الصحة النفسية والجسمية في القرآن الكريم
الوحدة 11 ـ مفهوم الصحة النفسية وطرق حفظها، ومفهوم الصحة الجسمية وطرق حفظها في القرآن الكريم.
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. الصحة النفسية ومفهومها، 2. الصحة الجسمية ومفهومها، 3. الصلة بين الصحتين، 4. خلاصة الوحدة، 5. تقويم.
1. الصحة النفسية ومفهومها
أوّلاً: الصّحّة النّفسية
1 ـ مفهوم الصّحّة النّفسية
الحالة التي يكون فيها الإنسان مطمئنّاً وطبيعياً في سلوكه، ولا يعاني من اضطرابٍ أو قلق.
> شرح > > قيدان في التعريف يستحقّان التأمّل: «مطمئنّاً» و«طبيعياً في سلوكه». > > فالأوّل حالٌ باطنة، والثاني أثرٌ ظاهر. والصحّة النفسية لا تتحقّق بأحدهما دون الآخر؛ فمن اضطرب باطنه ظهر ذلك في سلوكه ولو بعد حين.
2 ـ من طرق حفظ الصّحّة النّفسية في القرآن الكريم
أ ـ بالفهم الصّحيح للوجود والمصير
إنّ الفهم الصحيح للوجود وفهم المصير يقتضي الاستعداد له، ممّا ينجيه من المهالك الأخروية، فلا تهتمّ النّفس بالدّنيا بل تنظر إلى ما ينتظرها فتطمئنّ عند فوات ملذّات الدّنيا لأنّ التعويض الأخروي أعظم.
لقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]
> شرح > > كيف يشفي هذا الفهم من القلق؟ أكثر القلق مصدره الشعور بأنّ الجهد ضائع والألم بلا معنى. > > والآية تنسف هذا الشعور من أصله: إذا لم يكن الخلق عبثاً، لم يكن في الحياة شيءٌ ضائع. فالمصيبة ابتلاءٌ مأجور، والجهد محفوظٌ عند الله، والفوات في الدنيا تعويضه في الآخرة أعظم.
ب ـ بتقوية الصّلة بالله (بالذّكر والعبادات)
وتكون بعبادته كما أمر، والاجتهاد في ذكره والتّقرّب إليه بالطّاعات والنّوافل والأذكار، طلباً لحبّه ورضاه، وبذلك تكون حياتنا خالية من الاضطرابات النّفسية.
لقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
ج ـ بالتّزكية والأخلاق
من خلال الحرص على تطهير النّفس من الرّذائل، وتربيتها على مكارم الأخلاق كي تجعل الإنسان محبوباً عند الله وعند النّاس.
لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9]
جدول طرق حفظ الصّحّة النّفسية
| # | الطريقة | مضمونها | دليلها | | :-- | :------ | :------ | :----- | | 1 | الفهم الصّحيح للوجود والمصير | فهم المصير يقتضي الاستعداد له، فتطمئنّ النّفس عند فوات ملذّات الدّنيا | المؤمنون: 115 | | 2 | تقوية الصّلة بالله | العبادة والذّكر والتّقرّب بالطّاعات والنّوافل طلباً لحبّه ورضاه | الرعد: 28 | | 3 | التّزكية والأخلاق | تطهير النّفس من الرّذائل وتربيتها على مكارم الأخلاق | الشمس: 9 |
> شرح > > ترتيبٌ محكم في الطرق الثلاث: الأولى تصحّح التصوّر، والثانية تصل القلب بربّه، والثالثة تُثمر في السلوك. > > فهي رحلةٌ من الفكر إلى القلب إلى العمل. ومن اختلّ عنده الترتيب اختلّت عليه الثمرة؛ فالعبادة بلا فهمٍ عادة، والأخلاق بلا صلةٍ بالله تكلّف.
2. الصحة الجسمية ومفهومها
ثانياً: الصّحّة الجسمية
أ ـ مفهوم الصّحّة الجسمية
هي الحالة التي يكون فيها الإنسان صحيح البدن خالياً من العاهات والأمراض العضوية.
ب ـ من طرق حفظ الصّحّة الجسمية في القرآن الكريم
1 ـ الالتزام بالسّلوكات الصّحّية
أ ـ الوقاية
من خلال تشريع الطّهارة والغسل، وتحريم الأكل من الخبائث، واقتراف الفواحش، إضافةً إلى الإرشاد إلى ممارسة الرّياضة الصّحّية.
ب ـ العلاج
بالحرص على التّداوي من الأمراض بكلّ الطّرق المشروعة، كالحجامة والعسل، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الهَرَمَ» [رواه ابن ماجه].
ج ـ التّأهيل
ويكون بعد العلاج، من نقاهةٍ وإعادة ترويضٍ للجسم، والتّدرّج في علاج حالات الإدمان المستعصية.
2 ـ الإعفاء من بعض الفرائض
اهتمّ الإسلام بعدم تعريض صحّة الجسم إلى ما يضعفها، فقد أسقط في ظروفٍ خاصّة الفروض أو خفّفها، كإباحة الإفطار للمسافر في رمضان، وإباحة التّيمّم للعاجز عن استعمال الماء... إلخ.
جدول طرق حفظ الصّحّة الجسمية
| المحور | مضمونه | | :---- | :------ | | الوقاية | تشريع الطّهارة والغسل ــ تحريم الأكل من الخبائث واقتراف الفواحش ــ الإرشاد إلى ممارسة الرّياضة الصّحّية | | العلاج | الحرص على التّداوي بكلّ الطّرق المشروعة، كالحجامة والعسل | | التّأهيل | النّقاهة وإعادة ترويض الجسم، والتّدرّج في علاج حالات الإدمان المستعصية | | الإعفاء من بعض الفرائض | إسقاط الفروض أو تخفيفها في ظروفٍ خاصّة، كإباحة الإفطار للمسافر وإباحة التّيمّم للعاجز |
> شرح > > لاحظ أنّ المقرَّر ذكر «الوقاية» قبل «العلاج». وهذا يوافق منهج الإسلام كلّه: بناء الإنسان قبل معالجته، كما رأينا في الجانب الوقائي قبل العلاجي في وحدة محاربة الجريمة. > > والوقاية في الشرع سابقةٌ على الطبّ الحديث بقرون: الطهارة والغسل والسواك ومنع الأكل من الخبائث كلّها تدابير وقائية قبل أن تكون عبادات.
> شرح > > أصلٌ قرآنيّ في حفظ البدن: ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] > > وأصلٌ آخر في تحريم الخبائث: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ﴾ [الأعراف: 157] > > وموضع الفائدة أنّ التحريم في الشريعة مرتبطٌ بوصف «الخبث»، لا بمجرّد المنع. فما حُرّم إنّما حُرّم لضرره على البدن أو العقل أو النفس.
> شرح > > ذكر المقرَّر «التّأهيل» بعد العلاج، وهي لفتةٌ لافتة. فكثيرٌ من النّاس يظنّ أنّ الشفاء ينتهي بزوال المرض. > > والحقّ أنّ العودة إلى الحياة الطبيعية مرحلةٌ ثالثة تحتاج تدرّجاً وصبراً؛ ولذلك نصّ المقرَّر على «التّدرّج في علاج حالات الإدمان المستعصية»، لأنّ المدمن يُعالَج ثمّ يحتاج بناءً جديداً لسلوكه.
3. الصلة بين الصحتين
جدولٌ جامع للوحدة
| المحور | المفهوم | طرق الحفظ | | :---- | :------ | :--------- | | الصّحّة النّفسية | الحالة التي يكون فيها الإنسان مطمئنّاً وطبيعياً في سلوكه، ولا يعاني من اضطرابٍ أو قلق | الفهم الصّحيح للوجود والمصير ــ تقوية الصّلة بالله بالذّكر والعبادات ــ التّزكية والأخلاق | | الصّحّة الجسمية | الحالة التي يكون فيها الإنسان صحيح البدن خالياً من العاهات والأمراض العضوية | الالتزام بالسّلوكات الصّحّية: الوقاية والعلاج والتّأهيل ــ الإعفاء من بعض الفرائض |
> شرح > > لماذا جُمعت الصحّتان في وحدةٍ واحدة؟ لأنّ الإنسان في التصوّر الإسلاميّ وحدةٌ واحدة لا جسدٌ وروحٌ منفصلان. > > فالاضطراب النفسيّ يورث أمراضاً بدنية، والمرض البدنيّ يورث قلقاً وضيقاً. ولذلك جاءت طرق الحفظ متداخلة: فالطهارة عبادةٌ ووقاية، والذّكر صلةٌ بالله وطمأنينةٌ للقلب، والإعفاء من الفرائض رحمةٌ بالبدن وراحةٌ للنفس معاً.
> شرح > > جدولٌ يُبرز التقابل بين المحورين: > > | الوجه | في الصّحّة النّفسية | في الصّحّة الجسمية | > | :---- | :------------------ | :------------------ | > | الوقاية | الفهم الصّحيح للوجود والمصير | الطّهارة وتحريم الخبائث والرّياضة | > | العلاج | الذّكر وتقوية الصّلة بالله | التّداوي بالطّرق المشروعة | > | البناء بعد ذلك | التّزكية ومكارم الأخلاق | التّأهيل والنّقاهة | > > فالمنهج واحد في الحالين: وقايةٌ، ثمّ علاجٌ، ثمّ بناء.
مصطلحات الوحدة
| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | الصّحّة النّفسية | الحالة التي يكون فيها الإنسان مطمئنّاً وطبيعياً في سلوكه، ولا يعاني من اضطرابٍ أو قلق | | الصّحّة الجسمية | الحالة التي يكون فيها الإنسان صحيح البدن خالياً من العاهات والأمراض العضوية | | التّزكية | تطهير النّفس من الرّذائل وتربيتها على مكارم الأخلاق | | الوقاية | اتّخاذ ما يمنع وقوع المرض قبل حصوله | | العلاج | التّداوي من الأمراض بالطّرق المشروعة | | التّأهيل | ما يكون بعد العلاج من نقاهةٍ وإعادة ترويضٍ للجسم | | الحجامة | إخراج الدم الفاسد من البدن، وهي من طرق التّداوي المشروعة | | الإعفاء من الفرائض | إسقاط الفرض أو تخفيفه في ظروفٍ خاصّة حفظاً لصحّة الجسم |
4. خلاصة الوحدة
خلاصة الوحدة
| المحور | العناصر | | :---- | :------ | | أوّلاً: الصّحّة النّفسية | مفهومها ــ ومن طرق حفظها في القرآن الكريم | | طرق حفظ الصّحّة النّفسية | بالفهم الصّحيح للوجود والمصير ــ بتقوية الصّلة بالله ــ بالتّزكية والأخلاق | | ثانياً: الصّحّة الجسمية | مفهومها ــ ومن طرق حفظها في القرآن الكريم | | طرق حفظ الصّحّة الجسمية | الالتزام بالسّلوكات الصّحّية (الوقاية والعلاج والتّأهيل) ــ الإعفاء من بعض الفرائض |
أدلّة الوحدة مجموعةً
| الدليل | موضعه | | :----- | :---- | | ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115] | الفهم الصّحيح للوجود والمصير | | ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] | تقوية الصّلة بالله بالذّكر والعبادات | | ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9] | التّزكية والأخلاق | | «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الهَرَمَ» [رواه ابن ماجه] | العلاج والتّداوي |
> شرح > > وقفةٌ مع «إلّا الهَرَم» في الحديث: استثنى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الهرم من الأدواء التي لها شفاء. > > وفي الاستثناء حكمتان: الأولى أنّه يدفع اليأس عن كلّ مريض؛ فما من داءٍ إلّا وله دواء وإن لم يُعرف بعد، والثانية أنّه يذكّر بأنّ الشيخوخة والموت سنّةٌ لا تُدفع؛ فلا يُنفق العمر في مقاومة ما لا يُقاوَم.
> شرح > > ربطٌ بمقاصد الشريعة: هذه الوحدة كلّها تفصيلٌ عمليّ لمقصدَي «حفظ النّفس» و«حفظ العقل» اللذين مرّا في الوحدة الثامنة. > > فما ذُكر هنا من الطهارة والتّداوي والإعفاء من الفرائض هو حفظ النّفس من جهة الوجود، وما ذُكر من تحريم الخبائث وعلاج الإدمان هو حفظها من جهة العدم.
5. تقويم
✦ تقويم (زيادة إثراء ـ ليس من المقرَّر)
هذه الأسئلة من إعداد المنصّة للتدريب، وأجوبتها مبنيّةٌ على عناصر الوحدة كما وردت في المقرَّر.
س1: عرّف الصّحّة النّفسية والصّحّة الجسمية.
- **الصّحّة النّفسية**: **الحالة التي يكون فيها الإنسان مطمئنّاً وطبيعياً في سلوكه، ولا يعاني من اضطرابٍ أو قلق.**
- **الصّحّة الجسمية**: **الحالة التي يكون فيها الإنسان صحيح البدن خالياً من العاهات والأمراض العضوية.**
س2: اذكر طرق حفظ الصّحّة النّفسية في القرآن الكريم.
- **بالفهم الصّحيح للوجود والمصير.**
- **بتقوية الصّلة بالله (بالذّكر والعبادات).**
- **بالتّزكية والأخلاق.**
س3: بيّن طرق حفظ الصّحّة الجسمية في القرآن الكريم.
- **الالتزام بالسّلوكات الصّحّية**، وذلك بـ:
- **الوقاية**: من خلال تشريع الطّهارة والغسل، وتحريم الأكل من الخبائث واقتراف الفواحش، والإرشاد إلى ممارسة الرّياضة الصّحّية.
- **العلاج**: بالحرص على التّداوي من الأمراض بكلّ الطّرق المشروعة، كالحجامة والعسل.
- **التّأهيل**: ويكون بعد العلاج، من نقاهةٍ وإعادة ترويضٍ للجسم، والتّدرّج في علاج حالات الإدمان المستعصية.
- **الإعفاء من بعض الفرائض**: كإباحة الإفطار للمسافر في رمضان، وإباحة التّيمّم للعاجز عن استعمال الماء.
س4: استدلّ على أنّ ذكر الله سببٌ لطمأنينة النّفس.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
س5: علّل: أباح الإسلام الفطر للمسافر في رمضان.
لأنّ الإسلام اهتمّ بعدم تعريض صحّة الجسم إلى ما يضعفها، فأسقط في ظروفٍ خاصّة الفروض أو خفّفها.
ومن ذلك إباحة الإفطار للمسافر في رمضان، وإباحة التّيمّم للعاجز عن استعمال الماء؛ فهذا من الإعفاء من بعض الفرائض حفظاً للصّحّة الجسمية.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.