الوحدة الثانية ـ الوضعية 4: تأثير الجزائر وإسهامها في حركة التحرر
مجالات العمل الجزائري بعد الاستقلال، ودورها في الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، وإسهامها في القضية الفلسطينية وحركات التحرر. (خاص بشعبتي آداب وفلسفة وتسيير واقتصاد)
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. مجالات العمل الجزائري بعد الاستقلال، 2. الجزائر في الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، 3. إسهام الجزائر في القضية الفلسطينية، 4. دعم حركات التحرر في إفريقيا والعالم، 5. مفاهيم وتقويم.
1. مجالات العمل الجزائري بعد الاستقلال
المبدأ المؤسّس
تجسيداً لمواثيق الثورة، عملت الجزائر بعد الاستقلال في إطار المبادئ والأسس التالية:
- **تصفية الاستعمار** ودعم حركات التحرّر والقضايا العادلة.
- **توثيق روابط الأخوّة المغاربية والعربية والإفريقية**.
- **إرساء السلم والأمن العالميّين** والتأكيد على مبدأ الشرعية الدولية.
- **دعم التعاون بين دول العالم الثالث** والسعي لتحقيق التحرّر الاقتصادي والتنمية في دول الجنوب.
> من أين جاءت هذه المبادئ؟ ليست اجتهاداً ظرفياً لحكومةٍ ما، بل امتدادٌ مباشر لبيان أوّل نوفمبر وميثاق الصومام وبرنامج طرابلس. فالجزائر بعد الاستقلال تصرّفت وفق منطقٍ بسيط: الشعب الذي نال حرّيته بالتضحية مدينٌ أخلاقياً لمن لا يزال يناضل من أجلها. فالسياسة الخارجية كانت وفاءً لمرجعيةٍ لا حساباً للمصالح فقط.
الانضمام إلى المنظّمات
| المنظّمة | تاريخ الانضمام | | :--------- | :---------------- | | الجامعة العربية | 1962 | | هيئة الأمم المتحدة | 08 أكتوبر 1962 | | منظّمة الوحدة الإفريقية | 1963 | | حركة عدم الانحياز | 1962، مع حضور كلّ قممها | | اتّحاد المغرب العربي | المساهمة في تأسيسه، وقمّة زرالدة الهامّة 1988 |
> سرعة الانخراط: انضمّت الجزائر إلى الأمم المتحدة بعد ثلاثة أشهر فقط من الاستقلال، وإلى منظّمة الوحدة الإفريقية في السنة الموالية. وهذه السرعة ليست شكلية؛ فالبلد الذي انتُزعت قضيّته من التعتيم بالعمل الدبلوماسي يعرف قيمة المقعد في المحفل الدولي ولا يفرّط فيه.
2. الجزائر في الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز
أوّلاً: في الأمم المتحدة
كان انضمام الجزائر في 08 أكتوبر 1962، وقد عملت على تطبيق قراراتها.
دور الجزائر البارز
- **الدعوة لدورةٍ طارئة للجمعية العامّة سنة 1974 وترؤّسها**، وفيها برز خطاب الرئيس **هواري بومدين** بالتأكيد على:
| المطلب | مضمونه | | :----- | :------ | | نظامٌ اقتصادي دولي جديد وعادل | تصحيح اختلال العلاقة بين الشمال والجنوب | | مراقبة عمل الشركات متعدّدة الجنسيات | الحدّ من نهبها لثروات الجنوب | | تثمين ثروات العالم الثالث | إنصاف أسعار المواد الأوّلية |
- **العمل على تمثيل فلسطين** في المنظّمة الدولية.
> جوهر خطاب 1974: لخّص مطلب الجنوب كلّه في فكرةٍ واحدة: أنّ حرّية الشعوب ناقصةٌ ما دامت مواردها تُسعَّر في أسواق غيرها. فالمطالبة بنظامٍ اقتصادي عادل هي استكمالٌ لمعركة التحرّر في ميدانها الثاني؛ ولذلك سُمّي هذا الطرح «التحرّر الاقتصادي».
ثانياً: في حركة عدم الانحياز
الانضمام إليها وحضور كلّ قممها بدايةً من 1962، واحتضان مؤتمرها الرابع بالجزائر في 05 ـ 09 سبتمبر 1973.
مميّزات مؤتمر الجزائر 1973
| المؤشّر | البيان | | :------ | :------ | | الحضور | أمراء ورؤساء أكثر من 76 دولة، و10 قادة حركاتٍ تحرّرية | | التسمية | «باندونغ الثاني» لأهمّية قراراته | | الجديد فيه | إدماج الشقّ الاقتصادي في اهتمامات الحركة |
أهمّ قراراته
- الدعوة إلى **نظامٍ اقتصادي دولي جديد وعادل**.
- **تشجيع سياسة التأميمات**.
- الدعوة إلى **حوار شمال ـ جنوب**.
- التأكيد على **التعاون جنوب ـ جنوب** من خلال **مجموعة 77**.
- **الحدّ من صراع الحرب الباردة** أثناء القطبية الثنائية، ومن الهيمنة الأمريكية بعد نهايتها.
- **اعتبار الصهيونية حركةً عنصرية**.
> لماذا الجزائر بالذات؟ لأنّها جمعت صفتين نادرتين: بلدٌ خرج لتوّه من أطول ثورةٍ تحرّرية وأعنفها، فله رصيدٌ أخلاقي لدى شعوب الجنوب؛ وبلدٌ يملك مورداً طاقوياً يمنحه وزناً في المفاوضات الاقتصادية. فاجتمع لها المثال والقدرة، وهذا ما جعل صوتها مسموعاً في السبعينات أكثر من حجمها الاقتصادي.
3. إسهام الجزائر في القضية الفلسطينية
مواقف ومحطّات
| الإسهام | التاريخ | | :------ | :------- | | افتتاح أوّل مكتبٍ لحركة فتح الفلسطينية بالجزائر | 1964 | | تدريب ضبّاط فلسطينيّين في كلّية شرشال وإرسال شحنة سلاحٍ إلى فتح عبر سوريا، تحضيراً لانطلاقة الثورة الفلسطينية | جانفي 1965 | | المشاركة الفعلية في الحرب العربية الإسرائيلية | 1967 | | إنشاء إذاعة صوت فلسطين | 1970 | | المشاركة في حرب أكتوبر | 1973 | | قرار المؤتمر الرابع لعدم الانحياز باعتبار الصهيونية حركةً عنصرية | 1973 | | ترتيب زيارة ياسر عرفات للأمم المتحدة | 1974 | | أوّل دولةٍ تعترف بدولة فلسطين في المؤتمر المنعقد بالجزائر | 15 نوفمبر 1988 |
كما احتضنت الجزائر العديد من اللقاءات والمؤتمرات الخاصّة بالقضية الفلسطينية.
> دلالة الدعم المبكّر: فتحت الجزائر أوّل مكتبٍ لحركة فتح سنة 1964، أي بعد سنتين فقط من استقلالها وهي بلدٌ خارجٌ من حربٍ مدمّرة تفتقر إلى كلّ شيء. فالدعم لم يأتِ من فائضٍ في القدرة بل من التزامٍ بالمبدأ.
> رمزية إعلان 1988: أُعلن قيام دولة فلسطين من الجزائر، وكانت أوّل دولةٍ تعترف بها. واختيار الجزائر مكاناً للإعلان اعترافٌ فلسطيني بموقعها؛ فالبلد الذي انتزع دولته من الاستعمار كان الفضاء الطبيعي لإعلان دولةٍ لم تُنتزع بعد.
4. دعم حركات التحرر في إفريقيا والعالم
المبدأ
لم تكن مساندة الجزائر لحركات التحرير إلّا امتداداً لمبادئ ثورتها التي ما زالت تؤمن بـحقّ الشعوب في تقرير مصيرها.
علماً أنّ إسهام الجزائر في حركة التحرّر بدأ حتّى قبل استقلالها؛ إذ كانت الثورة الجزائرية نفسها مثالاً يُحتذى ومدرسةً في التنظيم والدبلوماسية.
مجالات الدعم
| القارّة | الحركات المدعومة | | :------ | :------------------ | | إفريقيا | جنوب إفريقيا، الموزمبيق، زيمبابوي، غينيا، ناميبيا، أنغولا | | آسيا | فيتنام | | أمريكا اللاتينية | حركات التحرّر ضدّ الهيمنة | | المغرب العربي | دعم الشعب الصحراوي في كفاحه من أجل الاستقلال |
صور الدعم
- **الدعم السياسي والدبلوماسي** في المحافل الدولية.
- **الدعم المادّي والعسكري**: تدريبٌ وسلاحٌ وتمويل.
- **الاحتضان**: فتح مكاتب تمثيلٍ للحركات في الجزائر.
- **الدعم الإعلامي**: التعريف بالقضايا عبر الإذاعة والصحافة.
> لماذا سُمّيت الجزائر «مكّة الثوّار»؟ لأنّها في الستّينات والسبعينات كانت الوجهة التي تقصدها حركات التحرّر من كلّ القارّات؛ تجد فيها مكتباً وتدريباً ومنبراً. وهذه المكانة لم تُشترَ بالمال بل اكتُسبت بالسيرة: بلدٌ دفع مليون شهيد ثمناً لحرّيته لا يُنتظر منه أن يتخلّى عمّن يدفع الثمن نفسه.
خصائص الثورة الجزائرية التي جعلتها نموذجاً
- تُعدّ **أوّل ثورةٍ أفشلت السياسة الاستيطانية الأوروبية خارج أوروبا**.
- **برهنت أنّ الانتصار على قوى الاستعمار حتميةٌ تاريخية** أمام إرادة الشعوب.
- **واصلت بعد الاستقلال الكفاح ضدّ الإمبريالية** ومناصرة حركات التحرّر والقضايا العادلة، ومقاومة التسلّط والهيمنة السياسية والاقتصادية، في إطار **حركة عدم الانحياز ومجموعة 77**.
> الفرق بين الجزائر وغيرها: كثيرٌ من الدول نالت استقلالها ثمّ انكفأت على شؤونها. أمّا الجزائر فقد جعلت من سياستها الخارجية استمراراً لثورتها؛ فواصلت الكفاح بوسائل أخرى: بالدبلوماسية في الأمم المتحدة، وبالمبادرة في عدم الانحياز، وبالدعم المباشر للحركات. وهذا ما يفسّر وزنها الدولي في تلك المرحلة.
5. مفاهيم وتقويم
المفاهيم والمصطلحات
| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | تصفية الاستعمار | إنهاء الوجود الاستعماري المباشر وحصول المستعمرات على استقلالها | | حركة عدم الانحياز | منظّمةٌ دولية تأسّست 1961 ترفض الانضمام إلى المعسكرين | | مؤتمر الجزائر 1973 | المؤتمر الرابع لعدم الانحياز، سُمّي «باندونغ الثاني» | | مجموعة 77 | تجمّعٌ لدول الجنوب داخل الأمم المتحدة يدافع عن مصالحها الاقتصادية | | النظام الاقتصادي الدولي الجديد | مطلبٌ بتوازنٍ عادل بين أسعار المواد الأوّلية والمصنّعة | | حوار شمال ـ جنوب | تفاوضٌ بين الدول المتقدّمة والنامية حول العلاقات الاقتصادية | | التعاون جنوب ـ جنوب | تعاونٌ بين دول الجنوب لتقليل تبعيتها للشمال | | منظّمة الوحدة الإفريقية | منظّمةٌ تأسّست 1963 لدعم استقلال إفريقيا ووحدتها | | اتّحاد المغرب العربي | تكتّلٌ إقليمي لدول شمال إفريقيا تجسّد عقب قمّة زرالدة 1988 | | الصهيونية | حركةٌ سياسية عنصرية استعمارية، اعتبرها مؤتمر الجزائر 1973 كذلك |
تقويم
س1: على أيّ أسسٍ قامت السياسة الخارجية الجزائرية بعد الاستقلال؟
قامت على أربعة أسس، تجسيداً لمواثيق الثورة:
- **تصفية الاستعمار** ودعم حركات التحرّر والقضايا العادلة.
- **توثيق روابط الأخوّة** المغاربية والعربية والإفريقية.
- **إرساء السلم والأمن العالميّين** والتمسّك بالشرعية الدولية.
- **دعم التعاون بين دول الجنوب** والسعي إلى التحرّر الاقتصادي.
والملاحظة الجوهرية أنّ هذه الأسس ليست اجتهاداً ظرفياً بل امتدادٌ مباشر لبيان أوّل نوفمبر وبرنامج طرابلس؛ فالسياسة الخارجية كانت وفاءً لمرجعية.
س2: بيّن دور الجزائر في مؤتمر عدم الانحياز الرابع 1973.
احتضنت الجزائر المؤتمر من 05 إلى 09 سبتمبر 1973، وحضره أكثر من 76 رئيساً وملكاً و10 قادة حركاتٍ تحرّرية، حتّى سُمّي «باندونغ الثاني».
وأهمّ ما أحدثه إدماج الشقّ الاقتصادي في اهتمامات الحركة، بالدعوة إلى نظامٍ اقتصادي دولي جديد وعادل، وتشجيع سياسة التأميمات، وحوار شمال ـ جنوب، والتعاون جنوب ـ جنوب عبر مجموعة 77، واعتبار الصهيونية حركةً عنصرية.
س3: اذكر أربعة إسهاماتٍ جزائرية في القضية الفلسطينية.
- **افتتاح أوّل مكتبٍ لحركة فتح بالجزائر سنة 1964**، أي بعد سنتين فقط من الاستقلال.
- **تدريب الضبّاط الفلسطينيّين في كلّية شرشال** وإرسال السلاح تحضيراً لانطلاقة الثورة الفلسطينية 1965.
- **المشاركة الفعلية في حربَي 1967 و1973**.
- **الاعتراف بدولة فلسطين** أوّلَ دولةٍ في العالم، وقد أُعلن قيامها من الجزائر في 15 نوفمبر 1988.
والدلالة أنّ الدعم لم يأتِ من فائضٍ في القدرة، بل من التزامٍ بالمبدأ في وقتٍ كانت فيه الجزائر نفسها خارجةً من حربٍ مدمّرة.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.