مؤتمر لندن 1948 توحيد مناطق احتلالهم وإقامة دولةٍ في ألمانيا الغربية، ممّا أغضب الاتحاد السوفييتي الذي فرض حصاراً على برلين الغربية في 24 جوان 1948.
وكان ردّ فعل الحلفاء تنظيم جسرٍ جوّي لإمداد سكّان برلين الغربية بالمؤن والوقود طوال مدّة الحصار (نحو أحد عشر شهراً).
نتائجها
- الاتّفاق على **رفع الحصار** السوفييتي عن برلين.
- **تقسيم ألمانيا إلى دولتين**:
| الدولة | تاريخها | | :----- | :------- | | ألمانيا الفدرالية (الغربية) | 23 ماي 1949 | | ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) | 07 أكتوبر 1949 |
> دلالة الجسر الجوّي: بدل كسر الحصار بالسلاح، اختار الغرب تجاوزه من الجوّ. وهذا هو منطق الحرب الباردة نفسه: مواجهةٌ حقيقية تُدار بوسائل لا تصل إلى إطلاق الرصاصة الأولى؛ لأنّ الرصاصة الأولى كانت تعني حرباً نووية.
أزمة برلين الثانية (1961)
أسبابها
- **رفض الغرب** جعل برلين منطقةً حرّة ومنزوعة السلاح كما ألحّ عليه **خروشوف**.
- **هروب ونزوح آلاف الألمان** من ألمانيا الشرقية إلى الغرب، وأغلبهم عبر برلين؛ إذ نزح نحو **ثلاثة ملايين** بين 1949 و1961.
نتائجها
قيام ألمانيا الشرقية بدعمٍ من الاتحاد السوفييتي ببناء جدار برلين في 13 أوت 1961 فاصلاً بين شطري المدينة.
| المؤشّر | القيمة | | :------ | :----- | | طول الجدار | نحو 155 كلم حول برلين الغربية | | أبراج المراقبة | مئات الأبراج | | الارتفاع | بين 3 و4 أمتار تقريباً |
> لماذا بُني الجدار؟ لأنّ نزوح ثلاثة ملايين كان يعني نزيفاً في السكّان وفي الكفاءات، وكان دليلاً دعائياً يستعمله الغرب على فشل النموذج الشرقي. فالجدار لم يُبنَ لمنع دخول عدوّ، بل لمنع خروج المواطنين؛ وهذا وحده يلخّص أزمة النظام.
2. في آسيا: أزمة كوريا (1950 ـ 1953)
الخلفية
قُسّمت كوريا بعد تحريرها من الاحتلال الياباني في أوت 1945 باتّفاقٍ أمريكي سوفييتي على تقاسم استلام استسلام القوّات اليابانية عند خطّ العرض 38 شمالاً، ثمّ قامت فيها دولتان سنة 1948:
| الدولة | نظامها | زعيمها | عاصمتها | | :----- | :------ | :------ | :------- | | كوريا الشمالية | شيوعية | كيم إيل سونغ | بيونغ يانغ | | كوريا الجنوبية | رأسمالية | سينغمان ري | سيول |
أسباب الأزمة
اجتياح كوريا الشمالية لكوريا الجنوبية في 25 جوان 1950، رغبةً منها في توحيد الكوريتين وبدعمٍ من المعسكر الشرقي.
ممّا أدّى إلى:
- **تدخّل الولايات المتحدة وحلفائها** عن طريق هيئة الأمم المتحدة، بموجب **القرار 84** القاضي بتشكيل قوّاتٍ أمميّة لتحرير كوريا الجنوبية، وكان **أغلب** جنودها أمريكيّين.
- **تدخّل الصين** إلى جانب كوريا الشمالية بأعدادٍ كبيرة ممّا سمّته **المتطوّعين**.
> الأمم المتحدة أداةً: لاحظ كيف استُعملت المنظّمة الدولية لإضفاء الشرعية على تدخّلٍ أمريكي. وقد أمكن ذلك لأنّ الاتحاد السوفييتي كان مقاطعاً لجلسات مجلس الأمن آنذاك، فلم يستعمل حقّ النقض. والدرس أنّ الغياب عن طاولة القرار لا يُلغي القرار.
نتائجها
- عقد **هدنة بانمنجوم** على الحدود بين الكوريتين في **27 جويلية 1953**، وقد أنهت الحرب بعودة الجيوش الكورية الشمالية إلى ما وراء **خطّ 38 شمالاً**.
- إنشاء **منطقةٍ منزوعة السلاح** طولها نحو 250 كلم قرب خطّ 38، وعرضها نحو 04 كلم.
- خلّفت الحرب **ملايين الضحايا** بين قتلى وجرحى، كثيرٌ منهم مدنيّون.
- **تكريس تقسيم الشعب الكوري** إلى دولتين متعاديتين إلى يومنا هذا.
> حصيلةٌ عبثية: بدأت الحرب عند خطّ 38 وانتهت عند خطّ 38، بعد ثلاث سنوات وملايين القتلى. فلا أحد كسب أرضاً، وكسب الجميع عداوةً دائمة. وهذا نموذجٌ صافٍ للحرب بالوكالة: يتقاتل أبناء البلد الواحد، ويختبر القطبان قوّتهما دون أن يتواجها مباشرةً.
3. في إفريقيا: أزمة السويس 1956
أسبابها
- **إعلان جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في 26 جويلية 1956**، رغبةً منه في تحقيق السيادة على القناة، وانتقاماً من الغرب والولايات المتحدة التي أوقفت المساعدات الموجّهة لبناء **السدّ العالي** بعد صفقة السلاح المصرية مع تشيكوسلوفاكيا 1955.
- **رغبة فرنسا في الانتقام** من جمال عبد الناصر بسبب دعمه للثورة الجزائرية.
- **رغبة إسرائيل في التوسّع** بحجّة دعم مصر للقضية الفلسطينية.
- **رغبة بريطانيا** في إبقاء سيطرتها على القناة.
مجريات العدوان
| الطرف | تاريخ دخوله | | :---- | :------------- | | إسرائيل | 29 أكتوبر 1956 | | بريطانيا وفرنسا | 31 أكتوبر 1956 |
ثمّ أوقفت الدول المعتدية عملياتها وانسحبت تحت ضغط الإنذار السوفييتي في 05 نوفمبر 1956 والموقف الأمريكي، فخرجت بريطانيا وفرنسا في ديسمبر 1956 وإسرائيل في مارس 1957.
> من أوقف العدوان؟ لم توقفه قوّة مصر العسكرية، بل التهديد السوفييتي ورفض الولايات المتحدة تغطية حلفائها. والدلالة أنّ القرار في المنطقة انتقل من لندن وباريس إلى موسكو وواشنطن؛ فالقوى الاستعمارية القديمة لم تعد تملك أن تتصرّف وحدها.
نتائجها وانعكاساتها
- **نهاية النفوذ الفرنسي البريطاني** في المنطقة.
- **تصاعد الوجود الأمريكي**: مبدأ إيزنهاور 1957 ضمن سياسة **ملء الفراغ**.
- **تغلغل السوفيات** في المنطقة ودعمهم للأنظمة الاشتراكية.
- **تحوّل مصر إلى قلعةٍ للنضال ضدّ الإمبريالية**، وجمال عبد الناصر إلى زعيمٍ قومي.
- **هجرة أعدادٍ كبيرة من يهود مصر**، اتّجه جزءٌ منهم إلى فلسطين المحتلّة.
أثرها في الثورة الجزائرية
كان العدوان الثلاثي في جانبٍ منه موجَّهاً ضدّ الثورة الجزائرية؛ إذ أرادت فرنسا ضرب القاعدة الخلفية التي كانت تمدّ الثورة بالدعم السياسي والإعلامي والمادّي.
> قراءة الحدث من زاويةٍ جزائرية: حين تشارك فرنسا في عدوانٍ على مصر بسبب دعمها للثورة، فذلك اعترافٌ ضمني بأنّ الثورة الجزائرية صارت قضيةً دولية لا شأناً داخلياً فرنسياً كما كانت تدّعي. فالعدوان نفسه شهادةٌ على نجاح تدويل القضية.
4. في أمريكا: أزمة كوبا 1962
الخلفية
تبعد كوبا أقلّ من 150 كلم عن سواحل فلوريدا. وفي جانفي 1959 نجح الثائر فيدال كاسترو في الإطاحة بالديكتاتور باتيستا، ثمّ تقرّب من الاتحاد السوفييتي وأعلن الطابع الاشتراكي لثورته سنة 1961.
> موقعٌ يصنع الأزمة: لو كانت كوبا في المحيط الهندي لما بلغت الأزمة ما بلغته. لكنّها على أقلّ من 150 كلم من السواحل الأمريكية؛ فوجود صواريخ نووية فيها يعني تقليص زمن الإنذار إلى دقائق. فالجغرافيا هنا هي التي حدّدت حجم الخطر.
أسبابها
- **تحوّل كوبا إلى النظام الشيوعي** وطردها للشركات الأمريكية وتأميم ممتلكاتها.
- **قطع العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة** (جانفي 1961) التي دبّرت محاولة الانقلاب الفاشلة المعروفة بـ**خليج الخنازير في 17 أفريل 1961** بعد تسليحها للمعارضة.
- **اكتشاف طائرات التجسّس الأمريكية لمنصّات الصواريخ السوفييتية** على التراب الكوبي في **14 أكتوبر 1962**.
- **إعلان الولايات المتحدة حصار كوبا في 22 أكتوبر 1962**، واقتربت **السفن السوفييتية** من خطّ الحصار، ممّا أدّى إلى تأزّم الوضع الذي أصبح ينذر بحربٍ شاملة بين المعسكرين.
نتائجها وانعكاساتها
- **تدخّل هيئة الأمم** وعقد لقاءاتٍ ومفاوضات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، أفضت إلى **سحب السوفيات لصواريخهم من كوبا مقابل تعهّدٍ أمريكي بعدم غزوها وسحب الأمريكيّين لصواريخهم من تركيا**.
- إنشاء ما يُعرف بـ**الخطّ الأحمر** بين موسكو وواشنطن سنة 1963، وتبنّي الطرفين لسياسة **الانفراج الدولي**.
- **خروج كوبا وزعيمها منتصرَين** من الأزمة، وتحوّلها إلى قلعةٍ مساندة لحركات التحرّر في العالم الثالث.
> نقطة التحوّل الكبرى: أزمة كوبا هي أخطر لحظةٍ في الحرب الباردة، وهي في الوقت نفسه بداية نهايتها الساخنة. إذ أدرك الطرفان أنّهما اقتربا من الهاوية، فبدأ التفكير في قنوات اتّصالٍ مباشرة وفي تسويةٍ للخلافات. فمن رحم أخطر أزمةٍ وُلد الانفراج الدولي.
5. مفاهيم وتقويم
جدول جامع للأزمات
| الأزمة | التاريخ | القارّة | أهمّ نتيجة | | :----- | :------- | :------ | :------------ | | برلين الأولى | 1948 ـ 1949 | أوروبا | تقسيم ألمانيا إلى دولتين | | كوريا | 1950 ـ 1953 | آسيا | هدنة بانمنجوم وتكريس تقسيم كوريا | | السويس | 1956 | إفريقيا | نهاية النفوذ الفرنسي البريطاني وتصاعد الوجود الأمريكي | | برلين الثانية | 1961 | أوروبا | بناء جدار برلين | | كوبا | 1962 | أمريكا | الخطّ الأحمر وبداية الانفراج الدولي |
المفاهيم والمصطلحات
| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | الأزمة الدولية | توتّرٌ حادّ بين دولٍ يهدّد بالانزلاق إلى حربٍ مفتوحة | | مؤتمر بوتسدام | مؤتمرٌ للحلفاء صيف 1945 رتّب تقسيم ألمانيا ومناطق النفوذ | | الجسر الجوّي | إمداد برلين الغربية بالمؤن جوّاً لتجاوز الحصار السوفييتي | | جدار برلين | جدارٌ بنته ألمانيا الشرقية بدعمٍ سوفييتي 1961 فاصلاً بين شطري المدينة | | خطّ 38 شمالاً | خطُّ عرضٍ اعتُمد حدّاً فاصلاً بين الكوريتين | | الحرب بالوكالة | صراعٌ بين قوّتين كبريين يُدار على أرض طرفٍ ثالث | | ملء الفراغ | سياسةٌ أمريكية لشغل مواقع النفوذ التي تخلّت عنها القوى الاستعمارية القديمة | | الخطّ الأحمر | خطّ اتّصالٍ مباشر بين موسكو وواشنطن أُنشئ بعد أزمة كوبا |
تقويم
س1: لماذا بُني جدار برلين؟
لسببين متلازمين. الأوّل ديمغرافي واقتصادي: نزوح نحو ثلاثة ملايين من ألمانيا الشرقية إلى الغرب، أغلبهم عبر برلين، بين 1949 و1961، وفيهم أطباء ومهندسون وعمّال مهرة. والثاني دعائي: كان هذا النزوح دليلاً يستعمله الغرب على فشل النموذج الشرقي.
والملاحظة الجوهرية أنّ الجدار بُني لمنع الخروج لا لمنع الدخول؛ وهذا وحده يكشف طبيعة الأزمة الداخلية للنظام.
س2: بيّن كيف تحوّلت أزمة السويس إلى انتصارٍ سياسي لمصر رغم الوضع العسكري.
انسحبت الدول المعتدية تحت ضغط التهديد السوفييتي ورفض الولايات المتحدة تغطية حلفائها، لا بفعل انتصارٍ عسكري مصري.
والنتيجة السياسية كانت لصالح مصر: نهاية النفوذ الفرنسي البريطاني في المنطقة، وتحوّل مصر إلى قلعةٍ للنضال ضدّ الإمبريالية، وبروز جمال عبد الناصر زعيماً قومياً وأحد أقطاب حركة عدم الانحياز.
فالانتصار هنا سياسيٌّ ورمزي، وهو في الحرب الباردة لا يقلّ أثراً عن الانتصار الميداني.
س3: لماذا تُعدّ أزمة كوبا نقطة تحوّلٍ في العلاقات الدولية؟
لأنّها كانت أخطر لحظةٍ في الحرب الباردة؛ إذ اقترب المعسكران من مواجهةٍ نووية شاملة.
وحين انفرجت أدرك الطرفان استحالة المواجهة المباشرة، فترتّب على ذلك:
- **تبادل الانسحاب**: صواريخ السوفيات من كوبا مقابل صواريخ الأمريكيّين من تركيا.
- **إنشاء الخطّ الأحمر** بين موسكو وواشنطن 1963 لتفادي سوء التقدير.
- **تبنّي سياسة الانفراج الدولي والتعايش السلمي**.
فهي الأزمة التي أنهت مرحلة التوتّر الأقصى وفتحت مرحلة الحوار.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.