من مصادر التشريع الإسلامي ـ المصلحة المرسلة

الوحدة 14 ـ تعريف المصالح المرسلة وحجيتها عند المالكية، وشروط العمل بها، وأمثلة عنها.

يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. تعريف المصالح المرسلة، 2. شروط العمل بالمصلحة المرسلة وأمثلتها، 3. خلاصة الوحدة، 4. جدول مصادر التشريع، 5. تقويم.

1. تعريف المصالح المرسلة

أوّلاً: تعريف المصالح المرسلة

  • **لغةً:** **المصلحة: المنفعة، المرسلة: المطلقة.**
  • **اصطلاحاً:** **هي استنباط الحكم في واقعةٍ لا نصّ فيها ولا إجماع، بناءً على مصلحةٍ لا دليل من الشّارع على اعتبارها أو إلغائها.**

> شرح > > لماذا سُمّيت «مرسلة»؟ لأنّها أُرسلت أي أُطلقت، فلم يقيّدها الشّارع باعتبارٍ ولا بإلغاء. > > وبهذا القيد تتميّز عن نوعين آخرين من المصالح: > > | النوع | حال الشّارع منها | مثاله | > | :---- | :---------------- | :---- | > | مصلحة معتبَرة | جاء الدليل باعتبارها | حفظ الكلّيات الخمس | > | مصلحة ملغاة | جاء الدليل بإلغائها | ما يُتوهَّم من منفعةٍ في الرّبا | > | مصلحة مرسلة | لا دليل على اعتبارها ولا إلغائها | جمع القرآن في مصحف | > > فالمرسلة هي الوسط بينهما؛ ولذلك احتاجت شروطاً تضبطها.

ثانياً: حجّية المصلحة المرسلة

يرى المالكية أنّ المصلحة المرسلة لا يُعمل بها في مجال العبادات، وهي حجّة شرعية فيما لا نصّ فيه ولا إجماع، واستدلّوا على ذلك بما يلي:

  • **شرع الله الأحكام لتحقيق مصالح العباد ودفع المضار عنهم.**
  • **الحوادث تتجدّد والمصالح تتغيّر بتغيّر الزّمان والمكان.**
  • **أنّ المصلحة رُوعيت في اجتهادات الصّحابة والتّابعين وأئمّة الاجتهاد.**

> شرح > > لماذا استُثنيت العبادات؟ لأنّ العبادات مبناها على التّوقيف والاتّباع، لا على استحسان العقل للمصلحة. > > وهذا هو عين ما قرّرته وحدة العقل في القرآن الكريم: «لا يُستعمل العقل في الأمور التّعبّدية المحضة». فلو فُتح باب المصلحة في العبادات لزاد النّاس في الصلوات وغيّروا في المناسك بدعوى المنفعة.

2. شروط العمل بالمصلحة المرسلة وأمثلتها

ثالثاً: شروط العمل بالمصلحة المرسلة

  • **أن تكون ملائمةً لمقاصد الشّريعة، غير منافيةٍ لأصلٍ شرعيّ.**
  • **أن تكون عامّة لجميع النّاس، وليست خاصّةً ببعضهم.**
  • **أن تكون معقولةً في ذاتها، حقيقيةً لا وهماً.**

جدول الشروط

| # | الشرط | ما يخرجه | | :-- | :---- | :-------- | | 1 | ملائمة لمقاصد الشّريعة، غير منافيةٍ لأصلٍ شرعيّ | كلّ مصلحةٍ تصادم نصّاً أو مقصداً | | 2 | عامّة لجميع النّاس، وليست خاصّةً ببعضهم | ما ينفع فئةً ويضرّ سائر النّاس | | 3 | معقولة في ذاتها، حقيقيةٌ لا وهماً | المصلحة المتوهَّمة التي لا تقوم على أساس |

> شرح > > الشرط الأوّل هو صمّام الأمان. فلولاه لصار كلّ هوىً مصلحةً وكلّ رغبةٍ حكماً. > > ومعنى «غير منافيةٍ لأصلٍ شرعيّ» أنّ المصلحة إذا اصطدمت بالنصّ فالنصّ مقدَّم قطعاً. إذ لا مصلحة حقيقية فيما خالف الشّرع، وإنّما هي مصلحةٌ متوهَّمة؛ فالشّارع أعلم بما ينفع العباد منهم.

رابعاً: أمثلة عن المصالح المرسلة

  • **توثيق عقود الزّواج بوثيقةٍ رسمية.**
  • **وضع قوانين المرور في الطّرق العامة.**
  • **استنساخ عدّة نسخٍ من القرآن الكريم.**
  • **وضع الميكروفونات في المساجد.**
  • **فرش المساجد.**

> شرح > > طبّق الشروط الثلاثة على مثال «قوانين المرور»: > > | الشرط | تحقّقه في المثال | > | :---- | :---------------- | > | ملائمة لمقاصد الشّريعة | تخدم مقصد «حفظ النّفس»، ولا تنافي أصلاً شرعيّاً | > | عامّة لجميع النّاس | تنتفع بها كلّ فئات المجتمع دون استثناء | > | معقولة حقيقية | منفعتها ملموسةٌ في حفظ الأرواح، ليست وهماً | > > ولاحظ أنّه لا نصّ في المسألة ولا إجماع؛ فكانت مصلحةً مرسلةً بحقّ.

> شرح > > مثال «توثيق عقود الزّواج» يستحقّ وقفة. فعقد الزّواج يصحّ شرعاً بالإيجاب والقبول والشهود دون وثيقة. > > لكن اشتراط التّوثيق الرّسميّ حفظٌ للحقوق عند النّزاع: حقّ المرأة في النفقة، وحقّ الأولاد في النّسب والميراث. فالتّوثيق لم يزد في أركان العقد شيئاً، وإنّما حَرَس آثاره؛ وهذا هو عمل المصلحة المرسلة بدقّة.

> شرح > > الأمثلة الثلاثة الأخيرة مسّت المسجد والمصحف، وهي أقرب ما يكون إلى العبادة. فكيف عُمل فيها بالمصلحة والمالكية يمنعونها في العبادات؟ > > والجواب أنّ المنع منصبٌّ على ذات العبادة وكيفيّتها: عدد الركعات، وصفة الطواف، ووقت الصوم. أمّا وسائلها الخارجة عنها ــ كفرش المسجد ووضع مكبّر الصوت ــ فليست من العبادة نفسها، بل من الوسائل التي تُعين عليها؛ فجرى فيها العمل بالمصلحة.

مصطلحات الوحدة

| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | المصلحة | لغةً: المنفعة | | المرسلة | لغةً: المطلقة | | المصلحة المرسلة | استنباط الحكم في واقعةٍ لا نصّ فيها ولا إجماع، بناءً على مصلحةٍ لا دليل من الشّارع على اعتبارها أو إلغائها | | الواقعة | المسألة النازلة التي يُطلب حكمها | | مقاصد الشّريعة | الأهداف والغايات التي قصدها الشّارع من تشريع الأحكام | | الأصل الشّرعيّ | القاعدة الثابتة بالكتاب أو السّنّة أو الإجماع |

3. خلاصة الوحدة

خلاصة الوحدة

| المحور | العناصر | | :---- | :------ | | أوّلاً: تعريف المصالح المرسلة | لغةً: المصلحة المنفعة والمرسلة المطلقة ــ اصطلاحاً: استنباط الحكم في واقعةٍ لا نصّ فيها ولا إجماع بناءً على مصلحةٍ لا دليل على اعتبارها أو إلغائها | | ثانياً: حجّيتها | يرى المالكية أنّها لا يُعمل بها في العبادات، وهي حجّة شرعية فيما لا نصّ فيه ولا إجماع | | أدلّتهم | شرع الله الأحكام لتحقيق مصالح العباد ــ الحوادث تتجدّد والمصالح تتغيّر ــ المصلحة رُوعيت في اجتهادات الصّحابة والتّابعين | | ثالثاً: شروط العمل بها | ملائمة لمقاصد الشّريعة ــ عامّة لجميع النّاس ــ معقولة حقيقية لا وهماً | | رابعاً: أمثلتها | توثيق عقود الزّواج ــ قوانين المرور ــ استنساخ المصاحف ــ الميكروفونات في المساجد ــ فرش المساجد |

> شرح > > موازنةٌ بين القياس والمصلحة المرسلة: > > | الوجه | القياس | المصلحة المرسلة | > | :---- | :----- | :---------------- | > | متى يُصار إليه | عند فقد النصّ والإجماع | عند فقد النصّ والإجماع | > | مستنده | أصلٌ منصوصٌ عليه تُلحق به النازلة | مصلحةٌ لا دليل على اعتبارها ولا إلغائها | > | الرابط | العلّة المشتركة بين الأصل والفرع | ملاءمة المصلحة لمقاصد الشّريعة | > | مثاله | تحريم المخدّرات قياساً على الخمر | وضع قوانين المرور | > > فالفرق بينهما أنّ القياس يستند إلى أصلٍ معيَّن، والمصلحة المرسلة تستند إلى المقاصد العامّة دون أصلٍ بعينه.

> شرح > > لماذا اشتُهرت المصلحة المرسلة عند المالكية خاصّة؟ لأنّ الإمام مالكاً رحمه الله عاش بالمدينة، وكان أقرب الأئمّة إلى عمل الصّحابة وفتاواهم. > > وقد رأى كيف اجتهد عمر رضي الله عنه فيما لا نصّ فيه: من تدوين الدواوين، وتضمين الصنّاع، وجمع النّاس على إمامٍ واحد في التّراويح. فكانت المصلحة عنده أصلاً معمولاً به لا مجرّد رأي؛ وهو المعنى الذي نصّ عليه الدليل الثالث في المقرَّر.

4. جدول مصادر التشريع

مصادر التشريع الإسلامي مجموعةً

| المصدر | تعريفه المختصر | نوعه | | :----- | :-------------- | :--- | | الكتاب | القرآن الكريم | متّفق عليه | | السّنّة | ما صدر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير | متّفق عليه | | الإجماع | اتّفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصرٍ من العصور بعد وفاة الرّسول على حكمٍ شرعيٍّ عمليّ | متّفق عليه | | القياس | إلحاق مسألةٍ لم يرد فيها نصّ بمسألةٍ ورد فيها نصّ، لاشتراكهما في العلّة | متّفق عليه | | المصلحة المرسلة | استنباط الحكم في واقعةٍ لا نصّ فيها ولا إجماع، بناءً على مصلحةٍ لا دليل على اعتبارها أو إلغائها | مختلف فيه |

> شرح > > هذه الوحدات الثلاث ــ الإجماع والقياس والمصلحة المرسلة ــ بناءٌ واحد. > > افتُتحت في وحدة الإجماع بمسألة «مرونة الشّريعة»، وهي الفكرة التي تجمعها كلّها. فالنصوص متناهية والحوادث لا تتناهى؛ فجعل الشّارع بعد الكتاب والسّنّة أدواتٍ ثلاثاً تستوعب المستجدّ: > > | الأداة | ما تعالجه | > | :----- | :--------- | > | الإجماع | ما اتّفق عليه المجتهدون فيرتقي إلى القطع | > | القياس | ما له نظيرٌ منصوصٌ عليه فيُلحق به | > | المصلحة المرسلة | ما لا نظير له ولا نصّ، فيُنظر فيه إلى المقاصد | > > وبهذا صحّ قول المقرَّر: «لهذا فهي صالحة لكلّ زمانٍ ومكان».

5. تقويم

✦ تقويم (زيادة إثراء ـ ليس من المقرَّر)

هذه الأسئلة من إعداد المنصّة للتدريب، وأجوبتها مبنيّةٌ على عناصر الوحدة كما وردت في المقرَّر.

س1: عرّف المصالح المرسلة لغةً واصطلاحاً.

  • **لغةً**: **المصلحة: المنفعة، المرسلة: المطلقة.**
  • **اصطلاحاً**: **هي استنباط الحكم في واقعةٍ لا نصّ فيها ولا إجماع، بناءً على مصلحةٍ لا دليل من الشّارع على اعتبارها أو إلغائها.**

س2: ما رأي المالكية في المصلحة المرسلة؟ وبمَ استدلّوا؟

يرى المالكية أنّ المصلحة المرسلة لا يُعمل بها في مجال العبادات، وهي حجّة شرعية فيما لا نصّ فيه ولا إجماع.

واستدلّوا بما يلي:

  • **شرع الله الأحكام لتحقيق مصالح العباد ودفع المضار عنهم.**
  • **الحوادث تتجدّد والمصالح تتغيّر بتغيّر الزّمان والمكان.**
  • **أنّ المصلحة رُوعيت في اجتهادات الصّحابة والتّابعين وأئمّة الاجتهاد.**

س3: اذكر شروط العمل بالمصلحة المرسلة.

  • **أن تكون ملائمةً لمقاصد الشّريعة، غير منافيةٍ لأصلٍ شرعيّ.**
  • **أن تكون عامّة لجميع النّاس، وليست خاصّةً ببعضهم.**
  • **أن تكون معقولةً في ذاتها، حقيقيةً لا وهماً.**

س4: مثّل للمصالح المرسلة بثلاثة أمثلة.

  • **توثيق عقود الزّواج بوثيقةٍ رسمية.**
  • **وضع قوانين المرور في الطّرق العامة.**
  • **استنساخ عدّة نسخٍ من القرآن الكريم.**

س5: علّل: اشتراط أن تكون المصلحة غير منافيةٍ لأصلٍ شرعيّ.

لأنّ المصلحة المعتبَرة لا بدّ أن تكون ملائمةً لمقاصد الشّريعة؛ فإذا نافت أصلاً شرعيّاً لم تكن مصلحةً في الحقيقة.

ولأنّ الشّرع إنّما شُرعت أحكامه لتحقيق مصالح العباد ودفع المضار عنهم؛ فما خالف الشّرع فمضرّته أرجح من منفعته.

الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.

تمرّن على هذا الدرس

تمارين درس من مصادر التشريع الإسلامي ـ المصلحة المرسلة (20 تمريناً) — تمارين مصحّحة، أوّلها مفتوح للجميع.

دروس أخرى في الإسلامية