مقاصد الشريعة الإسلامية
الوحدة 08 ـ تعريف مقاصد الشريعة، والمقصد العام من التشريع الإسلامي، وأقسام المقاصد الثلاثة، وأهمية ترتيبها.
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. تعريف مقاصد الشريعة والمقصد العام من التشريع، 2. المقاصد الضرورية، 3. المقاصد الحاجية والتحسينية، 4. أهمية ترتيب مقاصد الشريعة، 5. تقويم.
1. تعريف مقاصد الشريعة والمقصد العام من التشريع
أوّلاً: تعريف مقاصد الشّريعة
الأهداف والغايات التي قصدها ربّنا سبحانه وتعالى، لتحقيق سعادة الإنسان ومصلحته في الدّنيا والآخرة.
ثانياً: المقصد العام من التشريع الإسلامي
المقصد العام من التّشريع الإسلامي: هو تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، وذلك بجلب المنافع لهم ودفع الضّرر عنهم.
جدولٌ جامع
| المحور | مضمونه | | :---- | :------ | | مقاصد الشّريعة | الأهداف والغايات التي قصدها ربّنا سبحانه وتعالى، لتحقيق سعادة الإنسان ومصلحته في الدّنيا والآخرة | | المقصد العام من التّشريع | تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، بجلب المنافع لهم ودفع الضّرر عنهم |
> شرح > > لاحظ ركنَي المقصد العام: «جلب المنافع» و«دفع الضّرر». > > وقد قدّم أهل العلم دفعَ الضّرر على جلب المنفعة عند التعارض؛ إذ حفظُ ما هو قائم أَولى من تحصيل ما ليس بقائم. وستأتي ثمرة هذه القاعدة في ترتيب المقاصد آخر الوحدة.
> شرح > > قيدٌ لافت في التعريف: «في العاجل والآجل». > > فالشريعة لا تنظر إلى مصلحة الدنيا وحدها كالقوانين الوضعية، ولا تهمل الدنيا انشغالاً بالآخرة. بل تجمع بينهما؛ ولذلك جاء في تعريف المقاصد «سعادة الإنسان ومصلحته في الدّنيا والآخرة».
> شرح > > أصلٌ قرآنيّ للرحمة في التشريع: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] > > وهذه الآية جامعةٌ لمعنى المقاصد كلّه: فالرحمة هي جلب النفع ودفع الضّرر، وهي وصفٌ للرسالة كلّها لا لبعض أحكامها.
2. المقاصد الضرورية
ثالثاً: أقسام مقاصد الشريعة الإسلامية
أ ـ المقاصد الضّرورية
1 ـ تعريفها
هي ما تقوم عليه حياة النّاس، وانعدامها يؤدّي إلى الفساد والهلاك في الدّنيا والآخرة.
2 ـ أنواعها والتمثيل لها
المقاصد الضّرورية خمسة يُطلق عليها الكلّيات الخمس وهي:
- **حفظ الدّين:** ويكون **بتأسيس العقيدة السّليمة وتقويتها**، فأمر الله **بتوحيده وشرع العبادات المتنوّعة**، وحرم **الشّرك والإلحاد، والرّدة عن الدّين**.
- **حفظ النّفس:** **بصيانتها وحمايتها وإبقائها على الحياة**، فأوجب الله **الأكل والشّرب، وشرع العلاج**، وحرم **القتل بغير حقّ، والانتحار**، وحرم **تعريضها للهلاك**، كما شرع **القصاص**.
- **حفظ العقل:** **بالحثّ على طلب العلم النّافع، والدّعوة إلى التّفكّر والتّدبّر والبحث**، وتحريم **كلّ ما يتلف العقل كالخمر والمخدّرات**.
- **حفظ النّسل:** حيث **شرّع الزّواج ودعا إلى التّبكير فيه ورغّب في التّقليل من تكاليفه**، وحرم **الزّنى والقذف والإجهاض**.
- **حفظ المال:** **بالحثّ على تنمية المال بالطّرق المشروعة**، وحرم **السّرقة والرّبا والرّشوة**.
جدول الكلّيات الخمس
| # | الكلّية | ما شُرع لحفظها | ما حُرّم لحفظها | | :-- | :------ | :-------------- | :--------------- | | 1 | حفظ الدّين | التوحيد والعبادات المتنوّعة | الشّرك والإلحاد والرّدة | | 2 | حفظ النّفس | الأكل والشّرب والعلاج والقصاص | القتل بغير حقّ والانتحار وتعريضها للهلاك | | 3 | حفظ العقل | طلب العلم النّافع والتّفكّر والتّدبّر والبحث | كلّ ما يتلف العقل كالخمر والمخدّرات | | 4 | حفظ النّسل | الزّواج والتّبكير فيه وتقليل تكاليفه | الزّنى والقذف والإجهاض | | 5 | حفظ المال | تنمية المال بالطّرق المشروعة | السّرقة والرّبا والرّشوة |
> شرح > > قاعدةٌ تفسّر بناء الجدول: كلّ كلّية تُحفَظ من جهتين: جهة الوجود بشرع ما يقيمها، وجهة العدم بتحريم ما يهدمها. > > فحفظ النفس من جهة الوجود إيجابُ الأكل والشرب، ومن جهة العدم تحريمُ القتل. وهذا هو المنهج الذي مشى عليه المقرَّر في الخمس كلّها.
> شرح > > شاهدٌ لحفظ النّفس: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] > > وشاهدٌ لمشروعية القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] > > وفي الآية الثانية جوابٌ عمّن يستشكل القصاص: القصاص نفسه حياة؛ لأنّه يردع القاتل قبل أن يقتل.
> شرح > > شاهدٌ لحفظ المال: ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29] > > ولاحظ أنّ الآية جمعت الجهتين في نسقٍ واحد: منعت الطريق الباطل، وفتحت الطريق المشروع «تجارةً عن تراض».
3. المقاصد الحاجية والتحسينية
ب ـ المقاصد الحاجية
1 ـ تعريفها
هي ما يحتاجه النّاس من باب التّوسعة ورفع الحرج، وعند فقدانها لا تتوقّف الحياة وإنّما تضيق وتعسر.
2 ـ أمثلتها
- **في العبادات:**
- **إباحة الفطر في نهار رمضان للمريض والمسافر.**
- **إباحة قصر الصلاة للمسافر.**
- **إباحة التّيمّم للعاجز عن استعمال الماء.**
- **في المعاملات:** **بإباحة العقود التي تحقّق حاجات النّاس من البيع والإجارة والرّهن... إلخ.**
- **في العادات:**
- **إباحة الصّيد.**
- **إباحة التّمتّع بالطّيّبات ممّا هو حلال من مأكلٍ ومشربٍ وملبس... إلخ.**
> شرح > > الأصل القرآنيّ لرفع الحرج: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] > > وشاهدٌ لرخصة الفطر بعينها: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] > > والآية نصّت على العلّة بعد الحكم مباشرةً؛ فبيّنت أنّ الرخصة ليست تخفيفاً عارضاً بل مقصدٌ من مقاصد التشريع.
ج ـ المقاصد التّحسينية
1 ـ تعريفها
هي ما زاد عن الضّروري والحاجي، ويتمّ بها اكتمال وتجميل أحوال النّاس وتصرّفاتهم، ولا يؤدّي فقدانها إلى هلاكٍ أو حرج.
2 ـ أمثلتها
- **في العبادات:** **بتشريع الطّهارة، وستر العورة، وأخذ الزّينة في اللباس والطّيب...**
- **في المعاملات:** **بتحريم البيع على البيع، وتحريم الخطبة على الخطبة.**
- **في العادات:** **بإرشاد الشّرع إلى آداب الأكل والشّرب والنّوم وغيرها، وتحريم الأكل من الخبائث.**
جدول الأقسام الثلاثة
| القسم | تعريفه | أثر فقدانه | | :---- | :----- | :--------- | | الضّرورية | ما تقوم عليه حياة النّاس | الفساد والهلاك في الدّنيا والآخرة | | الحاجية | ما يحتاجه النّاس من باب التّوسعة ورفع الحرج | لا تتوقّف الحياة، وإنّما تضيق وتعسر | | التّحسينية | ما زاد عن الضّروري والحاجي، وبه اكتمال وتجميل أحوال النّاس | لا يؤدّي إلى هلاكٍ أو حرج |
> شرح > > شاهدٌ للتحسينيات: ﴿يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] > > وموضع اللطف فيه أنّ الشريعة لم تكتفِ بإقامة أصل العبادة، بل ارتقت إلى هيئتها وجمالها. فالدين يبني الضروريّ ثمّ يوسّع بالحاجيّ ثمّ يُجمّل بالتحسينيّ؛ وهذا بناءٌ متكامل لا ترفٌ زائد.
4. أهمية ترتيب مقاصد الشريعة
ثالثاً: أهمية ترتيب مقاصد الشّريعة
تظهر أهمية ترتيب المقاصد عند تعارض المصالح بعضها ببعض.
1 ـ ترتيب أقسام المقاصد فيما بينها
فتأتي الضّروريات أوّلاً، ثمّ الحاجيات، ثمّ التّحسينيات.
ومن أمثلة ذلك: جواز كشف العورة عند التّداوي دليل على تقديم الضّروري وهو حفظ النّفس على التّحسيني وهو ستر العورة.
2 ـ ترتيب أنواع المقاصد الضّرورية فيما بينها
فيقدَّم حفظ الدّين على النّفس، والنّفس على العقل، والعقل على النّسل، والنّسل على المال.
ومثال ذلك: إباحة شرب الخمر عند العطش الشّديد المؤدّي إلى الهلاك عند فقد غيره من المشروبات الحلال دليل على تقديم حفظ النّفس على العقل.
جدول الترتيب
| المستوى | الترتيب | المثال | | :------ | :------ | :----- | | بين الأقسام | الضّروريات ثمّ الحاجيات ثمّ التّحسينيات | جواز كشف العورة عند التّداوي | | بين الضّروريات | الدّين ثمّ النّفس ثمّ العقل ثمّ النّسل ثمّ المال | إباحة شرب الخمر عند العطش الشّديد المؤدّي إلى الهلاك |
> شرح > > الأصل القرآنيّ للترخيص عند الضرورة: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] > > ولاحظ القيدين «غير باغٍ ولا عادٍ»؛ فالرخصة مقدَّرةٌ بقدرها، لا تُتّخذ ذريعةً ولا يُتجاوز فيها حدّ دفع الهلاك. وهذا ضابطٌ يمنع من التوسّع في دعوى الضرورة.
> شرح > > لماذا قُدّم حفظ الدّين على النّفس؟ لأنّ حفظ النفس مقصودٌ لتعمر بالدين، فالدين هو الغاية والنفس وسيلةٌ لها. > > ولذلك شُرع الجهاد الذي يُبذل فيه النفس حفظاً للدين، ولم يُشرع ترك الدين حفظاً للنفس.
مصطلحات الوحدة
| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | مقاصد الشّريعة | الأهداف والغايات التي قصدها الله لتحقيق سعادة الإنسان ومصلحته في الدّنيا والآخرة | | المقاصد الضّرورية | ما تقوم عليه حياة النّاس، وانعدامها يؤدّي إلى الفساد والهلاك | | الكلّيات الخمس | حفظ الدّين والنّفس والعقل والنّسل والمال | | المقاصد الحاجية | ما يحتاجه النّاس من باب التّوسعة ورفع الحرج | | المقاصد التّحسينية | ما زاد عن الضّروري والحاجي، وبه اكتمال وتجميل أحوال النّاس | | الرّخصة | ما شُرع من الأحكام لعذرٍ مع قيام السبب المحرِّم | | رفع الحرج | التّوسعة على المكلَّفين ودفع المشقّة عنهم |
5. تقويم
✦ تقويم (زيادة إثراء ـ ليس من المقرَّر)
هذه الأسئلة من إعداد المنصّة للتدريب، وأجوبتها مبنيّةٌ على عناصر الوحدة كما وردت في المقرَّر.
س1: عرّف مقاصد الشريعة، وبيّن المقصد العام من التشريع الإسلامي.
- **مقاصد الشّريعة**: **الأهداف والغايات التي قصدها ربّنا سبحانه وتعالى، لتحقيق سعادة الإنسان ومصلحته في الدّنيا والآخرة.**
- **المقصد العام من التّشريع الإسلامي**: **تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، وذلك بجلب المنافع لهم ودفع الضّرر عنهم.**
س2: عرّف المقاصد الضّرورية، واذكر أنواعها.
هي ما تقوم عليه حياة النّاس، وانعدامها يؤدّي إلى الفساد والهلاك في الدّنيا والآخرة.
وأنواعها خمسة يُطلق عليها الكلّيات الخمس: حفظ الدّين، وحفظ النّفس، وحفظ العقل، وحفظ النّسل، وحفظ المال.
س3: مثّل للمقاصد الحاجية في العبادات.
- **إباحة الفطر في نهار رمضان للمريض والمسافر.**
- **إباحة قصر الصلاة للمسافر.**
- **إباحة التّيمّم للعاجز عن استعمال الماء.**
س4: ما الفرق بين المقاصد الحاجية والتّحسينية من حيث أثر فقدانها؟
- **الحاجية**: **عند فقدانها لا تتوقّف الحياة وإنّما تضيق وتعسر.**
- **التّحسينية**: **لا يؤدّي فقدانها إلى هلاكٍ أو حرج.**
س5: علّل: جواز كشف العورة عند التّداوي.
لأنّه دليل على تقديم الضّروري وهو حفظ النّفس على التّحسيني وهو ستر العورة.
وهذا من أهمية ترتيب المقاصد، التي تظهر عند تعارض المصالح بعضها ببعض؛ فتأتي الضّروريات أوّلاً ثمّ الحاجيات ثمّ التّحسينيات.
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.