الحرية الشخصية ومدى ارتباطها بحقوق الآخرين
الوحدة 21 ـ التعريف بالصحابي راوي الحديث، ومفهوم الحرية الشخصية وضوابطها، ومسؤولية تغيير المنكر ومراتبه وشروطه.
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. نص الحديث والتعريف بالصحابي راويه، 2. مفهوم الحرية الشخصية وضوابطها، 3. مسؤولية تغيير المنكر ومراتبه، 4. شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 5. تقويم.
1. نص الحديث والتعريف بالصحابي راويه
نصّ الحديث
عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» رواه البخاري.
أوّلاً: التعريف بالصحابي راوي الحديث
هو النّعمان بن بشير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه، أوّل مولودٍ للأنصار بعد الهجرة بأربعة أشهر، كان شاعراً وخطيباً، روى 114 حديثاً، توفّي سنة 64 هـ بحمص.
| البند | البيان | | :---- | :------ | | اسمه ونسبه | النّعمان بن بشير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه | | مولده | أوّل مولودٍ للأنصار بعد الهجرة بأربعة أشهر | | صفاته | كان شاعراً وخطيباً | | مرويّاته | روى 114 حديثاً | | وفاته | توفّي سنة 64 هـ بحمص |
> شرح > > لماذا كان مولده حدثاً يُؤرَّخ به؟ لأنّ الأنصار لمّا قدم عليهم المهاجرون أشيع بينهم أنّ اليهود سحروهم فلا يُولد لهم. > > فلمّا وُلد النّعمان رضي الله عنه بعد الهجرة بأربعة أشهر كبّر المسلمون فرحاً. ومن هنا حُفظ تاريخ مولده على وجه التّحديد، وهو ما ذكره المقرَّر.
> شرح > > لماذا اختار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مثل السّفينة بالذات؟ > > لأنّ السّفينة أوضح صورةٍ للمصير المشترك. فراكبها لا يملك أن ينجو وحده؛ فإن غرقت غرق الجميع، من في أعلاها ومن في أسفلها. > > وحجّة أهل الأسفل هي عين حجّة من يدّعي الحرّية المطلقة اليوم: «لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا». فهم يظنّون تصرّفهم في نصيبهم الخاصّ لا يتعدّاهم، والحقيقة أنّه يُغرق السّفينة كلّها.
2. مفهوم الحرية الشخصية وضوابطها
ثانياً: الإيضاح والتحليل
1 ـ مفهوم الحرّية الشّخصية
قدرة الفرد على اتّخاذ قراراته وتحديد خياراته بنفسه دون التّعرّض للإجبار أو الضّغط من أيّ جهةٍ خارجية.
2 ـ ضوابط الحرّية الشّخصية
- **أن لا تخالف نصّاً شرعياً.**
- **أن لا تُلحق ضرراً بالآخرين.**
- **أن ترتبط بالمسؤولية.**
جدول الضوابط
| # | الضابط | ما يمنعه | | :-- | :----- | :-------- | | 1 | أن لا تخالف نصّاً شرعياً | التّذرّع بالحرّية لارتكاب ما حرّمه الشّرع | | 2 | أن لا تُلحق ضرراً بالآخرين | الإضرار بالغير باسم الحرّية الشّخصية | | 3 | أن ترتبط بالمسؤولية | التّصرّف دون تحمّل تبعات الاختيار |
> شرح > > الضوابط الثلاثة مأخوذةٌ من الحديث مباشرةً: > > | الضابط | موضعه من الحديث | > | :---- | :---------------- | > | أن لا تخالف نصّاً شرعياً | «حُدُودِ اللهِ» فهي الحدّ الذي لا يُتجاوز | > | أن لا تُلحق ضرراً بالآخرين | «هَلَكُوا جَمِيعًا» فالخرق في نصيبهم أهلك الكلّ | > | أن ترتبط بالمسؤولية | «وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا» فالنّجاة رهنٌ بتحمّل المسؤولية | > > فليست الضوابط قيوداً مضافةً على الحرّية، بل هي شرط بقائها. فالسّفينة إن غرقت لم يبقَ لأحدٍ حرّيةٌ ولا نصيب.
> شرح > > الفرق بين الحرّية والفوضى في كلمةٍ واحدة: المسؤولية. > > فالحرّية في التصوّر الإسلاميّ ليست انعدام القيد، بل هي قدرة الاختيار مع تحمّل تبعته. ولذلك جاء في تعريف المقرَّر «قدرة الفرد على اتّخاذ قراراته»، وجاء في الضّوابط «أن ترتبط بالمسؤولية». فمن أراد حرّيةً بلا مسؤولية فقد أراد الاختيار بلا حساب، وهذا محال في شرعٍ قام على التّكليف.
3. مسؤولية تغيير المنكر ومراتبه
3 ـ مسؤولية تغيير المنكر
تغيير المنكر واجب ومسؤولية الجميع، وهو سبيل النّجاة، وطريق صلاح المجتمع، والتّهاون فيه يسبّب انهيار الأمم والحضارات، لذا وجب العمل به، وإلّا هلك العاصي بمعصيته، والسّاكت بالرّضا عنها، مصداقاً لقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» [رواه أحمد].
> شرح > > لاحظ لفظ «أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ» في الحديث. > > فالعقاب يعمّ الجميع لا الظالم وحده؛ لأنّ السّكوت عن الظلم شراكةٌ في إبقائه. وهذا هو عين ما قرّره حديث السّفينة: «فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا». فالحديثان يقرّران قاعدةً واحدة: التّهاون في إنكار المنكر يجعل المجتمع كلّه شريكاً في نتيجته.
4 ـ مراتب تغيير المنكر
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [رواه مسلم].
فمراتب تغيير المنكر ثلاث هي:
- **تغيير المنكر باليد:** **بإقامة الحدود، ومعاقبة فاعله، وإزالة المنكر، وهذا خاصّ بالحكّام مع المحكومين، والأولياء مع أولادهم.**
- **تغيير المنكر باللسان:** **من خلال النّصح، والإرشاد، والتّوجيه، وبيان خطورة هذا المنكر، وهو خاصّ بأهل العلم والدّعوة.**
- **التّغيير بالقلب:** **ويكون بعدم الرّضا بالمنكر، والتّحوّل عنه، ومقته، والاشمئزاز منه، وهذه المرتبة فرض عينٍ على كلّ مسلم.**
جدول المراتب
| المرتبة | كيفيّتها | من يخاطَب بها | | :------ | :-------- | :-------------- | | باليد | إقامة الحدود ومعاقبة فاعله وإزالة المنكر | الحكّام مع المحكومين، والأولياء مع أولادهم | | باللسان | النّصح والإرشاد والتّوجيه وبيان خطورة المنكر | أهل العلم والدّعوة | | بالقلب | عدم الرّضا بالمنكر والتّحوّل عنه ومقته والاشمئزاز منه | فرض عينٍ على كلّ مسلم |
> شرح > > لماذا حُصر التّغيير باليد في الحكّام والأولياء؟ لأنّ الإنكار باليد سلطةٌ، والسّلطة لا تكون إلّا لمن مُنحها شرعاً. > > فلو تُرك لكلّ أحدٍ لتحوّل إنكار المنكر إلى فوضى؛ فيصير كلّ فردٍ قاضياً ومنفّذاً. ومن هنا كان شرط «أن لا يؤدّي إلى منكرٍ أشدّ منه» في الشروط التالية؛ فالإنكار وسيلةٌ لدفع المفسدة، فإن جرّ مفسدةً أكبر انقلب على مقصوده.
> شرح > > معنى «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»: أضعف الإيمان لا يعني انعدامه. > > بل هو آخر حدٍّ يبقى للمسلم إذا عجز عمّا فوقه؛ فمن فقده لم يبقَ في قلبه من الإيمان شيء. ولذلك جعله المقرَّر «فرض عينٍ على كلّ مسلم»؛ فاليد قد تعجز واللسان قد يُمنع، أمّا القلب فلا يعجز أحدٌ عن إنكاره.
4. شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
5 ـ من شروط الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر
- **أن يكون متّفقاً عليه على أنّه منكر، غير مختلفٍ فيه.**
- **أن يكون ظاهراً وليس عن طريق التّجسّس والبحث.**
- **أن لا يؤدّي إلى منكرٍ أشدّ منه.**
- **أن يكون الآمر أهلاً لذلك وقدوة.**
جدول الشروط
| # | الشرط | حكمته | | :-- | :---- | :----- | | 1 | أن يكون متّفقاً عليه على أنّه منكر | لئلّا يُنكَر على النّاس ما يسوغ فيه الخلاف بين أهل العلم | | 2 | أن يكون ظاهراً لا عن طريق التّجسّس | صيانةً لحرمات البيوت وأسرار النّاس | | 3 | أن لا يؤدّي إلى منكرٍ أشدّ منه | لأنّ الإنكار وسيلةٌ لدفع المفسدة لا لجلب أكبر منها | | 4 | أن يكون الآمر أهلاً لذلك وقدوة | لأنّ القول يُردّ على قائله إذا خالفه فعله |
> شرح > > الشرط الثاني يحمي الحرّية الشّخصية نفسها. وهذا وجهٌ لطيف في بناء الوحدة. > > فبعد أن قيّد المقرَّر الحرّية بضوابط، عاد فحماها من التّعدّي عليها باسم الإنكار. فلا يجوز تتبّع عورات النّاس ولا التّجسّس عليهم بحجّة تغيير المنكر؛ فالمنكر الخفيّ بين العبد وربّه، وإنّما يُنكَر ما ظهر وتعدّى أثره. > > فالوحدة تُقيم توازناً دقيقاً: حرّيةٌ مضبوطة، وإنكارٌ مضبوط.
> شرح > > الشرط الرابع «أن يكون الآمر أهلاً لذلك وقدوة» لا يعني أنّ العاصي لا يأمر بالمعروف. > > بل معناه أنّ أثر الكلمة يتبع حال قائلها. فالواجبان قائمان معاً: أن يترك المنكر، وأن ينكره على غيره؛ فترك أحدهما لا يُسقط الآخر. لكنّ الآمر إذا كان قدوةً كان قوله أنفذ في النّفوس وأبعد عن الاتّهام.
مصطلحات الوحدة
| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | الحرّية الشّخصية | قدرة الفرد على اتّخاذ قراراته وتحديد خياراته بنفسه دون التّعرّض للإجبار أو الضّغط من أيّ جهةٍ خارجية | | المنكر | كلّ ما أنكره الشّرع ونهى عنه | | المعروف | كلّ ما أمر به الشّرع واستحسنه | | حدود الله | ما حدّه الله لعباده من الأحكام فلا يجوز تجاوزه | | استهموا | اقترعوا فيما بينهم | | فرض العين | ما يجب على كلّ مسلمٍ بعينه ولا يسقط بفعل غيره | | التّجسّس | تتبّع عورات النّاس والبحث عن خفاياهم | | المسؤولية | تحمّل الفرد تبعة اختياره وقراره |
خلاصة الوحدة
| المحور | العناصر | | :---- | :------ | | أوّلاً: راوي الحديث | النّعمان بن بشير الأنصاري ــ أوّل مولودٍ للأنصار بعد الهجرة بأربعة أشهر ــ شاعر وخطيب ــ روى 114 حديثاً ــ توفّي سنة 64 هـ بحمص | | مفهوم الحرّية الشّخصية | قدرة الفرد على اتّخاذ قراراته وتحديد خياراته بنفسه دون إجبارٍ أو ضغط | | ضوابطها | أن لا تخالف نصّاً شرعياً ــ أن لا تُلحق ضرراً بالآخرين ــ أن ترتبط بالمسؤولية | | مسؤولية تغيير المنكر | واجب ومسؤولية الجميع، وسبيل النّجاة، والتّهاون فيه يسبّب انهيار الأمم | | مراتب تغيير المنكر | باليد ــ باللسان ــ بالقلب | | من شروط الأمر بالمعروف | متّفقٌ عليه ــ ظاهرٌ لا بالتّجسّس ــ لا يؤدّي إلى منكرٍ أشدّ ــ أن يكون الآمر أهلاً وقدوة |
5. تقويم
✦ تقويم (زيادة إثراء ـ ليس من المقرَّر)
هذه الأسئلة من إعداد المنصّة للتدريب، وأجوبتها مبنيّةٌ على عناصر الوحدة كما وردت في المقرَّر.
س1: عرّف براوي الحديث.
هو النّعمان بن بشير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه، أوّل مولودٍ للأنصار بعد الهجرة بأربعة أشهر، كان شاعراً وخطيباً، روى 114 حديثاً، توفّي سنة 64 هـ بحمص.
س2: ما مفهوم الحرّية الشّخصية؟ وما ضوابطها؟
مفهومها: قدرة الفرد على اتّخاذ قراراته وتحديد خياراته بنفسه دون التّعرّض للإجبار أو الضّغط من أيّ جهةٍ خارجية.
ضوابطها:
- **أن لا تخالف نصّاً شرعياً.**
- **أن لا تُلحق ضرراً بالآخرين.**
- **أن ترتبط بالمسؤولية.**
س3: بيّن مسؤولية تغيير المنكر.
تغيير المنكر واجب ومسؤولية الجميع، وهو سبيل النّجاة، وطريق صلاح المجتمع، والتّهاون فيه يسبّب انهيار الأمم والحضارات، لذا وجب العمل به، وإلّا هلك العاصي بمعصيته، والسّاكت بالرّضا عنها.
مصداقاً لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ».
س4: اذكر مراتب تغيير المنكر مع بيان من يخاطَب بكلٍّ منها.
- **تغيير المنكر باليد**: **بإقامة الحدود، ومعاقبة فاعله، وإزالة المنكر، وهذا خاصّ بالحكّام مع المحكومين، والأولياء مع أولادهم.**
- **تغيير المنكر باللسان**: **من خلال النّصح والإرشاد والتّوجيه وبيان خطورة هذا المنكر، وهو خاصّ بأهل العلم والدّعوة.**
- **التّغيير بالقلب**: **ويكون بعدم الرّضا بالمنكر والتّحوّل عنه ومقته والاشمئزاز منه، وهذه المرتبة فرض عينٍ على كلّ مسلم.**
س5: اذكر شروط الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
- **أن يكون متّفقاً عليه على أنّه منكر، غير مختلفٍ فيه.**
- **أن يكون ظاهراً وليس عن طريق التّجسّس والبحث.**
- **أن لا يؤدّي إلى منكرٍ أشدّ منه.**
- **أن يكون الآمر أهلاً لذلك وقدوة.**
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.