منهج الإسلام في محاربة الانحراف والجريمة

الوحدة 09 ـ مفهوم الانحراف والجريمة وأسبابهما، ومنهج الإسلام الوقائي والعلاجي، وأنواع العقوبات وخصائصها والحكمة من تشريعها.

يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. مفهوم الانحراف والجريمة وأسبابهما، 2. منهج الإسلام: الجانب الوقائي والجانب العلاجي، 3. أنواع الحدود وأحكامها، 4. القصاص والتعزير وخصائص العقوبات، 5. تقويم.

1. مفهوم الانحراف والجريمة وأسبابهما

أوّلاً: مفهوم الانحراف والجريمة

1 ـ مفهوم الانحراف في الإسلام

هو كلّ سلوكٍ يترتّب عليه انتهاك للقيم والمعايير التي تحكم المجتمع.

2 ـ مفهوم الجريمة في الإسلام

محظورات شرعية زجر الله عنها بحدٍّ أو قصاصٍ أو تعزير.

أهمّ أسباب الانحراف والجريمة

  • **انعدام أو ضعف الوازع الدّيني.**
  • **ضعف الوازع الأخلاقي.**
  • **البيئة الفاسدة.**
  • **ترك العبادات والابتعاد عن ذكر الله.**
  • **تعاطي المخدّرات والمسكرات.**

جدولٌ جامع

| المفهوم | تعريفه | | :------ | :----- | | الانحراف | كلّ سلوكٍ يترتّب عليه انتهاك للقيم والمعايير التي تحكم المجتمع | | الجريمة | محظورات شرعية زجر الله عنها بحدٍّ أو قصاصٍ أو تعزير |

> شرح > > فرقٌ دقيقٌ بين المفهومين: الانحراف أعمّ من الجريمة. > > فكلّ جريمةٍ انحراف، وليس كلّ انحرافٍ جريمة؛ إذ الانحراف قد يقع في القيم والآداب دون أن يترتّب عليه حدٌّ أو قصاصٌ أو تعزير. ولذلك عُرّفت الجريمة بذكر عقوبتها، وعُرّف الانحراف بذكر أثره في القيم.

> شرح > > ملاحظةٌ في ترتيب الأسباب: بدأ المقرَّر بالوازع الدّيني ثمّ الأخلاقي ثمّ البيئة. > > والترتيب من الداخل إلى الخارج: فالوازع الدّيني رقيبٌ باطن، والأخلاق رقيبٌ اجتماعيّ، والبيئة محيطٌ خارجيّ. ومتى سقط الرقيب الباطن لم تُغنِ الرقابة الخارجية شيئاً.

2. منهج الإسلام: الجانب الوقائي والجانب العلاجي

ثانياً: منهج الإسلام في محاربة الانحراف والجريمة

1 ـ الجانب الوقائي (التّربوي)

أ ـ تقوية الإيمان والوازع الدّيني

فالإيمان الحقيقي هو الذي يمنع صاحبه من الوقوع في الجريمة، وذلك بالامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه.

ب ـ الحثّ على العبادات ومكارم الأخلاق

وذلك بالمداومة على العبادات المختلفة ممّا يقوّم السّلوك والأخلاق، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]

> شرح > > لماذا قُدّم الوقائي على العلاجي؟ لأنّ العقوبة إنّما تُقام بعد وقوع الجريمة، أمّا التربية فتمنع وقوعها ابتداءً. > > والشريعة تبني الإنسان قبل أن تعاقبه؛ ولذلك نزلت العقائد والأخلاق بمكّة، ونزلت الحدود بالمدينة بعد أن استقرّ الإيمان في النفوس.

2 ـ الجانب العلاجي (العقابي)

أ ـ مفهوم العقوبة في الإسلام

زواجر وضعها الله سبحانه وتعالى للرّدع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر.

ب ـ أنواع العقوبات

الحدود

1 ـ تعريفها

  • **لغةً:** **المنع.**
  • **اصطلاحاً:** **عقوبة مقدَّرة شرعاً تجب حقّاً لله تعالى.**

> شرح > > قيدان في تعريف الحدّ لهما أثرٌ عمليّ: > > | القيد | أثره | > | :---- | :--- | > | مقدَّرة شرعاً | لا يملك القاضي زيادةً فيها ولا نقصاناً، بخلاف التعزير | > | حقّاً لله تعالى | لا يملك أحدٌ إسقاطها بعد بلوغها الحاكم، ولا العفو عنها | > > وستأتي ثمرة القيد الثاني في وحدة الشفاعة في الحدود.

3. أنواع الحدود وأحكامها

2 ـ أنواع الحدود وأحكامها

| الجريمة | تعريفها | حدّها | دليلها | المقصد منه | | :------ | :------ | :---- | :------ | :---------- | | الحرابة | خروج فردٍ أو جماعة إلى الطريق العام قصد منع سالكيه وترويعهم أو أخذ أموالهم والاعتداء على أرواحهم | القتل أو الصَّلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النّفي من الأرض | المائدة: 33 | حفظ النّفس ــ حفظ النّسل ــ حفظ المال | | شرب الخمر | كلّ مسكرٍ يتلف العقل، قلَّ أو كثر | 80 جلدة | حديث «من شرب الخمر فاجلدوه» | حفظ العقل | | القذف | اتّهام المحصن العفيف بالزّنى | 80 جلدة + الحكم عليه بالفسق | النور: 4 | حفظ النّسل | | الزّنى | وطء الرّجل المرأة في الحرام | المتزوّج: الرّجم حتّى الموت / غير المتزوّج: 100 جلدة + النّفي لمدّة عام | النور: 2 | حفظ النّسل | | السّرقة | أخذ مال الغير من موضع حِرزه خفيةً بنيّة تملّكه | قطع اليد | المائدة: 38 | حفظ المال |

أدلّة الحدود من الكتاب والسنّة

دليل الحرابة:

﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]

دليل شرب الخمر:

لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من شرب الخمر فاجلدوه» [رواه البخاري ومسلم]، وقد أجمع الصّحابة على 80 جلدة.

دليل القذف:

﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَٰنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَٰدَةً أَبَدًا وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 4]

دليل الزّنى:

﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]

دليل السّرقة:

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]

> شرح > > اربط عمود «المقصد منه» بوحدة مقاصد الشريعة: الحدود الخمسة كلّها حراسةٌ للكلّيات الخمس. > > | الحدّ | الكلّية المحفوظة | > | :---- | :---------------- | > | الحرابة | النّفس والنّسل والمال | > | شرب الخمر | العقل | > | القذف والزّنى | النّسل | > | السّرقة | المال | > > فالعقوبة ليست انتقاماً، بل هي الوجه العمليّ لحفظ الضّروريات التي درسناها في الوحدة الثامنة.

> شرح > > لماذا شُرع حدّ القذف مع حدّ الزّنى؟ لأنّ العِرض لا يُحمى بمعاقبة الزاني وحده. > > فلو تُرك اتّهام الأبرياء بلا عقوبة لصار العِرض مباحاً للألسنة. ولذلك جُعل نصاب إثبات الزنى أربعة شهود، ومن عجز عنهم جُلد ثمانين وسقطت شهادته أبداً.

4. القصاص والتعزير وخصائص العقوبات

القصاص

1 ـ تعريفه

  • **لغةً:** **تتبّع الأثر.**
  • **اصطلاحاً:** **هو أن يُفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجنيّ عليه.**

2 ـ أنواعه

  • **القصاص في النّفس:** ويكون **في القتل العمد.**
  • **القصاص فيما دون النّفس:** وهو **الجناية دون القتل كالضّرب والجرح العمد.**
  • **الدّية:** هي **ما جُعل في مقابل النّفس وتكون في القتل الخطأ.**

> شرح > > أصل القصاص في القرآن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] > > وفي الآية نفسها بابٌ للعفو: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 178] > > وهذا فرقٌ جوهريّ بين القصاص والحدّ: القصاص حقٌّ للعباد يجوز فيه العفو، والحدّ حقٌّ لله لا يُعفى عنه بعد بلوغه الحاكم.

التّعزير

1 ـ تعريفه

  • **لغةً:** **التّأديب.**
  • **اصطلاحاً:** **عقوبة غير مقدَّرة شرعاً يقدّرها القاضي حسب المصلحة.**

2 ـ أمثلته

تعزير الكاذب، وتعزير الغشّاش، وتعزير مهرّبي المخدّرات، وتعزير شاهدي الزّور...

> شرح > > جدولٌ يجمع الأنواع الثلاثة: > > | الوجه | الحدّ | القصاص | التّعزير | > | :---- | :---- | :------ | :-------- | > | التقدير | مقدَّر شرعاً | مقدَّر بالمماثلة | غير مقدَّر، يقدّره القاضي | > | صاحب الحقّ | حقٌّ لله تعالى | حقٌّ للعباد | تقدّره المصلحة | > | العفو | لا يُعفى عنه | يجوز فيه العفو والدّية | متروكٌ لتقدير القاضي | > > وحكمة وجود التعزير أنّ الجرائم المستجدّة لا تنحصر، فلو حُصرت العقوبات في المقدَّر لعجزت الشريعة عن مواجهة ما يستجدّ.

ج ـ خصائص العقوبات في الإسلام

أ ـ شرعية العقوبة

أي أنّ العقوبة ثابتة إمّا بالكتاب أو السّنّة أو اجتهاد القاضي.

ب ـ المساواة في العقوبة

أي أنّها تطبَّق على جميع الأفراد دون تفرقةٍ بينهم.

ج ـ العدالة في العقوبة

وذلك من خلال:

  • **أن العقوبة تكون بقدر الجريمة.**
  • **العقوبة لا تطبَّق إلّا على مرتكب الجريمة.**
  • **العقوبة لا تطبَّق إلّا بعد التثبّت من وقوع الجريمة.**

د ـ الرّحمة في العقوبة

وذلك بـ:

  • **مراعاة الفروق الفردية، فلا تقام على المريض والضّعيف والحامل.**
  • **درء الحدود بالشّبهات.**
  • **التّشديد في شروط تنفيذ العقوبة.**
  • **السّتر في الجرائم التي لا تتعلّق بحقوق العباد.**
  • **تشريع الدّية.**

4 ـ الحكمة من تشريع العقوبات في الإسلام

  • **حفظ مصالح النّاس وصيانة نظام المجتمع.**
  • **التّأديب والرّدع.**
  • **تطييب خاطر المجنيّ عليه أو وليّه.**

> شرح > > موازنةٌ تُبطل شبهة «قسوة الحدود»: العقوبة في الإسلام محفوفةٌ بشروطٍ تكاد تمنع وقوعها. > > فحدّ الزّنى يحتاج أربعة شهود عدول، والحدود تُدرأ بالشّبهات، والسّتر مندوبٌ إليه فيما لا يتعلّق بحقوق العباد. فالمقصود من الحدّ الرّدع بالتّهديد أكثر من الإيقاع بالتّنفيذ؛ ولذلك اجتمعت في العقوبة «العدالة» و«الرّحمة» معاً كما نصّ المقرَّر.

مصطلحات الوحدة

| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | الانحراف | كلّ سلوكٍ يترتّب عليه انتهاك للقيم والمعايير التي تحكم المجتمع | | الجريمة | محظورات شرعية زجر الله عنها بحدٍّ أو قصاصٍ أو تعزير | | العقوبة | زواجر وضعها الله للرّدع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر | | الحدّ | لغةً المنع، واصطلاحاً عقوبة مقدَّرة شرعاً تجب حقّاً لله تعالى | | القصاص | لغةً تتبّع الأثر، واصطلاحاً أن يُفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجنيّ عليه | | الدّية | ما جُعل في مقابل النّفس، وتكون في القتل الخطأ | | التّعزير | لغةً التّأديب، واصطلاحاً عقوبة غير مقدَّرة شرعاً يقدّرها القاضي حسب المصلحة | | الحرابة | خروج فردٍ أو جماعة إلى الطريق العام قصد منع سالكيه وترويعهم أو أخذ أموالهم | | القذف | اتّهام المحصن العفيف بالزّنى | | درء الحدود بالشّبهات | إسقاط الحدّ عند قيام شبهةٍ في ثبوت الجريمة |

5. تقويم

✦ تقويم (زيادة إثراء ـ ليس من المقرَّر)

هذه الأسئلة من إعداد المنصّة للتدريب، وأجوبتها مبنيّةٌ على عناصر الوحدة كما وردت في المقرَّر.

س1: عرّف الانحراف والجريمة في الإسلام.

  • **الانحراف**: **كلّ سلوكٍ يترتّب عليه انتهاك للقيم والمعايير التي تحكم المجتمع.**
  • **الجريمة**: **محظورات شرعية زجر الله عنها بحدٍّ أو قصاصٍ أو تعزير.**

س2: اذكر أهمّ أسباب الانحراف والجريمة.

  • **انعدام أو ضعف الوازع الدّيني.**
  • **ضعف الوازع الأخلاقي.**
  • **البيئة الفاسدة.**
  • **ترك العبادات والابتعاد عن ذكر الله.**
  • **تعاطي المخدّرات والمسكرات.**

س3: ما الفرق بين الحدّ والتّعزير؟

  • **الحدّ**: **عقوبة مقدَّرة شرعاً تجب حقّاً لله تعالى.**
  • **التّعزير**: **عقوبة غير مقدَّرة شرعاً يقدّرها القاضي حسب المصلحة.**

فالفرق بينهما في التّقدير؛ فالحدّ مقدَّر لا يُزاد فيه ولا يُنقص، والتّعزير موكولٌ إلى تقدير القاضي حسب المصلحة.

س4: اذكر خصائص العقوبات في الإسلام.

  • **شرعية العقوبة**: أي أنّ العقوبة ثابتة إمّا بالكتاب أو السّنّة أو اجتهاد القاضي.
  • **المساواة في العقوبة**: أي أنّها تطبَّق على جميع الأفراد دون تفرقةٍ بينهم.
  • **العدالة في العقوبة**: بأن تكون بقدر الجريمة، ولا تطبَّق إلّا على مرتكبها، ولا إلّا بعد التثبّت من وقوعها.
  • **الرّحمة في العقوبة**: بمراعاة الفروق الفردية، ودرء الحدود بالشّبهات، والتّشديد في شروط التّنفيذ، والسّتر، وتشريع الدّية.

س5: علّل: تشريع التّعزير إلى جانب الحدود.

لأنّ التّعزير عقوبة غير مقدَّرة شرعاً يقدّرها القاضي حسب المصلحة؛ فيتّسع لما لم يرد فيه حدٌّ مقدَّر.

ومن أمثلته: تعزير الكاذب، وتعزير الغشّاش، وتعزير مهرّبي المخدّرات، وتعزير شاهدي الزّور؛ وهي جرائم لا تنحصر، فناسبها عقوبةٌ يقدّرها القاضي.

الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.

تمرّن على هذا الدرس

تمارين درس منهج الإسلام في محاربة الانحراف والجريمة (20 تمريناً) — تمارين مصحّحة، أوّلها مفتوح للجميع.

دروس أخرى في الإسلامية