خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع
الوحدة 24 ـ مناسبة الخطبة وظروفها، وقيمتها التشريعية والحضارية، والمحاور الكبرى التي تضمنتها.
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. مناسبة الخطبة وظروفها وقيمتها، 2. حق الحياة وحق التملك والحق في الأمن، 3. الحقوق الأسرية والحق في المساواة والعدالة، 4. المفاهيم والمصطلحات، 5. تقويم.
1. مناسبة الخطبة وظروفها وقيمتها
أوّلاً: مناسبة الخطبة وظروفها
هذه الخطبة ألقاها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع في التّاسع من ذي الحجّة من السّنة العاشرة للهجرة، فوق جبل الرّحمة على صعيد عرفة.
وفي ذلك اليوم نزل قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
| البند | البيان | | :---- | :------ | | المناسبة | حجّة الوداع | | الزمان | التّاسع من ذي الحجّة من السّنة العاشرة للهجرة | | المكان | فوق جبل الرّحمة على صعيد عرفة | | ما نزل فيها | ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] |
> شرح > > دلالة الزمان والمكان والحضور: يوم عرفة أعظم أيّام العام اجتماعاً، وجبل الرّحمة موقع أعظم مشهدٍ في الحجّ، والحاضرون عشراتُ الألوف من كلّ القبائل. > > فاختيار هذا الظرف مقصود؛ إذ أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يُبلّغ الأمّة كلّها في مجلسٍ واحد. ولذلك سُمّيت «حجّة البلاغ» كما سُمّيت «حجّة الوداع».
> شرح > > لماذا اقترنت آية إكمال الدّين بهذا اليوم؟ لأنّه إعلانٌ لختام التّشريع. > > فما بعد الكمال إلّا النّقصان؛ ومن هنا فهم بعض الصّحابة أنّها إيذانٌ بقرب الأجل. فالخطبة والآية معاً تمثّلان ختام الرسالة عملاً ونصّاً.
ثانياً: قيمة الخطبة
1 ـ القيمة التّشريعية
بيّنت الخطبة الأصول العامة للتّشريع الإسلامي، وأعلنت كمال الدّين وتمام النّعمة بالإسلام.
2 ـ القيمة الحضارية
ففي الخطبة بيانٌ على سبق الإسلام إلى الإعلان عن حقوق الإنسان، وذلك بضمان حقّ الإنسان في الحياة حتّى قبل ولادته، وغيرها من الحقوق الأخرى، وهو ما لم تصل إليه القوانين الوضعية إلّا في القرن الماضي.
جدول القيمة
| القيمة | مضمونها | | :----- | :------- | | التّشريعية | بيان الأصول العامة للتّشريع الإسلامي، وإعلان كمال الدّين وتمام النّعمة بالإسلام | | الحضارية | سبق الإسلام إلى الإعلان عن حقوق الإنسان، وهو ما لم تصل إليه القوانين الوضعية إلّا في القرن الماضي |
> شرح > > موازنةٌ تُبرز معنى «السّبق» الذي ذكره المقرَّر: > > | الحقّ | في خطبة الوداع | في القوانين الوضعية | > | :---- | :--------------- | :--------------------- | > | الحياة والأمن والمال والعِرض | سنة 10 هـ / 632 م | الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان سنة 1948 م | > > والفارق أكثر من ثلاثة عشر قرناً. ثمّ إنّ الفرق ليس في الزمن وحده بل في المصدر: فالحقوق في الإعلانات الوضعية منحةٌ من البشر يملكون تعديلها، وفي الخطبة حقٌّ مقرَّر من الله لا يملك أحدٌ إسقاطه.
2. حق الحياة وحق التملك والحق في الأمن
ثالثاً: المحاور الكبرى التي تضمّنتها الخطبة
1 ـ حقّ الحياة
فقد حرّم الإسلام الاعتداء على النّفس بالقتل وما دونه، وبأيّ صورةٍ كانت.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]
وقال أيضاً: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]
2 ـ حقّ التّملّك
فللإنسان الحقّ في تملّك وحيازة ما يرغب من مالٍ أو عقارٍ ونحو ذلك، ويحرم أن يؤخذ منه بغير حقّ.
لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مَالُ أَخِيهِ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ».
3 ـ الحقّ في الأمن
وهو توفير الحماية للأفراد في أنفسهم وأعراضهم وممتلكاتهم.
قال صلّى الله عليه وسلّم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [رواه أبو داود].
وقال أيضاً: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم].
> شرح > > قيد «وَمَا دُونَهُ» في حقّ الحياة له أثرٌ واسع. > > فالتّحريم لا يقف عند إزهاق الرّوح، بل يشمل كلّ اعتداءٍ على البدن دونه: الجرح، والضّرب، وقطع الأطراف. ولذلك مرّ بنا في وحدة العقوبات أنّ القصاص نوعان: في النّفس وفيما دون النّفس. فالحماية شاملةٌ للحياة وسلامة البدن معاً.
> شرح > > مفتاح حقّ التّملّك في الحديث: «إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ». > > فالرّضا هو المعيار الوحيد لانتقال المال. وهو عين ما قرّرته آية النساء ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. ومن هنا حُرّمت السّرقة والغصب والرّشوة والرّبا؛ لأنّها كلّها صور أخذٍ بغير طيب نفس.
> شرح > > دقّة حديث «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا»: حرّم مجرّد التّرويع، لا الإيذاء الواقع. > > فالأمن حالةٌ نفسية قبل أن يكون واقعاً ماديّاً. ومن أفزع النّاس فقد سلبهم طمأنينتهم وإن لم يمسّهم بسوء. وهذا يوضّح صلة هذا المحور بوحدة الصّحّة النّفسية؛ إذ الطمأنينة شرطٌ في الصحّة كما مرّ هناك.
3. الحقوق الأسرية والحق في المساواة والعدالة
4 ـ الحقوق الأسرية
فللزّوج على زوجته حقّ الطّاعة في المعروف، والقوامة، وحسن العشرة، وحفظ العِرض؛ ولها عليه حقّ النّفقة، والكسوة، والمعاشرة بالمعروف.
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]
وقد أوصى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهنّ خيراً حيث قال: «وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ».
جدول الحقوق الأسرية
| للزّوج على زوجته | للزّوجة على زوجها | | :----------------- | :------------------ | | حقّ الطّاعة في المعروف | حقّ النّفقة | | القوامة | الكسوة | | حسن العشرة | المعاشرة بالمعروف | | حفظ العِرض | |
5 ـ الحقّ في المساواة والعدالة
فالإسلام دين قائم على العدل والمساواة بين جميع أفراد المجتمع، ولا فرق بينهم إلّا بالتّقوى.
قال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: «وَلَيْسَ لِعَرَبِيٍّ فَضْلٌ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى».
> شرح > > معنى «عَوَانٍ» في الحديث: جمع «عانية»، وهي الأسيرة. > > وليس في التّشبيه انتقاصٌ بل استنهاضٌ للرّحمة؛ فمعناه أنّهنّ في كنفكم ورعايتكم، فأحسنوا إليهنّ كما يُحسَن إلى من لا حيلة له. ولذلك جاءت الوصية بلفظ «خَيْرًا» مباشرةً بعده.
> شرح > > قيد «في المعروف» في حقّ الطّاعة هو نفسه القيد الذي مرّ في وحدة القيم. > > فقد عُرّفت الطّاعة هناك بأنّها «الإذعان والخضوع لله وللرّسول ولأولي الأمر، في المعروف وفي غير معصية». والقاعدة واحدة في البيت والدّولة: لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
> شرح > > حديث «وَلَيْسَ لِعَرَبِيٍّ فَضْلٌ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى» هو تطبيقٌ نبويّ لآية الحجرات. > > فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ [الحجرات: 13] > > والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم نزّل الآية على أشدّ صور العصبية في زمانه: تفاضل العرب على العجم. وقد ألقى ذلك في مجمعٍ حضره عشرات الألوف من القبائل المتنافسة؛ فكان إعلاناً بإسقاط كلّ امتيازٍ عِرقيّ في لحظةٍ واحدة.
المحاور الكبرى مجموعةً
| # | المحور | دليله | | :-- | :----- | :---- | | 1 | حقّ الحياة | النساء: 29 ــ الأنعام: 151 | | 2 | حقّ التّملّك | «فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مَالُ أَخِيهِ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» | | 3 | الحقّ في الأمن | «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» ــ «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» | | 4 | الحقوق الأسرية | النساء: 19 ــ «وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» | | 5 | الحقّ في المساواة والعدالة | «وَلَيْسَ لِعَرَبِيٍّ فَضْلٌ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى» |
4. المفاهيم والمصطلحات
مصطلحات الوحدة
| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | حجّة الوداع | حجّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في السّنة العاشرة للهجرة، وهي آخر حجّةٍ حجّها | | جبل الرّحمة | جبلٌ على صعيد عرفة، ألقى فوقه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خطبته | | القيمة التّشريعية | بيان الخطبة للأصول العامة للتّشريع الإسلامي وإعلان كمال الدّين | | القيمة الحضارية | سبق الإسلام إلى الإعلان عن حقوق الإنسان | | حقّ التّملّك | حقّ الإنسان في تملّك وحيازة ما يرغب من مالٍ أو عقارٍ ونحو ذلك | | الحقّ في الأمن | توفير الحماية للأفراد في أنفسهم وأعراضهم وممتلكاتهم | | القوامة | قيام الزّوج على شؤون الأسرة بالرّعاية والنّفقة | | المعاشرة بالمعروف | حسن التّعامل المتبادل بين الزّوجين | | عَوَانٍ | جمع عانية، أي في كنف أزواجهنّ ورعايتهم | | طيب النّفس | الرّضا التّامّ، وهو شرط انتقال المال من مالكه |
خلاصة الوحدة
| المحور | العناصر | | :---- | :------ | | أوّلاً: مناسبة الخطبة وظروفها | حجّة الوداع ــ التّاسع من ذي الحجّة سنة 10 هـ ــ فوق جبل الرّحمة على صعيد عرفة ــ وفيها نزلت آية إكمال الدّين | | ثانياً: قيمة الخطبة | القيمة التّشريعية ــ القيمة الحضارية | | ثالثاً: المحاور الكبرى | حقّ الحياة ــ حقّ التّملّك ــ الحقّ في الأمن ــ الحقوق الأسرية ــ الحقّ في المساواة والعدالة |
> شرح > > الخطبة تجمع مقاصد الشّريعة الخمسة التي درسناها في الوحدة الثامنة: > > | المحور في الخطبة | الكلّية التي يحرسها | > | :----------------- | :-------------------- | > | حقّ الحياة | حفظ النّفس | > | حقّ التّملّك | حفظ المال | > | الحقوق الأسرية | حفظ النّسل | > | إعلان كمال الدّين | حفظ الدّين | > | الحقّ في المساواة والعدالة | صيانة الحقوق كلّها | > > فالخطبة ليست مواعظ متفرّقة، بل وثيقةٌ جامعة لأصول التّشريع؛ وهو معنى ما ذكره المقرَّر من «القيمة التّشريعية».
> شرح > > موقع هذه الوحدة من المقرَّر كلّه: جاءت خاتمةً للوحدات الأربع والعشرين، وهذا مقصود. > > فقد بدأ المقرَّر بالعقيدة، ومرّ بالرّسالات والمقاصد ومصادر التّشريع والقيم والمعاملات وأحكام الأسرة والعلاقات بغير المسلمين. ثمّ ختم بخطبةٍ واحدة جمعت ذلك كلّه في مجلسٍ واحد. فكأنّ الوحدة الأخيرة مراجعةٌ عمليّة لكلّ ما سبق.
5. تقويم
✦ تقويم (زيادة إثراء ـ ليس من المقرَّر)
هذه الأسئلة من إعداد المنصّة للتدريب، وأجوبتها مبنيّةٌ على عناصر الوحدة كما وردت في المقرَّر.
س1: بيّن مناسبة خطبة حجّة الوداع وظروفها.
ألقاها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع في التّاسع من ذي الحجّة من السّنة العاشرة للهجرة، فوق جبل الرّحمة على صعيد عرفة.
وفي ذلك اليوم نزل قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
س2: ما قيمة الخطبة؟
- **القيمة التّشريعية**: **بيّنت الخطبة الأصول العامة للتّشريع الإسلامي، وأعلنت كمال الدّين وتمام النّعمة بالإسلام.**
- **القيمة الحضارية**: **ففي الخطبة بيانٌ على سبق الإسلام إلى الإعلان عن حقوق الإنسان، وذلك بضمان حقّ الإنسان في الحياة حتّى قبل ولادته، وغيرها من الحقوق الأخرى، وهو ما لم تصل إليه القوانين الوضعية إلّا في القرن الماضي.**
س3: اذكر المحاور الكبرى التي تضمّنتها الخطبة.
- **حقّ الحياة.**
- **حقّ التّملّك.**
- **الحقّ في الأمن.**
- **الحقوق الأسرية.**
- **الحقّ في المساواة والعدالة.**
س4: ما المقصود بالحقّ في الأمن؟ واستدلّ عليه.
هو توفير الحماية للأفراد في أنفسهم وأعراضهم وممتلكاتهم.
ودليله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [رواه أبو داود]، وقوله: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم].
س5: بيّن الحقوق الأسرية كما تضمّنتها الخطبة.
فللزّوج على زوجته حقّ الطّاعة في المعروف، والقوامة، وحسن العشرة، وحفظ العِرض؛ ولها عليه حقّ النّفقة، والكسوة، والمعاشرة بالمعروف.
قال تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وقد أوصى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهنّ خيراً حيث قال: «وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ».
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.