من مصادر التشريع الإسلامي ـ القياس
الوحدة 13 ـ تعريف القياس وحجيته من الكتاب والسنة وعمل الصحابة، وأركانه وشروطها، وأمثلة عنه.
يتكوّن الدرس من 5 أجزاء: 1. تعريف القياس وحجيته، 2. أركان القياس وشروطها، 3. أمثلة عن القياس، 4. خلاصة الوحدة، 5. تقويم.
1. تعريف القياس وحجيته
أوّلاً: تعريف القياس
- **لغةً:** **التّقدير والمساواة.**
- **اصطلاحاً:** **إلحاق مسألةٍ لم يرد فيها نصّ بمسألةٍ ورد فيها نصٌّ شرعيّ في الحكم، لاشتراكهما في علّة ذلك الحكم.**
> شرح > > مفتاح التعريف كلمةٌ واحدة: «العلّة». > > فالقياس ليس تشبيهاً في الصورة بل اشتراكاً في السبب الذي من أجله شُرع الحكم. ولذلك لا يُقاس شيءٌ على شيءٍ لمجرّد المشابهة الظاهرة، بل لاتّحاد العلّة. وستأتي شروط العلّة في الركن الرابع.
ثانياً: حجّية القياس
من القرآن
قال تعالى: ﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ﴾ [الحشر: 2]
والقياس نوعٌ من الاعتبار.
من السنّة
حديث الخثعمية التي سألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن أبيها فأجابها: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ»، فقاس صلّى الله عليه وسلّم دَيْنَ الله على دَيْنِ العباد.
من عمل الصّحابة
رسالة عمر لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما وجاء فيها: «اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور».
> شرح > > لماذا كان حديث الخثعمية أقوى دليلٍ على القياس؟ لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكتفِ بالجواب، بل علّم السائلة طريقة الاستنباط نفسها. > > فقد بنى الحكم على قياسٍ صريح: الأصل دَيْن العباد، والفرع دَيْن الله، والعلّة كونه ديناً واجب الأداء، والحكم صحّة القضاء عن الميّت. فهو درسٌ في المنهج لا في المسألة وحدها.
> شرح > > دلالة رسالة عمر رضي الله عنه: قوله «اعرف الأشباه والأمثال» تقديمٌ للفهم على الحكم. > > فالقاضي مطالَبٌ أوّلاً بمعرفة ما تشابه من المسائل، ثمّ يقيس. ومن هنا كان القياس عملاً علميّاً دقيقاً لا رأياً مرسلاً؛ ولذلك ضُبط بأركانٍ وشروطٍ صارمة.
2. أركان القياس وشروطها
ثالثاً: أركان القياس وشروطها
1 ـ الأصل (المقيس عليه)
هو الأمر الذي ورد النصّ بحكمه، ويُشترط فيه:
- **أن يكون ثابتاً بنصّ، معلوم الحكم.**
2 ـ الفرع (المقيس)
هو الأمر الذي لم يرد في حكمه نصّ ونريد معرفة حكمه، ويُشترط فيه ما يلي:
- **أن تقوم علّة الأصل فيه.**
- **أن يساوي الأصل في علّة الحكم.**
- **أن لا يكون في الفرع نصٌّ خاصّ يدلّ على مخالفته القياس.**
3 ـ الحكم
هو الحكم الثّابت في الأصل بنصٍّ أو إجماع، ويُشترط فيه:
- **أن يكون حكم الأصل ثابتاً بالكتاب أو السّنّة أو الإجماع.**
- **أن يكون معقول المعنى.**
- **أن لا يكون مختصّاً به.**
4 ـ العلّة
هي الوصف المشترك بين الأصل والفرع، والذي من أجله شُرع حكم الأصل، ويُشترط فيها:
- **أن تكون ظاهرة منضبطة.**
- **أن يدور معها الحكم وجوداً وعدماً.**
جدول الأركان
| # | الركن | تعريفه | من شروطه | | :-- | :---- | :----- | :-------- | | 1 | الأصل (المقيس عليه) | الأمر الذي ورد النصّ بحكمه | أن يكون ثابتاً بنصّ، معلوم الحكم | | 2 | الفرع (المقيس) | الأمر الذي لم يرد في حكمه نصّ ونريد معرفة حكمه | أن تقوم علّة الأصل فيه، وأن يساويه في العلّة، وأن لا يكون فيه نصٌّ خاصّ يخالف القياس | | 3 | الحكم | الحكم الثّابت في الأصل بنصٍّ أو إجماع | أن يكون ثابتاً بالكتاب أو السّنّة أو الإجماع، معقول المعنى، غير مختصٍّ به | | 4 | العلّة | الوصف المشترك بين الأصل والفرع الذي من أجله شُرع حكم الأصل | أن تكون ظاهرة منضبطة، وأن يدور معها الحكم وجوداً وعدماً |
> شرح > > معنى «أن لا يكون الحكم مختصّاً به»: بعض الأحكام خاصّةٌ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو بشخصٍ بعينه، فلا يصحّ القياس عليها. > > ومن ذلك ما اختصّ به صلّى الله عليه وسلّم من الأحكام دون أمّته؛ فالخصوصية تمنع التعدية، إذ الحكم إنّما شُرع لذاته لا لعلّةٍ تتعدّى إلى غيره.
> شرح > > معنى «أن يدور الحكم مع العلّة وجوداً وعدماً»: هذا هو الميزان الذي يُختبر به صحّة العلّة. > > فإن وُجدت العلّة وُجد الحكم، وإن انتفت انتفى. مثاله: عصير العنب حلال، فإذا تخمّر وأسكر حرم، فإذا صار خلّاً وذهب الإسكار حلّ. فالحكم دار مع الإسكار وجوداً وعدماً؛ فدلّ على أنّ الإسكار هو العلّة حقّاً.
> شرح > > معنى «ظاهرة منضبطة»: > > | الوصف | معناه | مثال ما يخالفه | > | :---- | :---- | :-------------- | > | ظاهرة | يمكن إدراكها بالحسّ لا خفيّة في النفوس | الرضا الباطن لا يصلح علّة، ولذلك عُلّق الحكم بالصيغة الظاهرة | > | منضبطة | لا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال | المشقّة تختلف من شخصٍ لآخر، فضُبطت بالسفر لا بالتعب |
3. أمثلة عن القياس
رابعاً: أمثلة عن القياس
| المثال | الأصل | الفرع | حكم الأصل | العلّة | | :----- | :---- | :---- | :--------- | :----- | | قياس المخدّرات على الخمر | الخمر | المخدّرات | التّحريم | الإسكار وإذهاب العقل |
أمثلة أخرى
- **قياس تحريم ضرب الوالدين أو سبّهما على قول «أفٍّ» لهما.**
- **تحريم إبرام كلّ أنواع العقود وقت النّداء لصلاة الجمعة، قياساً على حرمة البيع في ذلك الوقت لعلّة الانشغال عن الصّلاة وتفويتها.**
> شرح > > تفكيك المثال الأوّل إلى أركانه الأربعة: > > | الركن | في مثال المخدّرات | > | :---- | :------------------ | > | الأصل | الخمر، وحكمه ثابتٌ بالنصّ ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] | > | الفرع | المخدّرات، ولم يرد فيها نصٌّ خاصّ | > | الحكم | التّحريم | > | العلّة | الإسكار وإذهاب العقل، وهي ظاهرة منضبطة | > > واربطه بوحدة مقاصد الشريعة: العلّة هنا حراسةٌ لمقصد «حفظ العقل».
> شرح > > المثال الثاني نوعٌ خاصّ يسمّيه الأصوليّون «قياس الأَولى». > > قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23] > > فإذا حُرّم أدنى الأذى وهو التّأفّف، كان تحريم الضرب والسبّ أولى وأحقّ. وهو أقوى صور القياس؛ لأنّ العلّة في الفرع أشدّ منها في الأصل.
> شرح > > أصل المثال الثالث: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] > > نصّت الآية على البيع وحده، فقاس الفقهاء عليه سائر العقود. > > ووجه القياس أنّ العلّة ليست البيع في ذاته، بل الانشغال عن الصلاة وتفويتها؛ وهذه العلّة موجودة في الإجارة والرهن وكلّ عقدٍ يشغل عن الجمعة.
مصطلحات الوحدة
| المصطلح | التعريف | | :------- | :------- | | القياس | إلحاق مسألةٍ لم يرد فيها نصّ بمسألةٍ ورد فيها نصٌّ شرعيّ في الحكم، لاشتراكهما في علّة ذلك الحكم | | الأصل | الأمر الذي ورد النصّ بحكمه، ويسمّى المقيس عليه | | الفرع | الأمر الذي لم يرد في حكمه نصّ ونريد معرفة حكمه، ويسمّى المقيس | | الحكم | الحكم الثّابت في الأصل بنصٍّ أو إجماع | | العلّة | الوصف المشترك بين الأصل والفرع الذي من أجله شُرع حكم الأصل | | الاعتبار | تجاوز حكم الشيء إلى نظيره، والقياس نوعٌ منه | | منضبطة | لا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال |
4. خلاصة الوحدة
خلاصة الوحدة
| المحور | العناصر | | :---- | :------ | | أوّلاً: تعريف القياس | لغةً: التّقدير والمساواة ــ اصطلاحاً: إلحاق مسألةٍ لم يرد فيها نصّ بمسألةٍ ورد فيها نصّ لاشتراكهما في العلّة | | ثانياً: حجّيته | من القرآن: الحشر 2 ــ من السنّة: حديث الخثعمية ــ من عمل الصّحابة: رسالة عمر لأبي موسى الأشعري | | ثالثاً: أركانه | الأصل ــ الفرع ــ الحكم ــ العلّة | | رابعاً: أمثلته | قياس المخدّرات على الخمر ــ تحريم ضرب الوالدين قياساً على التّأفّف ــ تحريم العقود وقت نداء الجمعة قياساً على البيع |
أركان القياس مجموعةً في مثالٍ واحد
| الركن | مثاله في قياس المخدّرات على الخمر | | :---- | :---------------------------------- | | الأصل | الخمر | | الفرع | المخدّرات | | حكم الأصل | التّحريم | | العلّة | الإسكار وإذهاب العقل |
> شرح > > موقع القياس بين المصادر الأربعة: هو رابعها، ولا يُصار إليه إلّا عند فقد النصّ والإجماع. > > | المصدر | متى يُرجع إليه | > | :----- | :-------------- | > | الكتاب | أوّلاً، وهو الأصل | > | السّنّة | إذا لم يوجد في الكتاب | > | الإجماع | إذا لم يوجد في الكتاب ولا السّنّة | > | القياس | إذا لم يوجد نصٌّ ولا إجماع | > > وهذا الترتيب هو ما رسمه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن.
> شرح > > القياس هو باب المرونة عمليّاً. فقد رأينا في وحدة الإجماع أنّ مرونة الشريعة تعني إعطاء الحلول لكلّ نازلةٍ تستجدّ. > > والقياس هو الأداة التي تُنجز ذلك؛ إذ النصوص متناهية والحوادث غير متناهية، فلولا القياس لوقفت الشريعة عند حدود ما نُصّ عليه. ومن هنا كانت المخدّرات ــ ولم تُعرف في زمن التنزيل ــ محرَّمةً بيقين.
5. تقويم
✦ تقويم (زيادة إثراء ـ ليس من المقرَّر)
هذه الأسئلة من إعداد المنصّة للتدريب، وأجوبتها مبنيّةٌ على عناصر الوحدة كما وردت في المقرَّر.
س1: عرّف القياس لغةً واصطلاحاً.
- **لغةً**: **التّقدير والمساواة.**
- **اصطلاحاً**: **إلحاق مسألةٍ لم يرد فيها نصّ بمسألةٍ ورد فيها نصٌّ شرعيّ في الحكم، لاشتراكهما في علّة ذلك الحكم.**
س2: استدلّ على حجّية القياس من القرآن والسنّة.
- **من القرآن**: قال تعالى ﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ﴾ [الحشر: 2]، **والقياس نوعٌ من الاعتبار**.
- **من السنّة**: **حديث الخثعمية** التي سألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن أبيها فأجابها: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ»؛ **فقاس صلّى الله عليه وسلّم دَيْنَ الله على دَيْنِ العباد.**
س3: اذكر أركان القياس.
- **الأصل (المقيس عليه)**: هو الأمر الذي ورد النصّ بحكمه.
- **الفرع (المقيس)**: هو الأمر الذي لم يرد في حكمه نصّ ونريد معرفة حكمه.
- **الحكم**: هو الحكم الثّابت في الأصل بنصٍّ أو إجماع.
- **العلّة**: هي الوصف المشترك بين الأصل والفرع، والذي من أجله شُرع حكم الأصل.
س4: ما شروط العلّة؟
- **أن تكون ظاهرة منضبطة.**
- **أن يدور معها الحكم وجوداً وعدماً.**
س5: بيّن أركان القياس في تحريم المخدّرات.
- **الأصل**: **الخمر.**
- **الفرع**: **المخدّرات.**
- **حكم الأصل**: **التّحريم.**
- **العلّة**: **الإسكار وإذهاب العقل.**
الجزء الأول من الدرس مفتوح للجميع، وبقيته مع الاشتراك.